الجمعة 10 يونيو 2016 03:06 ص

من المهم أن نأخذ فترة لإعادة التفكير في أحداث الفترة التي تلت تدخل روسيا الشديد الوطأة في سوريا في الخريف الماضي، وحتى فشل الجهود الدبلوماسية بين روسيا والولايات المتحدة في التوصل إلى حل سياسي هناك. تمثل هذه الفترة مرحلة انتقالية مهمة في نهج موسكو في التعامل مع النظام الذي أسسته الولايات المتحدة في المنطقة. كما أنه يكشف عن الاستراتيجية الكامنة للرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» بما تحتويه من نقاط القوة ونقاط الضعف.

ونحن نرى أن قرار بوتين بالذهاب إلى سوريا في الخريف الماضي كان مرتبطا بعملية التوقيع على الخطة الشاملة للعمل المشترك بين المجتمع الدولي وبين إيران، كما أنه كان مرتبطا بمصالح روسيا في الشرق الأوسط بشكل عام.

هناك اعتقاد شائع بأن تدخل روسيا في سوريا جاء من أجل الحفاظ على وجودها في شرق المتوسط. هناك العديد من الحقائق التي تدعم هذا الادعاء، مثل اكتشافات الغاز الطبيعي الأخيرة في هذه المنطقة، وحقيقة أن القاعدة البحرية الروسية في طرطوس هي قاعدتها الوحيدة في الشرق الأوسط على وجه العموم.

ولكن الاتصالات بين بعض دول الخليج العربية منذ نهاية عام 2014 حتى الشهر الماضي تخبرنا عن تعهدات العرب بضمان الحفاظ على مصالح روسيا في سوريا في أي هيكلة لمرحلة ما بعد «الأسد» في حال قام «بوتين» بتغيير سياساته في سوريا، وأن تلك التعهدات قد وقعت على آذان صماء. وحتى وعود توسيع وتنويع العلاقات بين الدول العربية وروسيا لم تكن كافية لجذب انتباه «بوتين».

هذا يعني أمرين: أن الرئيس الروسي كان يسير من البداية على قرع طبول مختلفة. وأن الدول العربية لم تتمكن من قراءة أفكار «بوتين» بشكل صحيح. وعلاوة على ذلك، فإن العروض العربية كانت تركز فقط، أو على الأقل بشكل أساسي، على أن روسيا ترغب في الحفاظ على مصالحها في شرق البحر المتوسط. وقد كانت هذه العروض فرصة مغرية للحفاظ على تلك المصالح في لحظة بدا فيها «الأسد» هشا للغاية، ولكن «بوتين» قد رفض الاستجابة لها.

يكمن الافتراض الأكثر قبولا في أن «بوتين» يرى الأمور من زاوية أوسع. هذه الزاوية لا تأخذ في الاعتبار سوريا فحسب ولكنها تنظر أيضا إلى إيران وبقية دول الشرق الأوسط.

دعونا نعود إلى هذه الفترة من الزمن (2013-2014) ونسأل سؤالا بسيطا: كيف يمكن لروسيا أن تكون قادرة على مد جسر جديد نحو الشرق الأوسط؟ يأتي الجواب مباشرة من خلال تلك الطريقة التقليدية في التفكير: تحسين العلاقات الثنائية مع الدول الرئيسية في المنطقة. ولكن مثل هذا النهج التقليدي غالبا ما كان يسفر فقط عن نتائج كمية.

في كل مكان في الشرق الأوسط، كانت العلاقات الإقليمية للولايات المتحدة صلبة هيكليا نظرا لأنها استندت على تاريخ طويل من العلاقات مع الجهات الفاعلة الرئيسية، إلا في مكان واحد وهو إيران.

إذا أرادت روسيا دخول المنطقة من خلال دول الخليج العربي، فإن دورها سوف يظل دوما ثانويا بالمقارنة بالولايات المتحدة. لقد كان من المستحيل بالنسبة لموسكو تحقيق أي مكاسب استراتيجية في نظام تم تشكيله من قبل الولايات المتحدة في البنك العربي الخليجي. كان هدف «بوتين» هو عكس هذا النظام وإقامة نظام آخر يمكن لموسكو فيه أن تكون لاعبا رئيسيا.

كان المكان الوحيد الذي لم يكن لديه أي مشتركات مع الولايات المتحدة، بخلاف العداء المتبادل، هو إيران. ولكن إيران في ذلك التوقيت كانت معزولة عالميا وهشة اقتصاديا. من أجل استخدامها كبوابة لروسيا إلى الخليج وإلى الشرق الأوسط بشكل عام فإنه كان يتعين أولا معالجة المشاكل التي من شأنها أن تقلص دورها في المستقبل في الوقت الذي تقوم فيه موسكو باستثمار رأسمالها السياسي في طهران. من خلال ذلك، فإن روسيا ستكون قادرة على بناء جسر مع طهران على أساس من التعاون لإيجاد حلول لمشاكل إيران. كانت المهمة الأولى هي فك القيود عن البلد الوحيد الخالي عن أي نفوذ أو تواجد أمريكي.

وقد أعرب العديد من المراقبين وحتى المسؤولين، بمن فيهم الرئيس «أوباما»، عن استغرابهم من الدور البناء الذي لعبته روسيا في توقيع الاتفاق النووي. بالإضافة إلى إتمام مهمة «بوتين» الأولى في فك القيود عن إيران، فقد كان من المهم أيضا بالنسبة لموسكو منع إيران من امتلاك السلاح النووي. كان الدور البناء الذي لعبته موسكو في الصفقة النووية يخدم مصالحها من كلا الوجهين: منع إيران نووية على حدودها الجنوبية، والنفاذ إلى الشرق الأوسط عبر الوجهة الوحيدة التي كانت الولايات المتحدة ضعيفة فيها أو غير موجودة.

وقد تحقق السيناريو كما رسمه «بوتين» تماما في هذه المرحلة المبكرة. كان الأمل أن موسكو يمكن أن تغير رأيها من خلال العروض العربية هو ضرب من السذاجة. سياسات «بوتين» ليست أساسا حول سوريا. ولكن تأتي في المقام الأول حول إيران وتاليا حول سوريا.

لكن أين هي نقاط الضعف في هذه الاستراتيجية؟

للإجابة على هذا السؤال فإننا بحاجة للعودة خطوة إلى الوراء ومسح الصورة العامة لمحاولة اكتشاف ما يطلق عليه علماء الرياضيات «المتغير المستقل»، وهو ذلك العامل القادر بشكل مستقل على تشكيل دور جميع اللاعبين الآخرين: وهو دور الولايات المتحدة. هذا هو الدور الذي يمكنه أن يحدد مصير خطة «بوتين». كان مصير هذه الخطة يعتمد على عنصرين: نجاح المحادثات النووية، وقدرة روسيا على تثبت للإيرانيين مدى فائدة الحصول على دعمها من أجل أن تكسب موسكو بابا غير أمريكي إلى الشرق الأوسط وإلى الاعتراف الدولي كلاعب على المسرح العالمي.

وقد كان هامش المناورة الأمريكي محدود في كلا المسارين. كانت واشنطن تريد عقد صفقة مع إيران، كما أنها لم يكن لديها أي شهية لمواجهة الإيرانيين في أي أزمة إقليمية سواء كانت تشمل روسيا أم لا.

في الوقت الذي كانت فيه موسكو مستعدة لتظهر للإيرانيين إلى أي مدى يمكن الاعتماد عليها، فقد كانت الولايات المتحدة ترسل رسالة مقلقة لحلفائها الإقليميين مفادها: نحن لن نفعل شيئا. ومن المذهل أن نعلم أن العرض الأولي للتوصل إلى اتفاق نووي قد أدلى به الإيرانيون في عام 2009 وشمل استعداد إيران لإجراء محادثات حول دورها الإقليمي، بما في ذلك الدعم لحزب الله.

العرض، كما قدم إلى الوسيط العماني في ذلك التوقيت، تم نقله إلى «دينيس روس» مستشار شؤون دول الخليج ومنطقة جنوب غرب آسيا لوزيرة الخارجية في ذلك التوقيت «هيلاري كلينتون». كان الوسيط العماني هو رجل الأعمال «سالم بن ناصر الإسماعيلي». وقد تضمن إشارة واضحة على الاستعداد للتفاوض على مستقبل «حزب الله». وفي النهاية فقد استقرت الولايات المتحدة على عقد اتفاق تقني صارم لا يمكن اعتباره فوق النقد حتى من الناحية التقنية.

وقد أكد الإيرانيون وقتها أن العرض الإيراني قد تم التصديق عليه من قبل «آية الله خامنئي». كان هذه في الواقع فرصة ذهبية للضغط من أجل ترتيب مختلف في منطقة الشرق الأوسط يشمل تضمين العرب الإيرانيين في ترتيبات أمنية مشتركة مضمونة من قبل الولايات المتحدة، وبالتالي حرمان موسكو من أي باب محتمل في المنطقة.

حاليا، تظهر الدينامية الإقليمية أن الصراع قد دخل تلك المرحلة التي تعلب فيها روسيا بالنسبة لإيران نفس الدور الذي تعلبه الولايات المتحدة بالنسبة للعرب. وتماما كما استخدمت الولايات المتحدة القوة العسكرية لتحرير الكويت من القوات العراقية في عام 1991، فإن الروس الآن يستخدمون القوة العسكرية لتحقيق الهدف الإيراني بإبقاء «الأسد» في السلطة.

نقطة الضعف في خطة «بوتين» هي ببساطة أنه لا يمكن لأحد أن يضمن أن إيران في نهاية المطاف سوف يعاد دمجها في الاقتصاد العالمي مع كل العواقب السياسية المتوقعة. كما كتبنا في مناسبة سابقة، فإن سبب قيام روسيا بفتح ذراعيها لـ«قاسم سليماني» والحرس الثوري في أكثر من مناسبة يرجع إلى أنه في كثير من الأحيان كان المتشددون الإيرانيون هم الحلفاء الموضوعيين لموسكو. يمكن لهؤلاء المتشددين أن ينسفوا أي تقارب لإيران مع الغرب كما فعلوا مع البحارة الأميركيين في يناير/كانون الثاني الماضي.

لكن في نهاية المطاف سوف تعود المصالح الموضوعية لتفرض كلمتها على السياسيين. سوف يخسر المتشددون في نهاية المطاف وسوف يتم إعادة دمج إيران في الاقتصاد العالمي. وهذا يعني أن روسيا، التي لديها أقل القليل لتقدمه للإيرانيين في هذا الصدد، سوف تظل محدودة في نهجها.

المصدر | سمير التقي وعصام عزيز - ميدل إيست بريفينغ