الثلاثاء 1 مارس 2016 03:03 ص

مثلما أن استخدام مصطلح «داعش»، بما يرمز إليه من استهجان واستبشاع لممارسات إجرامية، يبقى أكثر تعبيراً مما يسمّى بـ«الدولة الإسلامية» دلالة إلى عصابة ليست بدولة ولا علاقة لها بالإسلام، كذلك يحسن استخدام مصطلح «ما يسمّى حزب الله» ليس تنزيهاً لاسم الجلالة فحسب، بل نأياً به عن التحريفات التي حوّلته إلى «اللّات» أو «الشيطان»، وبالتالي عن ممارسات هذا «الحزب» الذي لا ينفكّ يؤكد منذ أواخر عام 2006، بعد شهور من انتهاء حربه مع إسرائيل، أن سلاحه بات موجّهاً نحو الداخل اللبناني، وأنه ليس حزباً بالمعنى المتعارف عليه في السياسة بل مليشيا مسلّحة.

تاريخياً، كل الأحزاب التي أصبحت مليشيات، ونموذجها الأبرز في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، انخرطت في مشاريع فتضخّمت وانفلتت، بغت وتجبّرت، وولغت في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وخرّبت بلدانها وبلداناً أخرى... وكانت نهايتها وخيمة، بلعنة أبدية لقادتها وأتباعها، ولكن بثمن بشري وعمراني كبير لشعبها والشعوب التي تعمّدت إيذاءها.

ما الفارق بين استهزاء «داعش» بالتحالفات الدولية التي تُنشأ لمحاربته، لطرده واستئصاله، وبين ردود فعل ذلك الحزب «اللبناني» (حزب «ما يسمّى...») على المواقف السعودية والخليجية الأخيرة.

«داعش» يعتقد بل يدّعي الدفاع عن المسلمين وهو لا يتوقف عن ذبحهم، وتسببت سيطرته على مناطق شاسعة بتدمير معظم المدن التي مثّلت امتداداً للحضارة الإنسانية متعددة الأديان (الموصل مثالاً) ما أشاع الارتياب في مَن يموّله ويسلّحه ويوجهه، فحتى وهو ينسحب من أي مكان، يحرص على التفخيخ المنهجي لبيوت العبادة ومنازل السكان والمدارس والمرافق، وكأن هدفه الأول والأخير هو التدمير (الرمادي مثالاً).

أمّا «حزب ما يسمّى...»، الذي كسب أفضل سمعة في محاربته العدو الإسرائيلي ومساهمته في تحرير جنوب لبنان من الاحتلال، فقد اختار لنفسه مصيراً آخر يبعده عن أخلاقيات «المقاومة»، إذ يدّعي اليوم أنه يحارب الإرهاب، لكن أجندته الإيرانية فضحته في سوريا ولبنان والعراق، فهو قتل من المسلمين أكثر مما فعل «داعش»، وأسهم مباشرة في التدمير المنهجي (حلب وحمص والزبداني والغوطة مثالاً).

عندما يجلس أحد مقاتلي «حزب ما يسمّى...» مع متدَرّبيه الحوثيين ليعلمهم التخطيط لهجمات على الحدود السعودية، وعمليات «خاصة» في الرياض، واغتيالات هنا وهناك، فبماذا يمكن أن يختلف هذا المدرِّب عن أي مقاتل في تنظيمي «داعش» و«القاعدة» وهو يلقّن متدَرّبيه، أليسوا جميعاً إرهابيين؟ أليسوا جميعاً متعدّدي الجنسية؟ ألا يربط بينهم جميعاً ذلك المبدأ السقيم المسمّى «تصدير الثورة»؟

ألم نرَ من هذه الثورة المصدّرة ما يكفي من التفجيرات واحتجاز الرهائن والاغتيالات ومصادرة عقول أفواج من الشباب العرب والمسلمين لاقتيادهم إلى العنف الأسود وتعليمه كيف يكون أفدح الشرور طريقاً «إلى الجنّة»؟

ألا يقولون جميعاً إن لديهم «عقيدة»، وما هذه «العقيدة» في نهاية المطاف إذا كانت حصيلتها المشتركة بينهم ما نراه من تحكّم بمصير البلدان، والتسبب بانهيار منظومات أمنها وأمانها، فضلاً عن تعريض مجتمعاتها لأخطار التمزّق؟..

إذا كانت الولايات المتحدة والدول الغربية لا تريد تشخيص «الإرهاب» كما هو واقعياً لأن ذلك يحمّلها مسؤولية ما ويكشف أخطاءها ويدينها، وإذا كانت إيران شرّعت الإرهاب الذي صنّعته ووجدت ضالتها في الإرهاب اللاجئ إليها من أفغانستان لتوظيفه في مشروعها التخريبي، فإن العرب غير معذورين في ألّا يشخّصوا حقيقة «الإرهاب»، وألّا يكونوا صفّاً واحداً في محاربته، ومَن يعتقد أنه قادر بمفرده أو أن هذه معركته وحده أو أنه بمنأى عنها وغير معنيّ بها، فهو يرتكب خطيئة تاريخية في حق شعبه ومجتمعه.

عندما تقدم هذه المليشيات والعصابات على ممارسات متطابقة بأهدافها، وأحياناً بتفاصيلها، يصعب الاعتقاد بأن محرّكها ليس واحداً وأنه يتعامل معها كأحجار على شطرنجه، خصوصاً أن القواسم المشتركة في ما بينها تشي بأنها تعمل بوحي «ثقافة» مصدرها واحد. فالدولة ملغاة أو مصادرة في لبنان في أيدي «حزب ما يسمّى...» أو هي آيلة للاندثار في عُرف هذا «الحزب» ورديفه مليشيا «الحشد الشعبي»، إذ يتشاركان ضربها وتهميشها في العراق وسوريا، وبذلك يلتقيان مع «داعش» في اختراعه «دولته» الوهمية (في العراق والشام).

ولعل الفارق الوحيد أن من اصطنع «داعش» و«دولته» أرادهما فقط ذريعةً وتبريراً لمليشيات إيران ودورها، ولتكون «أفضل السيئ» بين نمطين من الإرهاب شديدَي التشابه.

ثمة كذبة لا بدّ أنه تُفضح وتُدحض، إذ تستحيل محاربة الإرهاب بالتغاضي عمّن صنّعه ولا يزال إلى الآن المستفيد الوحيد منه.