الخميس 7 يوليو 2016 06:07 ص

التفجيرات الإرهابية التي ضربت مطار «أتاتورك» الدولي في اسطنبول، تؤكد مجددا أن المسلمين هم أكبر المتضررين من عمليات الإرهاب الأعمى والقتل العشوائي في العالم، وأنهم أكثر المستهدفين منه، وأنهم ضحايا لهذا الإرهاب المشبوه أكثر من غيرهم، وهو ما يعيد تأكيد النظرية القائلة بأن الإرهاب لا علاقة له بالاسلام ولا بالأديان، سواء الأديان السماوية أو الوضعية، ولا يمكن أن يكون نتيجة تعاليم دينية أو نصوص مقدسة.

التفجيرات التي ضربت اسطنبول راح ضحيتها 42 شخصا، من بينهم 39 مسلما، فضلا عن أن تركيا دولة اسلامية تستضيف ملايين اللاجئين السوريين والمصريين وغيرهم، كما أنها أصبحت منذ سنوات الوجهة الأكثر تفضيلا بالنسبة للسياح المسلمين والعرب، حيث يقصدها الخليجيون والعرب الراغبون بسياحة ملتزمة، وفيها عدد من المنتجعات والفنادق «الحلال» التي ظهرت مؤخرا وتلتزم بعدم تقديم ما يتنافى مع أحكام الشريعة الإسلامية.

من يستعرض العمليات الارهابية التي تقوم على القتل العشوائي والتي حدثت خلال السنوات الأخيرة يجد أن أغلب ضحاياها من المسلمين، بل حتى الهجمات التي استهدفت باريس وبروكسل مؤخرا كان من بين ضحاياها عدد من المسلمين، وفي الوقت ذاته فإن الرجل الذي أنقذ فرنسا من كارثة محققة يوم استهدفتها ضربات «داعش» هو الموريتاني سالم توربالي، وهو مسلم متدين يبلغ من العمر 42 عاما، وقد خاطر بنفسه وحياته ليمنع الانتحاري الداعشي في نوفمبر الماضي من دخول الاستاد المزدحم بالمشجعين في باريس، الذين كان من بينهم الرئيس فرانسوا أولاند.. الذي أصبح بعد تلك الحادثة مدينا بعمره لذلك الشاب الموريتاني الفقير. في تفجيرات اسطنبول استشهدت سيدة فلسطينية تدعى سندس شريم، وهي واحدة من حفظة القرآن الكريم في مدينة قلقيلية في الضفة الغربية، وهي شقيقة أحد شهداء انتفاضة الأقصى، كما استشهد ابنها الطفل ريان شريم في تفجيرات اسطنبول ذاتها، كما قضى في الحادث عدد من السعوديين والعرب، وأغلب الضحايا بطبيعة الحال من الأتراك الأبرياء العاملين في المطار، الذين يخدمون ملايين السياح يوميا.

تحليل ظاهرة الإرهاب يؤدي بالضرورة إلى نتيجة مفادها أنها ظاهرة لا علاقة لها بالدين وأنها ليست مرتبطة بتعاليم الإسلام، فالارهابي الذي نفذ جريمة اغتيال النائبة البريطانية جو كوكس في شمال انكلترا قبل أسابيع، كان متطرفا لكنه لم يكن مسلما ولا علاقة له بالاسلام، وطائرات الكاميكاز اليابانية التي نفذت الهجوم الانتحاري ضد الأسطول الأمريكي في «بيرل هاربر» يوم السابع من ديسمبر 1941 لم يكن لها علاقة بالإسلام ولا بتعاليم دينية سماوية، والأمثلة على ذلك كثيرة، فضلا عن أن «الفوضويين»، وهم تيار سياسي معروف ظهر قبيل قيام الاتحاد السوفييتي، كانوا يتبنون «الإرهاب» وسيلة لتحقيق أهدافهم السياسية.

المؤكد اليوم أننا أمام ظاهرة سياسية وأمنية بامتياز، ومكافحة هذه الظاهرة تحتاج إلى أدوات غير عسكرية وغير تقليدية، فالحرب الجوية التي يشنها التحالف الدولي ضد تنظيم «داعش» لا يمكن أن تنهي الظاهرة، حتى لو تمكنت من القضاء على حكم التنظيم وتدمير مراكزه في الرقة والموصل، خاصة أن المعلومات تتحدث عن هروب أعداد كبيرة من مقاتليه الى مناطق أخرى، ومن بينها ليبيا، التي تقول جريدة «صنداي تايمز» إنها استقبلت أعدادا كبيرة من المقاتلين الفارين من القصف في سوريا والعراق.

من يريد مكافحة ظاهرة الإرهاب فعليه أولا أن يدعم عمليات التغيير السلمي في العالم العربي، ويدعم موجة التحول الديمقراطي التي يتم وأدها بالثورات المضادة التي تنفذها أنظمة الاستبداد والقمع، لأن الدول التي تضم شبابا محرومين من المشاركة السياسية والتغيير السلمي ومحرومين من التعبير عن آرائهم وأنفسهم، هذه الدول سرعان ما تتحول الى بيئات حاضنة للإرهاب وصانعة له، والشعوب اليائسة من المسارات الطبيعية والقانونية والسلمية هي التي تجنح شيئا فشيئا نحو السلوكيات الشاذة، ومن بينها استخدام العنف.

خلاصة القول، إن المسلمين هم ضحية الإرهاب الأولى قبل غيرهم، وهم الذين يكتوون بجمره، وهم أصحاب المصلحة في مكافحته، لكن محاربة الإرهاب لا تتم بالقاء القنابل والصواريخ من السماء الى الأرض، وإنما في فتح المسارات الديمقراطية السلمية البديلة للتغيير، فالشباب الذي يجد له مكانا في صناديق الاقتراع لا يجنح نحو العنف والخروج على القانون، والشباب الذي يجد أن التغيير السلمي ممكن فلن يلجأ لغيره.. العالم العربي تنقصه فقط حفنة من الديمقراطية والحرية، وسياسيون يؤمنون بمبدأ المشاركة وتداول السلطة.

٭ محمد عايش - كاتب فلسطيني

المصدر | القدس العربي