الخميس 28 أبريل 2016 12:04 م

ملخص

تسلك المملكة العربية السعودية مسارا غير مسبوق للتحول. لكن هناك سمة رئيسية لهذا الجهد الكبير في الإصلاح هو أنه يأتي كرد فعل؛ فالسعوديون يتعرضون لضغوط هائلة للحفاظ على نظامهم في وقت تشهد فيه المنطقة من حولهم فوضى واسعة النطاق. وفي حين أن العمل بطريقة المعتادة قد يكون غير مجد، فإن التغييرات السريعة قد تجعل الأمور أكثر سوءا.

وافق مجلس الوزراء في المملكة العربية السعودية في 25 إبريل/نيسان الماضي على خطة طموحة لإصلاح الاقتصاد السياسي في المملكة. يطلق على هذه الخطة اسم رؤية السعودية لعام 2030 وتوصف على أنها من بنات أفكار نائب ولي العهد الأمير «محمد بن سلمان»، نجل الملك البالغ من العمر 30 عاما. وتهدف الخطة إلى القضاء على اعتماد المملكة على عائدات النفط وتشمل بيع حصة صغيرة في شركة النفط الوطنية للبلاد، أرامكو، بهدف إنشاء أكبر صندوق للثروة السيادية في العالم.

في مقابلته في 25 إبريل/نيسان مع قناة العربية، والتي كانت تهدف إلى إلقاء الضوء على الخطة التي سيتم إتاحة تفاصيل أكبر عنها في يونيو/حزيران المقبل، فقد انتقد الأمير «محمد بن سلمان» اعتماد بلاده طويل الأمد على عائدات النفط. وقال الأمير «محمد»، وهو أيضا وزير الدفاع ورئيس مجلس إدارة شركة أرامكو السعودية: «النفط أصبح دستورنا .. القرآن والسنة والنفط» وهذا يدل على رغبته في التغيير. ومع ذلك فإن الإصلاح الجذري للاقتصاد السعودي المعتمد على النفط من غير المرجح أن ينجح بالنظر إلى القيود الداخلية والخارجية التي تواجهها المملكة حاليا.

أسس الدولة السعودية

المملكة العربية السعودية الحديثة، التي أنشئت رسميا في عام 1932، هي التجسيد الثالث للنظام السعودي، وهي قائمة على ثلاثة أركان هي: الدين والقبلية والنفط. ومع ذلك، فإن الدولتين السعوديتين السابقتين لم ترتكزا على ثروات النفط ولكن كل منهما قد استمدت شرعيتها من الدعامتين الأوليين فقط، ما أدى في النهاية إلى انهيارهما. الدولة السعودية الأولى، على سبيل المثال، تم إنشاؤها بموجب اتفاق بين مؤسس التفسير المحافظ للإسلام السني المعروف باسم السلفية، «محمد بن عبد الوهاب»، وبين مؤسس الأسرة المالكة «محمد بن سعود». احتفظ الأخير بالسلطة السياسية فيما كان الأول مسؤولا عن الشؤون الدينية، ولكن الدين كان في نهاية المطاف هو العامل الذي وفر الشرعية الأساسية اللازمة لقيام الدولة.

لم يكن الدين بمفرده كافيا للحفاظ على تماسك النظام السياسي الجديد. تتميز جزيرة العرب بكونها مجتمعا قبليا منذ عهود ما قبل ظهور الإسلام. اكتسبت الدولة السعودية الأولى والثانية الأراضي عن طريق الغزو من خلال إقامة تحالفات مع القبائل. ولم تكن الطريقة التي قامت بها الدولة السعودية الحديثة بين عامي 1901 و1932 مختلفة كثيرا عن هذا النهج.

الدولة السعودية الثالثة

ومع ذلك، كان سقوط الدولة السعودية الأول يرجع في جزء كبير منه إلى حقيقة أن السعوديين لم يكونوا أقوياء بما يكفي في مواجهة منافسيهم الداخليين (الراشديين والهاشميين) وأعدائهم الخارجيين (مصر والدولة العثمانية).

وقد كان نظام الدولة السعودية الثالثة قادرا على التغلب على هذا التحدي باستخدام الثروة النفطية التي ساعدت على الحفاظ على الاستقرار الداخلي ودفعت البلاد إلى موقف الزعيم الإقليمي العربي. وعندما وقعت المنطقة تحت النفوذ البريطاني في أعقاب الحرب العالمية الأولى والنفوذ الأمريكي في وقت لاحق بعد عام 1945، فقد حظيت الدولة السعودية الثالثة أيضا بالدعم من قبل القوى الأجنبية. ولكن الرعاة الأجانب بإمكانهم فقط تقديم الدعم إلى كيان قادر على المحافظة على الاستقرار الداخلي. وقد واجه السعوديون الكثير من المشاكل بداية من التنافس بين الملك «سعود» وولي عهده الأمير فيصل إلى الخلافات مع الحكومة العلمانية في مصر التي طالما هددت بالإطاحة بالعائلة المالكة السعودية، وغالبا ما كانت تحتاج إلى وسيلة للحفاظ على الولاء الداخلي ومحاربة التحديات الخارجية.

النفط كعمود فقري للدولة

ساهم اكتشاف الاحتياطيات النفطية الكبيرة في البلاد في عام 1938 والتي أصبحت المصدر الرئيسي للدخل بالنسبة للنظام منذ بداية الخمسينيات في زيادة صلابة الدولة السعودية. سمحت الثروة النفطية للسعوديين بتوطيد سلطتهم في الداخل وعزل أنفسهم عن التهديد القادم من مصر. ومنذ السبعينيات، أصبحت السعودية هي المصدر الأكبر للنفط الخام في العالم وقد كانت قادرة على استخدام القوة المالية من أجل اكتساب نفوذ دولي. في حقيقة الأمر، فإن المملكة الحديثة لم تكن لتصبح على ما هي عليه اليوم، وربما كانت تلقى نفس مصير الدولتين السابقيتين، في حال لم يتم اكتشاف النفط.

بعد كل شيء، لا تزال القطاعات الاقتصادية الأخرى في البلاد هامشية بالمقارنة مع النفط الذي شكل في عام 2015 ثلاثة أرباع إيرادات الدولة. ولذلك فإن الأمير «محمد» لم يكن مبالغا حين قال إن النفط هو ثالث أهم عنصر في المملكة بعد القرآن الكريم والسنة النبوية. وهذا يجعلنا نقول أن زعمه أن المملكة في عام 2020 سوف تكون قادرة على العيش دون النفط ليس مجرد هدف طموح للغاية بل إنه أقرب إلى أمنية. من الصعب للغاية بالنسبة لأي بلد يعتمد بشكل كبير على سلعة أو صناعة معينة أن يقلص اعتماده عليها إلى هذا الحد.

في حالة المملكة العربية السعودية، يبدو تحويل الاقتصاد مهمة أكثر صعوبة بالنظر إلى أن العقد الاجتماعي بأكمله، وعقيدة الأمن القومي قائمان على الإيرادات القادمة من صادرات النفط الخام. كان بإمكان المملكة خلال العقود الأربعة الماضية أن تخفض تدريجيا من اعتمادها على النفط عبر استثمار ثرواتها تطوير قطاعات بديلة. ومع ذلك، فقد كانت العقبة أمام ذلك هي التهيئة الجماعية للمجتمع السعودي. ليس فقط لكون الثقافة في المملكة المحافظة بشدة، ولكن الجمهور في البلاد قد اعتاد أيضا على تلقي الهبات من الدولة.

يحاول الأمير «محمد» تطبيق تغييرات سريعة في الدولة والمجتمع السعودي، لم يكن والده وأعمامه قادرين حتى على تطبيقها بشكل تدريجي. صدمة النظام لا بد أن تزيد من خطر حدوث رد فعل عنيف من القوى الاجتماعية والدينية المحافظة في المملكة التي شهدت بالفعل اختراقا كبيرا من قبل «الدولة الإسلامية» وتنظيم القاعدة. وحتى لو نجح السعوديون بطريقة أو بأخرى في احتواء المعارضين من السلفيين والجهاديين فإن حجم التغيير الذي تسعى إليه القيادة السعودية يتطلب سنوات، إن لم يكن عقود.

الأهم من ذلك، فقد خلق الهبوط في أسعار النفط والخسارة اللاحقة له في الإيرادات، حالة تجعل الرؤية السعودية 2030 هي هدف بعيد المنال للغاية في أفضل الأحوال.

منذ أواخر عام 2014، قام السعوديون بالفعل بإحراق 115 مليار دولار من الاحتياطي النقدي الخاص بالبلاد ما يمثل 16 في المائة من كامل المخزون الاحتياطي. أجبر هذا الوضع السعوديين إلى اللجوء إلى اقتراض عشرات المليارات من الدولارات من المقرضين الدوليين للمرة الأولى منذ ربع قرن. تسعى الرياض إلى خفض إنفاقها، ولكن هناك القليل فقط مما يمكن القيام به دون تقويض لوضع الداخلي الهش. قبل أربعة أشهر، رفعت الحكومة أسعار المرافق (المياه والكهرباء والوقود)، والذي أثار بعض المقاومة وأدى إلى الإطاحة بوزير الدولة للمياه والطاقة نهاية الأسبوع الماضي.

إصلاحات غير محتملة

إحداث تغيير جذري مع القدرة على الحفاظ على العلاقات التاريخية بين الدولة والمجتمع هي مهمة شاقة في أحسن الأحوال. ويجري إدخال هذه التغييرات في وقت لا يشعر فيه السعوديون بالقلق بشأن أمورهم الداخلية وحدها. المنطقة بأكملها تنهار والرياض، مع كونها القوة العربية الرئيسية الوحيدة المتبقية، بحاجة إلى إدارة هذا الانهيار الاستبدادي ومنع القوى الإسلامية الديمقراطية والقوى الجذرية من الاستفادة من تنامي فراغ السلطة في المنطقة. وبالإضافة إلى قيامه بتقديم الدعم المالي للعديد من البلدان، أبرزها مصر، فإن السعودية تشارك أيضا في حرف مكلفة في جناحها الجنوبي في اليمن.

وفي الوقت الذي يتم فيه استنزاف جهودهم في أماكن متعددة في العالم العربي، يشعر السعوديون أيضا أن عليهم التعامل مع التهديدات القادمة من المنافسين الإقليميين في طهران التي تسلك طريقها من جديد إلى المجتمع الدولي. لمواجهة نفوذ إيران في المنطقة، يركز السعوديون بشدة جهودهم لدعم المعارضة ضد نظام «بشار الأسد» في سوريا. هذا وقد تم تعزيز النظام السوري في الأشهر الأخيرة بمساعدة روسية وإيرانية بما يعني أن الدعم السعودي للمعارضة لم يؤت ثماره. ا هو أسوأ من ذلك أن «الدولة الإسلامية»، التي تمثل أكبر تهديد للمملكة، قد استفادت من الصراع الطائفي بين السعوديين والإيرانيين.

في نفس الوقت، فإن علاقة المملكة العربية السعودية مع الولايات المتحدة، حليفها التاريخي، قد ساءت إلى حد كبير. وبسبب تباين المصالح الأميركية والسعودية، قامت الولايات المتحدة مؤخرا بالتخلي عن تحالفها الوثيق مع السعودية. تسعى واشنطن إلى موازنة استراتيجية النفوذ في المنطقة من خلال العمل بشكل وثيق ليس فقط مع إيران، ولكن أيضا مع تركيا والتي تمثل تحديا كبيرا للمملكة من قبل بلد سني منافس. الولايات المتحدة تأمل أن القوى الإقليمية سوف تأخذ بزمام المبادرة في إدارة الاضطرابات المتنامية في منطقة الشرق الأوسط، ولكن الضرورات السعودية تضعها بشكل متزايد في صراع مع مصالح الولايات المتحدة.

خاتمة واستنتاج

الوضع الإقليمي المعقد والقيود الداخلية تحد بشدة من قدرة المملكة العربية السعودية على المناورة. ومن المستبعد أن تنجح الرياض في جهودها للإصلاح الاقتصادي في ظل هذه الظروف. 

في هذه العملية، يمكن للمملكة في نهاية أن تخلق لنفسها مشاكل أكثر مما تواجهه في الوقت الحالي.