السبت 30 يوليو 2016 06:07 ص

يراهن البريطانيون على احتمال ارتفاع أسعار النفط، بما يعزز السيولة المالية لدى دول الخليج ويساهم في عودة تدفق الاستثمارات العربية إلى الاقتصاد البريطاني. ويرى مراقبون أن مستقبل الاستثمارات العربية في بريطانيا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بارتفاع أسعار النفط، وإذا ألقت أزمة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ظلالها على أسواق النفط وأبقت أسعاره منخفضة لفترة أطول من المتوقع، يستبعد المراقبون عودة الاستثمارات العربية بقوة إلى بريطانيا.

وما يؤكد هذا الارتباط أن تراجع حركة الاستثمارات العربية في بريطانيا بدأ مع مسيرة انخفاض أسعار النفط في أواخر 2014 واستمر عام 2015، ولوحظ وفق تقرير شركة «نايت فرانك» العقارية أن حركة الشراء من المستثمرين الخليجيين تباطأت في صورة واضحة، وهبطت أسعار العقارات في المناطق الساخنة بوسط لندن والتي تعتبر وجهة للمستثمرين الخليجيين، خلال سنة بنسب تتراوح بين 3.5 في المئة و7.5 في المئة.

والمعروف أن مناطق مثل نايتسبريدج وساوث كينزينغتون وتشيلسي، هي الأكثر تأثراً، والأغلى في لندن على الإطلاق، وربما تتضمن أغلى الأسعار على مستوى القارة الأوروبية بأكملها. ويُشار إلى أن 20 في المئة من مشتري العقارات لأغراض الاستثمار والتأجير خلال 2015، كانوا من الإمارات، ما يكشف حجم الاستثمارات الكبير قي القطاع العقاري البريطاني.

وعلى رغم ذلك، لا يمكن ألا يقلق المستثمرون من تأثير تداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي سلباً على استثماراتهم، في ظل ارتفاع موجة التحذيرات من الانعكاسات الاقتصادية، فتقارير كثيرة حذرت من انهيار محتمل قد يواجه قطاع العقارات الذي يستقطب عدداً كبيراً من المستثمرين من مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك كبار المستثمرين الخليجيين وهم الأهم بالنسبة إلى هذا القطاع، وتملك صناديق استثمار سيادية وخاصة ومحافظ استثمار كبرى، أضخم العقارات وأغلاها ثمناً في وسط لندن.

وترافقت هذه التحذيرات مع بحث أجرته شركة «كوشمان أند ويكفيلد» للخدمات العقارية في حزيران (يونيو)، وأوردت فيه أن حجم الاستثمارات العقارية التجارية في بريطانيا بلغ 10.7 بليون جنيه استرليني خلال الأشهر الثلاثة الأولى من السنة، ما يمثل انخفاضاً نسبته 28 في المئة مقارنة بالفترة المقابلة من العام الماضي، وهو أدنى مستوى ربع سنوي منذ الربع الثاني عام 2013.

وفي هذا المجال، أكدت إحصاءات «بنك انكلترا» (المركزي البريطاني) أن تدفق رأس المال الأجنبي توقف في شكل عام منذ مطلع السنة، وتوقع تقرير نشرته وزارة الخزانة البريطانية في نيسان (أبريل) تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر في البلاد بنسبة تتراوح بين 10 و26 في المئة إذا انفصلت بريطانيا فعلاً عن الاتحاد الأوروبي.

وزاد قلق المستثمرين الخليجيين على الأرجح بعدما توقع جورج أوزبورن، وزير الخزانة في حكومة رئيس الوزراء السابق ديفيد كامرون، أن تتراجع قيمة العقارات بنحو 18 في المئة، فهذا الأمر لو حصل قد يدفع عدداً من المستثمرين إلى مغادرة السوق البريطانية خوفاً من ألا يتمكن تحسن الأسواق مستقبلاً من تعويض الخسائر، وإلى استثمار أموالهم في اقتصادات أخرى ذات عائدات أعلى، علماً بأن هؤلاء المستثمرين قادرون على تحمل خسائر تنتج من انخفاض أسعار العقارات بنسب تصل إلى أربعة في المئة في المديين القصير والمتوسط على أمل تعويضها في المدى الطويل.

تختلف تقديرات الاستثمارات العربية باختلاف مصادرها، وهي تتراوح بين 200 و300 بليون دولار، وأهمها استثمارات سعودية تُقدَّر بـ182 بليون دولار، منها 86 بليوناً استثمارات حكومية، والمملكة أهم شريك اقتصادي عربي لبريطانيا، تليها الإمارات وقطر، ثم الكويت.

وتُقدَّر خسائر الاستثمارات العربية بنحو 45 بليون جنيه بعد الاستفتاء، لكن هذا الرقم على رغم ضخامته، ضئيل نسبياً مقارنة بنحو ثلاثة تريليونات دولار خسرتها الأسواق العالمية في يومين من التداولات في إطار موجة هبوط قوية بعد صدور نتائج استفتاء بريطانيا. أما الخسائر العربية فهي ناتجة من تراجع قيمة أصول استثماراتها، وانخفاض سعر صرف الجنيه الاسترليني وكذلك اليورو، وأصبح على المصارف المركزية العربية خصوصاً الخليجية إعادة تقويم احتياطاتها من النقد الأجنبي خصوصاً أصولها المقومة بالعملتين البريطانية والأوروبية.

لكن تجدر الإشارة إلى إيجابيات لا بد من أن تنعكس على الأموال العربية واستثماراتها، أهمها استفادة البلدان المنتجة للنفط من فرق أسعار الصرف في مقابل الدولار المعتمد في تحديد سعر البرميل، وكذلك من قيمة مستورداتها من بريطانيا ومجموعة دول الاتحاد الأوروبي، ولا يُستبعَد أن تستفيد الدول العربية من زيادة استثمارات الشركات البريطانية في دول الخليج خصوصاً السعودية والإمارات وقطر والكويت.

وهكذا يمكن أن تبرز أهمية الأرباح في السنوات المقبلة في مقابل خسائر آنية، مع تأكيد أن الاستثمارات البريطانية في الخارج ستكون بمنأى عن التأثيرات السلبية لتداعيات الخروج الأوروبي، وفي الوقت ذاته سيبقى الاقتصاد البريطاني، خصوصاً في المديين المتوسط والبعيد، جاذباً مهماً للاستثمارات العربية.