الثلاثاء 29 مارس 2016 06:03 ص

ببساطة نحن مقبلون على مرحلة عنوانها العريض هو "أموال المصريين في يد الأجانب" يديرونها كيفما يشاءون وحسب أهدافهم الاقتصادية، وإذا كان الأجانب يسيطرون حاليا على ما يقرب من 35% من حصة القطاع المصرفي المصري، وتزداد الحصة عندما نضيف لها حصة المستثمرين العرب، فماذا يكون عليه الحال إذن عقب بيع ما تبقى من وحدات وبنوك القطاع المصرفي المصري، وماذا يكون عليه الحال مع إعادة الحكومة برنامج بيع البنوك العامة الكبرى المملوكة للدولة، والتي تمثل شريان الاقتصاد القومي والمصدر الرئيسي لتمويله.

في فترة التسعينيات من القرن الماضي، وتحديدا في عام 1996، باعت الحكومة 80% من بنك الإسكندرية، رابع أكبر بنك في مصر، لبنك انتيسا سان باولو الإيطالي في صفقة تجاوزت قيمتها 1.6 مليار دولار، وذلك بعد إنفاقها مليارات الجنيهات على إصلاحه وتسوية ديونه المتعثرة وتنظيف محفظته المالية، وبعدها.

في عام 2008، قررت الحكومة بيع بنك القاهرة، ثالث أكبر بنك في البلاد، ولولا معارضة المشير حسين طنطاوي وزير الدفاع في ذلك الوقت وانتقاده الشديد قرار حكومة أحمد نظيف بيع البنك الحكومي لبنوك أجنبية لتم تمرير الصفقة.

وبعدها أوقفت حكومات مبارك برنامج بيع البنوك، بعد أن تسربت معلومات حول اتجاه الحكومة إلى بيع بنك مصر، ثاني أكبر بنك في البلاد، وظن بعضهم أنه ربما يأتي الدور على البنك الأهلي المصري أكبر بنك في مصر من حيث الحصة السوقية ورأس المال.

لكن بداية العام الجاري فتحت الحكومة ملف بيع البنوك مجددا في ظل الأزمة الخانقة التي يعيشها الاقتصاد، وأمس كشف طارق عامر محافظ البنك المركزي عن قرار حكومي لبيع حصص في بنوك كبرى مثل بيع 20% من أسهم بنك القاهرة، وبيع 40% من أسهم البنك العربي الأفريقي الدولي، وبيع المصرف المتحد بالكامل لمستثمر استراتيجي سيكون في الغالب أجنبيا؟

وأظن أن المرحلة المقبلة سيعقبها مرحلة أخرى من عملية بيع البنوك، منها مثلا بيع حصص الدولة في بنوك الاستثمار العربي، والتعمير والإسكان، والمصري لتنمية الصادرات، وربما تمتد عملية البيع للبنوك الحكومية المتخصصة مثل العقاري المصري والعربي، والعمال والتنمية الصناعية، والتنمية والائتمان الزراعي، إضافة لبيع ما تبقى من حصة الدولة في بنوك أخرى منها بنك الإسكندرية، وربما نصل لبيع أكبر بنكين في البلاد هما الأهلي المصري ومصر.

دعونا نكون واضحين وصرحاء، ونجيب عن هذا السؤال المهم: ما الهدف الذي تسعى الحكومة المصرية لتحقيقه من بيع عدد من البنوك الكبرى، منها بنك القاهرة، والبنك العربي الأفريقي الدولي وهو من أبرز البنوك الناجحة ذات الربحية العالية، والمصرف المتحد المملوك بالكامل للبنك المركزي المصري.

ولماذا قررت الحكومة، وفي هذا التوقيت بالذات، فتح هذا الملف الحساس بالنسبة لقطاع كبير من المصريين، علما أن الحساسية هنا لها أسباب تاريخية منها ارتباط هذه البنوك بأحداث وتواريخ مهمة في تاريخ مصر، فقد أسست ثورة يوليو 1952 بنك القاهرة أول بنك وطني مصري يتم تأسيسه بعد الثورة، وأسس الاقتصادي العبقري طلعت حرب أول بنك مصري في البلاد وهو بنك مصر، في عام 1928، أو ترجع الحساسية لأسباب اقتصادية بحتة منها أن هذا القطاع الحساس يتولى إدارة ما يقرب من 2 تريليون جنيه "ما يعادل 225.2 مليار دولار" هي مدخرات المجتمع.

وأنه لولا البنوك ما وجدت الحكومة أموالا لسداد رواتب الموظفين العاملين بالدولة البالغة 18.16 مليار جنيه شهريا، وما يعادل 218 مليار جنيه سنويا، وما وجدت الحكومة أموالا تشتري بها القمح والغذاء والأدوية والألبان واللحوم من الخارج، ولولا البنوك لانهارت مصر عقب ثورة 25 يناير 2011، لأنها تولت تمويل التجارة الخارجية للبلاد، في وقت تعرض فيه الاقتصاد والإنتاج والأنشطة المختلفة من صادرات وسياحة واستثمارات لحالة شلل شبه كامل.

إذن ما هو الهدف من بيع البنوك في هذا التوقيت، هل هو بهدف جذب الخبرات الأجنبية كما حاولت حكومات كمال الجنزوري وعاطف عبيد وأحمد نظيف أن تصور لنا في فترة التسعينيات من القرن الماضي، أم أن الهدف هو جذب استثمارات خارجية تنقذ الحكومة من أزمات تهاوي الاحتياطي الأجنبي لدى البنك المركزي، وعجز الموازنة العامة للدولة وتراجع الإيرادات العامة، وكذلك عجز الميزان التجاري الذي تجاوز 40 مليار دولار؟

خطورة بيع البنوك أنك تجعل أموال المجتمع في يد الأجانب، فإذا كنا نقول إن الأجنبي لا يمكنه نقل المصانع والشركات للخارج، وبالتالي لا خوف على الأصول العقارية والصناعية، فإن الأجنبي وبـ"زر" واحد يستطيع أن ينقل أموال البنوك للخارج، وأن يستثمر أموال المصريين خارج الحدود، كما أن من حق البنك الأجنبي رفض تمويل أي مشروع مصري خاصة إذا ما كانت لهذا المشروع أبعاد اجتماعية.

بنوك مصر لديها من الخبرات البشرية ما يفوق الخبرات المتوافرة لدى البنوك الأجنبية العاملة في مصر، وبالتالي فإن هدف جذب تكنولوجيا مصرفية متطورة غير متوافر، والبنوك المصرية تحقق أرباحا كبيرة، وبالتالي لا يجوز التفريط فيها من الناحية الاقتصادية، وأكبر دليل على ذلك هو تهافت المصارف العربية والأجنبية للعمل في السوق المصرية رغم المعاناة الشديدة التي يعاني منها الاقتصاد المحلى.

* مصطفى عبد السلام - رئيس القسم الاقتصادي بـ"العربي الجديد"

المصدر | العربي الجديد