الجمعة 13 مايو 2016 03:05 ص

لمّا كنا صغاراً، كان بعض أهلنا في فلسطين يقولون لنا، إن عمر إسرائيل لن يطول. وسكن في بيت لنا أسرة من بلدة "المغار" بالقرب من غزة، كان رجلها، أبو فوزي، يقول لنا، إن إسرائيل ستعيش سبعة أعوام، أو سبعين عاماً على أقصى حد. 

آمن بهذه الترهات والقدريات بعض الناس، ولو ظاهرياً، وقالوها بصوت عالٍ، علهم يسمعونها من شخص آخر يؤكدها لهم.

تذكّرت أبا فوزي رحمه الله، وقد قارب يوم الخامس عشر من أيار، ليذكّرنا أن عمر إسرائيل الرسمي بلغ 68 عاماً، وأنها على مشارف الهاوية، وفقاً لنظرية أبو فوزي.

في كتابه "أسلحة كروب"، الذي يستعرض تاريخ واحدةٍ من أكبر شركات الصناعة في ألمانيا وأعرقها، يكتب مؤلفه، وليم مانشستر، "إن كروب لجأت إلى أخذ مئات الشباب اليهود من معسكرات الاعتقال النازية، لكي يكونوا عمال سخرة في مصانعها العسكرية في إيسين في منطقة حوض نهر "الرور". ولما انتهت الحرب بهزيمة ألمانيا عام 1945، ذهب كثيرون من هؤلاء الشباب إلى إسرائيل، وأنشأوا صناعات عسكرية تحت الأرض، وكانت نواة التسليح لعصابات الهاغاناه وشتيرن وغيرها.

في السنوات التي سبقت الحرب، وتلت الثورة الفلسطينية الأولى (1936-1939)، بدأت قوات الانتداب البريطاني في محاصرة قرى فلسطينية كثيرة، حيث اشتبه بوجود ثوار فيها. وكانت تختار مكان اعتقال مفتوح، وتحيطه بأسلاك شائكة، وتحبس فيه الشباب والشيوخ إلى المدة التي يقدّم فيها أهل القرية بواريد ومسدسات يحدّد عددها الضابط البريطاني المسؤول.

لم يكن الهدف من هذه العملية مصادرة الأسلحة فحسب، بل إجبار أهالي المعتقلين على استخدام مدّخراتهم من أجل شراء أسلحةٍ، ليفوا بشروط الإنجليز لإطلاق سراح أبنائهم وآبائهم من مركز الاعتقال المفتوح، وغير محدّد المدة. 

وهكذا صادرت القوات البريطانية كل الأسلحة، وفوّتت الفرصة على إمكانية شراء مزيدٍ منها، حتى قامت حرب احتلال فلسطين في السنوات اللاحقة.

وإمعاناً في هذا التوجه، منعت السلطات البريطانية تصدير الفواكه والمنتجات الزراعية الفلسطينية إلى الخارج، وخصوصاً البرتقال.

وقد أدى هذا الأمر إلى إفلاس مزارعين كثيرين، واضطرارهم لبيع إنتاجهم الوفير في السوق الفلسطينية، بأسعار زهيدة. 

وكنا نسمع قصصاً من أمثال أبو فوزي يتحسّرون فيها على أيام الرخاء، حين بلغ سعر كيس البرتقال "أبو خط أحمر" بخمسة قروش أو خمسين مليماً.

هذه هي المقارنة، يعاني اليهود الويل والثبور في المعسكرات النازية، لكن بعضهم يؤخذ ليصنع السلاح، وليكون أداة لاحتلال فلسطين. وفي المقابل، يفتح الإنجليز معسكراتٍ من أجل مصادرة الأسلحة من أيدي الفلسطينيين، وارتهان أي إمكانيةٍ لشراء أسلحة في المستقبل.

آن لنا أن نعاود دراسة القضية الفلسطينية، لأن هنالك خلطاً كثيراً بين الحقائق والوهم. ففي وقتٍ قيل فيه إن سبعة جيوش عربية شاركت في حرب 1948، إلا أن عددهم الإجمالي لم يصل إلى 15 ألف جندي، وإذا صحت الروايات عن فساد الأسلحة، وعدم التنسيق فيما بينها، فإن أعداد المقاتلين اليهود، ومن حالفهم آنذاك، ربما كانت أكثر عدداً، وأحسن تدريباً، وأكثر تنسيقاً، وأفضل عدة وعتاداً.

لا يجوز لنا أن نُنكر بطولات فذة حصلت من الفلسطينيين المجاهدين، ومن بعض الجيوش العربية، وخصوصاً الجيش الأردني في معركة باب الواد في القدس، وفي أماكن ساحلية أخرى. لكن ما يبدو أن احتمالات الفوز كانت ضئيلة، وأن كل المبررات الموضوعية أكدت ذلك.

الأمر الثاني الذي يجب أن نعيد دراسته هو أسباب الفُرقة، والتباين في المواقف بين صفوف القادة الفلسطينيين، فالحاج أمين الحسيني وقف في ناحية بصفته المفتي والقائد، ووقفت أسر مرموقة، مثل النشاشيبي، في ناحية أخرى، ولم تقدم دراسات وافية، حسب علمي، عن أثر هذا التباين في المواقف على جاهزية المقاومة، واستعدادها لدحر العصابات الصهيونية.

هنالك نفر من المؤرخين الجدد في إسرائيل، أمثال آفي شلايم، صاحب كتاب "الحائط الحديدي"، و شلومو ساند صاحب كتاب "إعادة اختراع الشعب اليهودي"، ممن أعطوا أنفسهم الحق في تقييم موثوقية تاريخ إسرائيل والادعاءات التاريخية التلمودية التي قامت عليها.

بالنسبة إلى المؤرخ شلايم، فإن مؤسس الحركة الصهيونية، ثيودور هرتزل، اعتقد أن فلسطين أرض بلا شعب. ولذلك، لم يضع في حسبانه وسائل للتخلص من شعبها. ولما أدركت الحركة الصهيونية ورموزها، وخصوصاً جابوتنسكي أن فلسطين فيها شعب متنور، ويقف في المقدمة ثقافةً وإنتاجاً، صممت هذه الحركة فكرة الحائط الحديدي لتحطيم أحلام العرب في استعادة فلسطين، وإجبارهم على الشتات (الدياسبورا) خارج فلسطين. 

أما ساند فيعتقد أن معظم التاريخ اليهودي كان موضوعاً في ألمانيا، بدءاً من أعداد اليهود الذين صحبوا النبي موسى عليه السلام من مصر، وتاهوا في صحراء سيناء، وشكّك في علاقة اليهود بالمسيح عليه السلام. 

وقال إن معظم تاريخ إسرائيل الذي يقدّم على أنه مبرر للعودة إلى فلسطين هو خرافات، لكنه عاد وكتب، في فصول الكتاب الأخيرة، أن لكل شعب خرافاته التي تشكل جزءاً من ثقافته الموروثة، فالفراعنة الذين يفخر بهم المصريون ليسوا هم المصريين الآن، وبالكاد تجمعهم بهم أي علاقة، وكذلك الحال بالنسبة لعلاقة أهل العراق بالأشوريين والبابليين. 

وهذه بالطبع مقارنة مغلوطة. فأحفاد قدماء المصريين لم يتركوا مصر. وكذلك الحال بالنسبة للعراق. أما اليهود الذين أتوا من بلاد الخزر فلا تجمعهم أية صلة بالعبرانيين.

لا مانع أن يمارس الفلسطينيون ثقافة "النقد الذاتي"، وإعادة قراءة تاريخ القضية الفلسطينية وتطوراتها. عندما دخل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات إلى الضفة الغربية وغزة، جمع بين أهل غزة والضفة، وجمع بين الفلسطينيين في الخارج والداخل، وجمع بين القيادة والشعب. 

وبعد مرور حوالي 22 عاماً على دخول عرفات إلى فلسطين، نرى أن الفُرقة بين غزة والضفة قد عادت أقوى وأكثر حدة مما كانت، والفصل بين الشتات الفلسطيني والضفة صار أكثر وضوحاً، وهوة الثقة بين القيادتين الفلسطينيتين في قطاع غزة والضفة الغربية مع الشعب فيهما عميقة واسعة.

لم يبق سوى سنتين على تحقيق نبوءة اللاجئ المرحوم أبو فوزي. وكل المؤشرات تقول، إن الأمور لا تسير بذلك الاتجاه، فهل نبقى صامتين، حتى تضيع القدس ويهدم الأقصى؟