الخميس 17 مارس 2016 04:03 ص

يتزامن قرار الرئيس الروسي -بسحب القوات الروسية جزئياً من سورية- مع أحداث ومتغيرات على درجة كبيرة من الأهمية فيما يتعلّق بتقييم الوضع الراهن، والاحتمالات المطروحة بشأن مستقبل سورية.

المتغيّر الأول هو مفاوضات جنيف. إذ يضغط القرار الروسي على الأطراف المحلية والأميركيين لمحاولة الوصول إلى "وصفة سحرية" لحلحلة "عقدة الأسد" التي تحول دون أي تفاهمات حقيقية. لكن إذا فشلت الجولة الحالية، فإنّ السؤال الأكثر أهمية سيتمثل فيما إذا كان انسحاب الروس عسكرياً سيغيّر قواعد اللعبة مرّة أخرى، ويعيد هيكلة ميزان القوى لصالح القوى المعارضة المسلّحة؛ وما هو موقف القوى الإقليمية الرئيسة؛ إيران وتركيا والسعودية، لملء الفراغ الناجم عن "تراجع الدور الروسي"؟

أما المتغيّر الثاني، والأكثر أهمية، فيتمثّل في السياسة الخارجية الأميركية نفسها اليوم، بخاصة بعدما كسر باراك أوباما عصاه، وكشف عن عقيدته، في آخر أيامه، تجاه سورية؛ ومع اشتداد الحملات الانتخابية والتنافس المحموم في أوساط الجمهوريين والديمقراطيين، بما يجعل الرأي العام الأميركي والإعلام في غيبوية كاملة عما يحدث في سورية، والجميع مشدود إلى "الداخل".

وهذا عامل مهم في تخفيف أو إزالة أي ضغوط جديّة على الرئيس أوباما، الذي لا ينوي فعل شيء أصلاً لتغيير الأوضاع في سورية. فسورية ستكون خلال الفترة المقبلة أشبه بملف مهمل على طاولة السياسيين في واشنطن، إلى حين قدوم إدارة أميركية جديدة.

إذن، "الخطة ب" غير موجودة في أدراج وزير الخارجية الأميركي جون كيري، كما كان يزعم. وهي -أي "الخطة ب"- بالنسبة للأطراف الإقليمية، إيران والسعودية وتركيا، تعني زيادة الجهود في الميدان العسكري، لتغيير موازين القوى، أي بمعنى آخر، تتمثل "الخطة ب" الحقيقية في مزيدٍ من الحرب والقتال، وصولاً إلى ما ألمح إليه كيري سابقاً، وهو أنّ البديل عن نجاح المفاوضات السلمية، تقسيم سورية.

كما ذكرنا سابقاً، فإنّ الفيدرالية -أو سيناريو البلقنة الجديدة- ليس وصفاً مرعباً أوشيطانياً، بل قد يكون وصفة الحل لكثير من الملفات العالقة، بعد فشل الدولة القطرية العربية. لكن الفيدرالية (وتحت هذه الجملة المعترضة خطوط كثيرة) لا تهبط من السماء؛ هناك شروط مهمة وحيوية لتحققها، وهي غير متوافرة حالياً في العراق وسورية.

بالضرورة، ثمة فرق بين الحالتين السورية والعراقية، من زاوية القدرة على تطبيق الفيدرالية الجغرافية في العراق، بينما في سورية التداخل الديمغرافي أكبر بكثير، ما يجعل حتى سيناريو التقسيم معقّدا، إلاّ إذا كان المقصود التقسيم الحالي الواقع للنفوذ المحلي الإقليمي.

ماذا يعني ذلك كله أردنياً؟

أولاً، التخفيف من المخاوف بشأن تكرار سيناريو حلب في درعا، ما كان سيعني مئات الآلاف من اللاجئين، وانتقال الفوضى والمواجهات إلى مقربة الحدود، وضغوط دولية إنسانية، واحتمالية وصول "داعش" إلى درعا مع تفكك "الجبهة الجنوبية"-الجيش الحرّ المقرّبة من الأردن.

من المعروف أنّ الأردن أعاد التموضع بصورة كبيرة مع التدخل العسكري الروسي، باتجاه أكبر نحو الحياد. إلاّ أنّ المخاطر زادت ولم تتوقف، ما دفع بالمطبخ السياسي إلى تحذير الروس من الاقتراب إلى حدود الأردن من قبل المحور الإيراني-الروسي، أي بمثابة "خط أحمر" أردني، بعد أن أخلّ الروس بالتزاماتهم تجاه الأردن في "وقف إطلاق النار"، بما أدى إلى سيطرة الجيش السوري على قرية الشيخ مسكين وتعزيز مواقعه في درعا المدينة.

بالضرورة، المطلوب اليوم إعادة تقييم الموقف أردنياً بعد الانسحاب الروسي؛ فيما إذا كان ذلك سيدفع إلى العودة لنظرية "الوسائد" ودعم "الجبهة الجنوبية" ووضع درعا تحت الرعاية الأردنية، مرّة أخرى، بعدما وجدنا أنّ البديل سيكون كارثياً على الأمن الوطني الأردني.

المصدر | الغد الأردنية