الخميس 7 أبريل 2016 11:04 ص

يواصل تنظيم «الدولة الإسلامية» فرض سيطرته على مساحات واسعة من الأراضي في العراق وسوريا في حين تحتدم الحرب الأهلية في اليمن وتواصل تركيا شن حربها على الأكراد. تكافح حكومة الوحدة الوطنية الجديدة التي ترعاها الأمم المتحدة من أجل فرض سيطرتها على ليبيا بينما تفرض الديكتاتورية العسكرية سيطرتها على مصر. اللاجئون الفارون من الفوضى في سوريا يتدفقون على أوروبا وخارجها. لا تزال طالبان تمارس نفوذها في أفغانستان وتمتد أيضا إلى باكستان. العنف بين الإسرائيليين والفلسطينيين لا يزال قائما في حين يواصل ملالي إيران، مستفيدين من الاتفاق النووي الذي تم بموجبه تخفيف العقوبات خلال العام الماضي، إحباط الديمقراطية في الداخل وتهديد جيرانهم من خلال تجارب الصواريخ البالستية. هذا باختصار هو الوضع الذي يحياه الشرق الأوسط الكبير في الوقت الراهن.

في سردية جديدة واسعة الانتشار، يقوم المؤرخ «أندرو باسيفيتش» باستعراض تاريخ تدخلات الولايات المتحدة في المنطقة ويصل إلى استنتاج واقعي: إنها ببساطة لا تعمل.

في الواقع، فإن الأمر أسوأ من ذلك بكثير. فشلت جهود الولايات المتحدة لتحقيق السلام والنظام في المنطقة، وكان لها في كثير من الأحيان تأثير عكسي. وفي الوقت نفسه، فإنها أدت إلى تقويض أمن الولايات المتحدة في الداخل.

هذا، وكما يوضح «باسيفيتش» في مجلة بوليتيكو، فإن هناك سؤالين كبيرين في هذا الصدد: أولا، لماذا لم يتمكن أقوى جيش في العالم من تحقيق سوى القليل جدا بينما عانى خسائر كبيرة وألحق أضرارا جسيمة بالمصالح الأمريكية المفترضة. ثانيا، لماذا، في مواجهة مثل هذه النتائج غير المرضية، فقد رفضت الولايات المتحدة رسم مسار مختلف؟ باختصار لماذا لا يمكننا الفوز وبما أننا لم نفز، لماذا لا نستطيع الخروج من هناك؟

للحصول على إجابات، فإنه يشير إلى العديد من الافتراضات التي تعزز رؤية جمعية شديدة السذاجة في واشنطن.

أول هذه الفرضيات هي أن المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أنهم قادرون على تمييز القوى التاريخية العاملة في المنطقة. ويمكن أن يعزى ذلك إلى كون الأمريكيين يرون أن السياسة الأمريكية قد تم نسجها من خلال تجارب المشاركة في حربين كبيرين في القرن العشرين هما الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة. في كلتا الحالتين، اختار الأمريكيون الانخراط في منافسة ملحمية بين الإصدارات المتنافسة الحداثة حيث نجح جانبنا، الليبرالية الحرة في الانتصار على الطرف الآخر المتمثل في الفاشية والشيوعية. وقد قام «رونالد ريغان» بتلخيص استراتيجية لإنهاء الحرب الباردة بالقول: «نحن نفوز .. هم يخسرون» وهكذا فعلوا وهكذا فعلنا. لكن النخب في واشنطن، وكما يفسر «باسيفيتش»، تغفل عن إدراك أن هناك قوى مختلفة إلى حد كبير  تاريخية تعمل الآن في الشرق الأوسط الكبير.

الافتراض الرئيسي الثاني ينظر إلى حقيقة أن الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة كأمر مسلم به. وهو يفترض أنها لا تمتلك فقط الحكمة وإنما القدرة على السيطرة على هذه القوى وتوجيهها. هذه الغطرسة تسود على الرغم من جبال الأدلة التي تظهر أن الأمور ليست كذلك وأن الولايات المتحدة لم تفعل ذلك ولن تستطيع أن تفعل. ثالثا، يعتقد مسؤولون أمريكيون أن القوة العسكرية الأمريكية هي محفز أو مؤثر لا يمكن الاستغناء عنه من أجل تحريك التاريخ نحو وجهته المحتومة. وأخيرا، فإن النخب المسؤولة عن تشكيل وصيانة الحكمة التقليدية في السياسة الخارجية الأمريكية يعتقدون أن النوايا الأمريكية الجيدة سوف تحظى بقبول واسع النطاق. في نهاية المطاف، فإنها حتما، وكما يلخص «باسيفيتش»، «سوف تحظى بالتقدير الذي تستحقه».

اختارت النخب الأمريكية الشرق الأوسط كمكان لاختيار فرضيتها على النحو المنصوص عليه في مشروع دليل التخطيط الدفاعي لعام 1992، والذي يشير إلى أن القوة العسكرية الأمريكية سوف تضطلع بمهمة تشكيل النظام الدولي خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة.

لقد كان خيارا غريبا. لم يكن الشرق الأوسط أبدا بهذه الأهمية بالنسبة إلى الولايات المتحدة كما أن المنطقة قد أصبحت أقل أهمية مع مرور الوقت. ولكن الخطأ الأكبر كان هو مبالغة مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية في تقدير مدى قدرة القوات الأمريكية على تغيير مسار السياسة العالمية.

ومن المؤكد أن الشرق الأوسط قد أثبت أنه يمثل مشكلة صعبة بالنسبة إلى القوات الأمريكية التي ولد تواجدها به مقاومة كبيرة. وليس من الواضح أيضا إذا ما كانت تلك النظرية للهيمنة المستقرة سوف تحقق نجاحا أفضل في سائر المناطق المضطربة الأخرى. الجيش هو أداة حادة وغالبا فإن قدراتها لا تترجم بشكل مباشر إلى القدرة على إنتاج النتائج المرجوة.

في حال كانت واشنطن سوف تستمر في خططها الضخمة من أجل إعادة تشكيل المنطقة والعالم فإن ذلك يعني بالتأكيد أنهم قد قرروا تجاهل تحليل «أندرو باسيفيتش» المقنع. ولكنهم لن يكون بإمكانهم أن يدعو فيما بعد أن أحدا ما لم يقوم بتحذيرهم.