الثلاثاء 17 مايو 2016 06:05 ص

شكلت القدس منذ الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 أساسًا مهمًا للموقف العربي والإسلامي تجاه قضية فلسطين، كما شكلت نقطة انطلاق دائمة لانتفاضات الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال بدءًا بيوم الأقصى عام 1976 حتى انتفاضة القدس عام 2015 والجارية حاليا.

وبرغم الجهود الدولية والعربية لمنع (إسرائيل) من ضم القدس أو تهويدها، غير أن قيادات (إسرائيل) من كل الاتجاهات اليسارية واليمينية بكل تلاوينها اعتبرت القدس عاصمة (إسرائيل) الأبدية، واتخذت (إسرائيل) قرارًا بضمها منذ العام 1980، غير آبهةٍ بقرارات مجلس الأمن الدولي باعتبارها أرضًا محتلة، حيث لم تعترف أي دولة في العالم بهذا القرار الإسرائيلي حتى الان، وتعامل العالم مع الأمر الواقع دون إقراره بالضرورة.

غير أن اتفاقيات السلام العربية من كامب ديفيد عام 1978 إلى أوسلو عام 1993 إلى وادي عربة عام 1994 لم تحقق أي إنجاز سياسي أو قانوني يُذكر لحماية المدينة والمحافظة عليها عربية اسلامية، واستمرت (إسرائيل) بسياسات التهويد والاستيطان في قلب المدينة ومحيطها وتوسيع حدودها الجغرافية وضم الجزء الشرقي منها مع الغربي، وتفريغها من السكان العرب المسلمين والمسيحيين على حد سواء عِبر مشروع كبير تلو مشروع غير آبهةٍ بمواقف جامعة الدول العربية ولا منظمة المؤتمر الاسلامي ولا مجلس الأمن الدولي ولا الجمعية العامة للأمم المتحدة ولا القانون الدولي ولا ما يُعرف بالشرعية الدولية.

وظل الموقف العربي ضعيفًا هزيلاً في مواجهة هذه السياسات، وظل العرب والفلسطينيون الرسميون يقذفون بقضية القدس إلى المستقبل وهم يمارسون دعم بقاء (إسرائيل) وتطبيع العلاقات معها بتوقيع اتفاقات السلام معها، ورهن البعض الأمر الى ما عُرِف بمشروع جون كيري الذي فشل في إنجاز أي شيء بما في ذلك ما يتعلق بحماية القدس لأكثر من عام رغم جولاته المكوكية حيث أعلن فشله رسميا في نيسان/ أبريل 2014.

ولذلك لم يكن للواقع العربي الرسمي دور حقيقي في التأثير على سياسات (إسرائيل) تجاه القدس والاقصى منذ عام 1967 وحتى اليوم برغم الاعتراف بالجهود الدبلوماسية الدولية في استصدار القرارات والإدانات وتطبيق المقاطعة منذ العام 1948 حتى عام 1993، وكذلك ما يتعلق بعدم تحقيق الاعتراف الدولي بضم القدس لإسرائيل او الاعتراف بانها عاصمة لها.

واستمرت (إسرائيل) بتطبيق ما عُرِف بمشروع "زاموش" منذ العام 2002، والهادف إلى محو الهوية العربية الإسلامية للمدينة بحجة التطوير للسياحة، إضافةً إلى عمليات منظمة لاقتحام المسجد الأقصى وتقسيمه مكانيًا وزمانيًا واحتلال بيوت الفلسطينيين في المدينة وطرد سكانها منها وهدم بيوت أهلها ومنع ترميمها.

صحيح أن العالم لم يعترف بعد بالقدس عاصمةً لإسرائيل، لكنه كذلك لا يعترف بأنها عاصمة الدولة الفلسطينية، ولذلك فإن التحرك السياسي الفلسطيني والعربي يُعاني اليوم من فقدان الأوراق الضاغطة على إسرائيل والمجتمع الدولي بما يحفظ هوية القدس والأقصى.

فهو "أي التحرك السياسي والعربي الفلسطيني" يعترف بدولة (إسرائيل) من جهة، ولا يؤمن بالحرب معها بل أسقط خيار الحرب استراتيجيًا، وتقوم بعض الأطراف بالتنسيق الأمني مع الاحتلال ضد أي عمل مقاوم مشروع، وافتتحت (إسرائيل) لها ثلاث سفارات وأكثر من أربعة مكاتب تمثيل في البلاد العربية فقط، وتراجعت مواقف وسياسات الجامعة العربية بمقاطعة (إسرائيل)، ووقع العرب والفلسطينيون في فخ المفاوضات الثنائية مع الاحتلال والتي لم تُعِد للفلسطينيين أيًّا من حقوقهم، ولم تُعِد بقية الأراضي العربية المحتلة إلى السيادة العربية.

كما أنها لم تمنع (إسرائيل) من شن الحروب على لبنان وغزة وضرب أراضي عربية في سوريا والسودان وعمليات اغتيال قادة فلسطينيين في سوريا ولبنان والأردن، ولذلك لا تشعر (إسرائيل) أنها مضطرة حتى لمجاملة العرب والفلسطينيين ورفع الحرج عن القيادات العربية أمام شعوبها، وفي نفس الوقت فإن الإرادة العربية في منع (إسرائيل) أو وقفها عند حدها في هذه الإجراءات التهويدية مشلولة بالكامل، واستسلمت للآلية الدولية التي تتبنى (إسرائيل) وتعتبر عدوانها على جيرانها دفاعًا عن النفس حتى لو قتلت الآلاف الأطفال والنساء ودمرت البيوت وأطبقت الحصار الاقتصادي والإنساني على ملايين الفلسطينيين، بل ومنعت المصلين المسلمين من الصلاة في المسجد الاقصى مرارًا وتكرارًا بحجج غير منتهية ومتجددة.

وإذا كانت بيانات الأمم المتحدة بل وقرارات مجلس الأمن الدولي لأكثر من عشر مرات، وتوقيع اتفاقات السلام، وتطبيع العلاقات والتنسيق الأمني مع (إسرائيل) لحمايتها عِبر الحدود وفي الداخل الفلسطيني، وربما أوسع من ذلك لم يتمكن من تحقيق أي نوع من الحماية أو التقليل من آثار العدوان والإجراءات الإسرائيلية بحق المدينة والمقدسات، وإذا كان العالم لا يستشعر أي مسؤولية جادة تجاه ذلك، بل يدعم حليفه الاستراتيجي (إسرائيل) بكل أنواع الأسلحة الفتاكة حتى اللحظة، ولا يشعر بأنه مضطر للضغط عليها لتطبيق قرارات الشرعية الدولية أو الاستجابة حتى لطلبات بعض السياسيين الفلسطينيين العرب لحفظ ماء الوجه، إذن لا بد من التفكير الجدي بخيارات أخرى.

ان قضية القدس لا تنفصل عن القضية الفلسطينية ككل، ولإن أخذت القضية باجزائها وجوانبها الاخرى الأبعاد السياسية والإنسانية والفكرية والاقتصادية، فإن مسالة القدس تأخذ البعد الديني العقيدي إضافة الى كل هذه الأبعاد، وقد لعبت القدس كما تلعب اليوم الدور الأساسي في تحريك الصراع الأساسي في المنطقة، وحرصت دول الحضارات التاريخية على أن تكون القدس تحت سيطرتها، بل وعاصمة دولتها، ولئن فشل المسلمون في هذا العصر في حمايتها ورعايتها بأقصاها وقبتها ومآذنها وكنائسها وفق العهدة العمرية من الاحتلال الصهيوني، فإنه بات من المؤكد أن الجيل المعاصر استشعر الخطورة الكبرى للفشل السابق في الحرب والسلم على حد سواء.

لكن التحولات التي شهدتها البلاد العربية بعد الاحتلال الاسرائيلي للقدس عام 1967، والتي وسعت من دائرة التحول السياسي والاجتماعي والفكري الشعبي نحو التيارات الإسلامية والوطنية الأخرى، شكل تحولاً مهما في تفكير الشعوب إزاء مواقف الحكومات العربية من جهة وإزاء الفرص المتاحة لنجدة القدس والأقصى من جهة أخرى، والتي خلصت إلى أن النظام الرسمي العربي وجهوده في التطبيع والسلام مع الاحتلال والتي يبذله بعضه أصبحت حبل النجاة للاحتلال وإطالة أمده ومده بقوة جديدة في المجتمع الدولي، ما يعني أن هذا الحال لا يستطيع استعادة الحق العربي في القدس ولا حمايتها والمسجد الاقصى من التهويد.

استمرت هذه القناعات بالتنامي تباعًا وبالتوازي مع نضالات وانتفاضات وتضحيات الشعب الفلسطيني في كفاحه ضد الاحتلال الإسرائيلي إلى أن انفجر وبسبب عوامل أخرى فيما عرف "بالربيع العربي" في عام 2011، حيث استشعر المحتل لأول مرة خطرًا استراتيجيًا على وجوده ناهيك على احتلاله للقدس، إذ بدأت حركة الشعوب باستلام سدة القرار في دول عربية رئيسة وخاصة في مصر، ما يعني أن الحركات الإسلامية والقومية والوطنية سوف تقوم بوضع رؤيتها للصراع مع المحتل ضمن برنامجها الاستراتيجي لهذه الدول وجيوشها، وهي التي تقوم على هزيمة المشروع الصهيوني وإنهاء احتلال فلسطين وخاصة القدس والمسجد الاقصى.

ولذلك سارعت كل من امريكا وأوربا و(إسرائيل) للعمل فورًا على بحث كيفية احتواء هذه الظاهرة والتدخل فيها ووقف مدها ومنع أهدافها النهائية من أن تتحقق، خاصة خلال التسعة شهور الأولى من عام 2011، وبالفعل شرعت باتخاذ سياسات وبرامج وتواصلت مع العديد من الشخصيات والقوى الأمنية والعسكرية والسياسية ذات الصداقة السابقة معها في هذه الدول لوضع تصوراتها وخططها موضع التنفيذ.

وقد تمكنت هذه الأطراف من تحقيق عدد من الإنجازات من خلال ثلاثة محاور في هذه الدول:

المحور الأول: فتح نيران الحرب الأهلية والاقتتال الداخلي بين القوى الوطنية على قواعد المذهبية أو القبلية أو الجهوية والحزبية في عدة دول عربية، مصحوبًا بالتدخل العسكري والأمني والسياسي المباشر وغير المباشر.

المحور الثاني: وقف عملية التحول الديمقراطي منذ أواسط عام 2013.

المحور الثالث: التحول في السياسات من تشجيع ودعم الحرية والديمقراطية والإصلاح السياسي في المنطقة إلى فتح صفحة ما يعرف بمحاربة "الإرهاب" في المنطقة وعلى محاور متعددة وتفريخ منظمات متطرفة إرهابية متعددة الهويات ونشرها أو تسهيل انتشارها في المنطقة، الأمر الذي استنزف جهود الأمة العربية وإلى حد ما الإسلامية بدولها الكبرى، ودمر البنيان الاقتصادي للدول المذكورة والبنى التحتية ونشر الفوضى وعدم الاستقرار والفلتان الأمني في أرجاء المنطقة.

كما شعرت (إسرائيل) بارتياح نسبي جديد ولو لسنوات معدودة بأن التحول المخيف الذي يهدد وجودها لم يتحقق بعد وسيتأخر لسنوات عدة، وبرغم الخلافات الاسرائيلية على التحليل غير أن الحقيقة أن الاستنزاف الدموي الماثل مشهده اليوم أمام الأمة إنما يشكل عقبة كؤود أمام أي جهود جادة ومؤثرة لحماية القدس والمسجد الأقصى، واستفردت (إسرائيل) بالفلسطينيين بشكل غير مسبوق، وأمعنت في برامج التهويد شمولاً وعمقا واستعجالاً للمسجد والقدس معًا في ما عرف بتطبيق مشروع زاموش.

ولا يكاد الموقف العربي حتى يدين هذه الاعتداءات ومثله الموقف الدولي، الأمر الذي دفع الشباب الفلسطيني لإشعال المواجهة المقدسية مع الاحتلال بانتفاضة من نوع جديد والتي بدأت في شهر أكتوبر عام 2015 والمستمرة حتى الآن.

بهذه القراءة المركزة لطبيعة الموقف والدور العربي تجاه القدس والأقصى منذ عام 1967 يتبين العديد من الحقائق، كما تفتح الآفاق لأفكار وبرامج وتوجهات يمكن أن تطور دور العرب الرسمي والشعبي في دعم النضال الفلسطيني تجاه القدس والاقصى، والضغط على المجتمع الدولي للجم الانتهاكات الإسرائيلية، وكذلك لوضع استراتيجية سياسية فكرية وثقافية لتحريك الأجيال الجديدة لتبني قضية القدس والاقصى إلى حين تحريرها.

كما تكشف هذه القراءة حقيقة الإشكالية الفكرية والسياسية التي يعاني منها الموقف الرسمي العربي إزاء القدس والاقصى، وبرغم الاعتراف بالصعوبات التي تقف في وجه الجهود الرامية لإنقاذ القدس والأقصى فان الإبداع الفلسطيني للمرابطين والمرابطات ناهيك عن المناضلين يومياً ضد الاحتلال إنما يوفر بيئة وتجربة عملية لتغيير الوقائع المعيقة وتجاوزها من جهة، ولرسم معالم جهود وأعمال شعبية تمارس دوراً مباشراً أو ضاغطاً على حكوماتها للقيام بدور أكثر فعالية من جهة أخرى.

كما توفر هذه القراءة إطارا للإستنتاج بأن ضعف الموقف العربي وعجزه عن ممارسة أي ضغوط دولية وإقليمية على (إسرائيل) من جهة، وضعف تبنيه لقضية فلسطين والقدس بل ضغطه على الفلسطينيين للإعتراف بالاحتلال والتعايش معه من جهة أخرى، ناهيك عن إنفتاحه الاقتصادي على الاحتلال وتعاونه معه في بعض المجالات وخاصة الأمنية منها بحجة مواجهة التطرف والإرهاب، إنما يشكل دافعاً آخر لأهمية التوصل إلى استراتيجية تغيير وقائع الموقف العربي بأبعاده المختلفة ليصطف إلى جانب الحق العربي والإسلامي والفلسطيني في القدس والأقصى وكل فلسطين.

وأقترح هنا بناء ملامح خطة تحرك شاملة عربية وإسلامية رسمية وشعبية تتضمن العمل على وقف التطبيع العربي والفلسطيني مع الاحتلال، وتشجيع مقاطعة (إسرائيل) على المستويات العربية والدولية، و كشف حقائق السلوك الإسرائيلي ومخاطره في مختلف المحافل الدولية، وتوعية الرأي العام العربي والإسلامي والدولي بها عبر مؤسسات تنشأ لهذه الغاية يُشارك فيها الجميع، ودعم النضال الفلسطيني بكل أشكاله وفتح المجال للعمل من قبل فلسطينيي الشتات في كافة الدول العربية عِبر مؤسسات وهيئات تخدم هذه الرؤية، وتوفير التسهيلات والدعم اللازم لها على مختلف الأصعدة، وإعادة القضية الفلسطينية وخاصة قضية القدس إلى المناهج العربية والفلسطينية والإسلامية في التعليم العام والعالي، وبما يجعلها قضية حية ومتفاعلة بوصفها قضية عربية إسلامية، ومساعدة القوى الفلسطينية على تحقيق مصالحة وطنية ببرنامج مشترك، وتشكيل قيادة فلسطينية موحدة.

وأخيراً السعي لعقد مؤتمر عربي إسلامي رسمي وشعبي لدعم القدس والقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني تعلن فيه قرارات عملية ومواقف محددة ومطالب دقيقة من المجتمع الدولي، وتشكيل لجنة متابعة من خمس دول عربية لتحقيق ذلك، واعتماد استراتيجية التحرك بعنوان "نحو إنهاء احتلال القدس وحماية المقدسات".

* جواد الحمد رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط - عمان (الأردن).