خوف وقلق بين النازحين في رفح من هجوم إسرائيلي وشيك.. ليس لنا مكان آخر نلجأ إليه

الأحد 11 فبراير 2024 08:30 ص

يخشى مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين نزحوا الى رفح في أقصى جنوب قطاع غزة، وقوع "مجازر" حال نفذّت إسرائيل تهديداتها بشنّ عملية عسكرية في المدينة، مع انعدام الخيارات المتبقية أمامهم.

فعلى بعد مئات الأمتار من سياج رفح الحدودي مع مصر، نصبت عشرات العائلات الفلسطينية الخيام "كملاذ أخير" بحثًا عن ملجأ من القصف الإسرائيلي لقطاع غزة، بعد أن اضطرت إلى الانتقال عدة مرات من منازلها وملاجئها السابقة.

لكن الكثيرين يفكرون الآن في تهجير آخر مع تهديد إسرائيل بعملية عسكرية في مدينة رفح الحدودية، التي تؤوي الآن أكثر من نصف سكان غزة البالغ عددهم مليوني نسمة، حسبما رصد تقرير لموقع "ميدل إيست آي"، وترجمه "الخليج الجديد".

وأعلن رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنه أمر الجيش بـ"التحضير" لهجوم على رفح القريبة من الحدود مع مصر، والتي باتت تستضيف أكثر من مليون شخص في ظل الدمار الواسع والمعارك في شمال القطاع ووسطه، منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل وحركة المقاومة الإسلامية "حماس" في 7 أكتوبر/تشرين الأول.

وفي بيان لعائلات بمدينة رفح والنازحين إليها، رفض الفلسطينيون مغادرة منازلهم والخضوع لتهديدات جيش الاحتلال الإسرائيلي، وأكدوا أنهم "لن يغادروا المدينة"، ويفضلون "الموت شامخين".

وأوضحت العائلات والنازحون أنهم قرروا "عدم مغادرة رفح، واتخاذ القرار بالموت هنا أو العودة لديارهم منتصرين وقد توقفت الحرب".

وشدد النازحون على أنهم لن يتركوا سكان رفح الذين احتضنوهم مع بدء العدوان وفتحوا لهم أبواب بيوتهم، وقالوا بهذا الخصوص: "لن نقبل بالعودة وترك أهل رفح الذين استقبلونا وفتحوا لنا قلوبهم قبل بيوتهم وقاسمونا لقمتهم وملبسهم وشربهم، لن نتركهم وحدهم، لقد اتخذنا القرار، ولن يحدث إلا ما قد كتبه الله لنا".

كما طالبوا المصريين بالتحرك من أجل سكان غزة، والضغط على حكومة بلادهم لإثناء الاحتلال عن ارتكاب جرائم جديدة في رفح.

وجاء في البيان أيضاً: " لن نبرح رفح.. وسنموت شامخين، إما نصر وإما شهادة".

وفي ممر فيلادلفيا، وهو امتداد من الأرض يبلغ طوله 14 كيلومتراً على طول الحدود بين قطاع غزة ومصر، لجأ صالح رزينة إلى خيمة بعد تهجيره للمرة السادسة منذ بداية الحرب، وقد تم استنزافه جسديًا وعقليًا هو وعائلته أثناء محاولتهم العثور على مكان آمن للإقامة.

ويقول: "لقد جئت من جباليا (شمال قطاع غزة) ولجأت إلى أماكن مختلفة من الشمال إلى الجنوب، في مدينة غزة ودير البلح وخان يونس، والآن نحن هنا في رفح".

ويضيف الرجل البالغ من العمر 42 عامًا، وهو أب لأربعة أطفال: "بعد أيام قليلة "من وصولنا، بدأت إسرائيل تهدد بمهاجمة رفح".

ويتابع: "في المرات الخمس الأولى التي نزحت فيها، بقيت مع أقاربي وأصدقائي في منازلهم.. لكن هنا في رفح، لا أعرف أحداً، لذلك لم يكن لدي خيار سوى البقاء في خيمة مع زوجتي وأطفالي".

ويستطرد: "لا أعرف ماذا سأفعل أو أين سأحمل والدتي المسنة وأطفالي إذا أمرونا بالانتقال مرة أخرى".

وخلال الأسبوع الماضي، كثفت إسرائيل هجماتها الجوية على رفح، وشنت عشرات الغارات الجوية القاتلة على الأحياء المكتظة بالسكان والمباني السكنية.

ووفقاً لمنظمة "إنقاذ الطفولة"، فإن أكثر من 1.3 مليون شخص، من بينهم 610 آلاف طفل، محاصرون في رفح، التي تشكل أقل من خمس إجمالي مساحة غزة.

ومع عدم وجود مكان آخر يذهبون إليه، يقول العديد من الأشخاص، الذين نزحوا بالفعل عدة مرات، إنهم لن يغادروا ملاجئهم إذا بدأت إسرائيل غزوًا بريًا في رفح.

ويقول رزينة: "لن أذهب إلى أي مكان آخر.. لقد نزحت بالفعل 6 مرات حتى الآن.. وهذا هو آخر مكان يمكننا الوصول إليه".

ويتابع: "لقد جئنا إلى المنطقة الحدودية مع مصر لأننا اعتقدنا أنها ستكون المكان الأكثر أمانًا، والمكان الأخير الذي ستدفع فيه إسرائيل السكان.. الآن ليس من الممكن دفعهم إلى أبعد من ذلك، وليس من الممكن بالنسبة لنا أن ننتقل إلى أي مكان آخر".

ويزيد: "سوف ننتقل فقط من هنا إلى القبر.. هذا هو الملاذ الأخير لدينا".

وفي وقت سابقٍ السبت، قالت هيئة البث الإسرائيلية الرسمية إن العملية العسكرية في رفح ستبدأ بعد الانتهاء من "إجلاء واسع النطاق" للمدنيين من المدينة وضواحيها.

وفي خيمة مجاورة لخيمة رزينة، تقيم أم جهاد زقوت، وهي في الأصل من سكان تل الزعتر في شمال القطاع، مع عائلتها الممتدة، بما في ذلك أطفالها وأحفادها وأصهارها.

وتقول إن كل منزل لجأت إليه أثناء الهجوم تعرض للقصف والهدم، مضيفة أنه "منذ مجيئها إلى رفح، لم تتوقف الغارات الجوية الإسرائيلية بالقرب من الخيام".

وتروى ما جرى لها بالقول: "هذه هي المرة الثالثة التي ننزح فيها.. المرة الأولى كانت من منزلنا عندما تم استهدافه وهربنا إلى منزل أقاربنا.. وتم استهداف منزلهم أيضًا، لذلك ذهبت إلى منزل عائلتي، وقد تعرض هذا أيضًا للقصف".

وتضيف: "نزحنا إلى النصيرات (وسط قطاع غزة)، ثم قام الإسرائيليون بغزو المنطقة، وجئنا إلى هنا".

وتتابع: "لقد هُدم منزلنا، واستشهدت والدتي، واستشهد ابن أخي، واستشهد أبناء أخ زوجي، وجئنا إلى هنا لأن الإسرائيليين طلبوا منا المغادرة.. زاعمين أن الجنوب آمن".

وتزيد: "لقد جئنا إلى الجنوب، بالقرب من السياج، وتبعونا إلى هنا وقصفونا.. واستشهد أفراد عائلتنا هنا أيضا".

وحذرت الولايات المتحدة الخميس، من أن أي عمل عسكري إسرائيلي في رفح، إذا تم دون تخطيط أو دراسة متأنية، سيؤدي إلى "كارثة".

وقال نائب المتحدث باسم وزارة الخارجية فيدانت باتيل للصحفيين: "لن ندعم القيام بشيء كهذا دون تخطيط جاد وذو مصداقية فيما يتعلق بأكثر من مليون شخص لجأوا هناك، وكذلك دون النظر في آثاره على المساعدات الإنسانية".

وتعد رفح، آخر ملاذ للنازحين في القطاع المنكوب، وتضم أكثر من مليون و400 ألف فلسطيني، بينهم مليون و300 ألف نازح من محافظات أخرى، وفق المكتب الإعلامي الحكومي.

وتقول زقوت: "لقد جئنا إلى السياج الحدودي، أين سنذهب بعد ذلك؟.. لا يوجد مكان بعد السياج.. ليس هناك أمان في رفح.. لقد بدأوا بإطلاق الصواريخ علينا، والشظايا تصل إلينا".

ورغم أن منزلها في غزة دُمر بالكامل، إلا أن زقوت لا تزال ترغب في العودة إليه و"نصب خيمة على أنقاضه".

وتضيف: "لا يوجد بلد يهتم، إنهم يراقبون فقط.. لا نريد المساعدات.. نريد العودة إلى منازلنا ومواصلة حياتنا هناك.. نحن نكافح هنا.. الله وحده يعلم كيف نعيش هنا في ظل هذا البرد".

أما هاجر سرور (52 عاما)، من سكان مدينة خان يونس المجاورة لرفح، فقد فتحت منزلها لعشرات من أقاربها النازحين، قبل أن يضطروا جميعا إلى مغادرته مع اشتداد الهجمات.

وتحكى ما جرى قائلة: "كان سكان الشمال يحتمون معنا.. يتكون منزلنا من 4 طوابق، كل طابق يسكنه ما لا يقل عن 50 فرداً.. في كل مرة يقع فيها القصف، كنا نركض وننزل إلى الشارع.. كنا نختبئ في منازل الجيران حتى يتوقف القصف".

وتضيف: "لكن بعد ذلك قال الإسرائيليون إن علينا مغادرة خان يونس، أردنا المغادرة، لكننا كنا نفكر إلى أين سنذهب بهذا العدد من الأشخاص.. لذلك تفرقنا.. حمل البعض ملابسهم، والبعض الآخر لم يحملها، والبعض الآخر لم يحمل شيئًا من الأساس".

وتتابع: "كانت المروحيات الرباعية تحوم وتطلق النار، ركبنا السيارات، واستمروا في إطلاق النار علينا، ولم نكن نعرف ما إذا كنا سننجو أم لا".

وتشعر سرور بالقلق من أنه بعد أن ينهي الجيش الإسرائيلي عمليته الواسعة في خان يونس، قد يأمر العائلات في مخيمات النازحين بالمغادرة مرة أخرى.

ومع ذلك، مثل معظم الفلسطينيين النازحين، فهي أيضًا لا تعرف إلى أين سيذهبون.

وسبق أن تم تحديد كل من خان يونس ورفح في السابق كمنطقتين آمنتين حيث أمر الجيش الإسرائيلي السكان بالاحتماء.

وتقول سرور: "وصلنا بالقرب من السياج الحدودي مع مصر.. لكن ما هي الخطوة التالية الآن؟، سوف ينتهون من خان يونس ويأتون إلى رفح.. أين سنذهب بعد ذلك؟ هنا في رفح، لدينا حوالي 1.5 مليون نازح".

وتتابع: "لا يوجد أحد أو مكان يمكننا الذهاب إليه.. ليس هناك أمل، لم يترك لنا الإسرائيليون أي خيار.. إنهم لا يتركون لنا الأمل في القول إننا قد نعود إلى ديارنا غدا أو بعد غد".

أما هيثم جرجاوي (37 عاما)، فيقول إنه غادر مع عائلته إلى رفح بحثا عن مأوى من القصف المكثف على خان يونس، ليواجهوا "المزيد من الأهوال".

ويضيف: "ذهبنا أولاً إلى مدرسة معان (في خان يونس).. وبقينا هناك لمدة يومين قبل أن يُطلب منا الذهاب إلى رفح.. وقد فعلنا ذلك.. وجئنا إلى رفح ووجدنا الرعب والقصف هنا".

ويتابع: "نحن محاصرون ومدمرون بالفعل، وفوق كل هذا، وصلنا إلى نقطة أصبحنا فيها تحت القصف.. نحن خائفون في كل دقيقة.. قلوبنا ليست مصنوعة من حديد أو حجر".

ويزيد: "أفضل أنا وزوجتي وأطفالي الموت على النزوح مرة أخرى.. أين سنذهب؟ وإلى أي مكان سنصل؟.. ننتقل من منطقة إلى أخرى مع أطفالنا الذين يشعرون في رعب".

ويختتم: "إما أن نبقى هنا حتى تنتهي هذه الحرب، أو سيقتلوننا، وسنرتاح أخيرًا بسلام".

وتدرجت العمليات العسكرية الإسرائيلية بداية من شمال القطاع ومدينة غزة، وصولا الى المناطق الوسطى خصوصا مخيمات اللاجئين، وبعدها خان يونس (كبرى مدن الجنوب) والتي تشهد منذ أسابيع قصفا مكثفا ومعارك ضارية.

وتزداد المخاوف منذ أيام من هجوم إسرائيلي على مدينة رفح، التي تغصّ حاليا بأكثر من 1,3 مليون نازح، وفق أرقام الأمم المتحدة، يشكّلون أكثر من نصف سكان القطاع البالغ 2,4 مليونا يعانون أوضاعا انسانية كارثية.

ويأتي التلويح الإسرائيلي بشنّ عملية في رفح، في وقت تكثّف الولايات المتحدة وقطر ومصر جهودها لدفع طرفي الحرب الى هدنة جديدة طويلة تتيح الافراج عن مزيد من الأسرى الإسرائيليين وإطلاق معتقلين فلسطينيين، وإيصال مزيد من المساعدات الانسانية لسكان القطاع.

المصدر | ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

رفح إسرائيل نزوح تهجير نتنياهو عملية عسكرية حرب غزة غزة مصر