الخميس 12 يونيو 2014 10:06 م

نور الشامسي، الخليج الجديد

رغم الطبيعة الدينية للحكم في المملكة العربية السعودية، إلا أنه أخفق في مواجهة تحديات اجتماعية حقيقية، من أخطرها ظاهرة الإدمان، بينما تُستنزف الكثير من جهود الدولة وطاقتها الروحية والدينية في ملفات أقل أهمية، مثل قيادة المرأة للسيارات، أو حتى الحرب على "الإرهاب"!

فقد أشارت الإحصاءات إلى ارتفاع نسبة الإدمان في المملكة العربية السعودية، حيث أعلن مدير مكافحة المخدرات في المنطقة الشرقية اللواء «عبد الله الجميل» حسب إحصاء تم عام 2013 أن نسبة ترويج وتهريب المخدرات في السعودية ارتفعت خلال الأعوام التسعة الماضية بشكل مخيف وصلت إلى 1000% عما قبلها من سنوات.

وأوضح، في تصريحات لصحيفة “الشرق” السعودية، أن المملكة تعتبر هدفا لصانعي المخدرات، خصوصا من الدول التي تشهد اضطرابات أمنية، مثل أفغانستان والعراق واليمن. كما أشار إلى أن المملكة تواجه ثلاثة أنواع من المخدرات تُعد الأكثر انتشارا، وهي “الكبتاجون” و“الهروين” و“الحشيش” الذي يعد الأسهل في التهريب ومصادره جنوب لبنان وأفغانستان والمغرب.

وسبق أن أعنلت رئيسة القسم النفسي بمستشفى الملك فهد بمدينة جدة، والخبيرة الدولية بالأمم المتحدة لعلاج الإدمان الدكتورة «منى الصواف» أن نحو 200 ألف سعودي يتعاطون المخدرات، (حوالي 1% من عدد السكان).

وبحسب تقرير الهيئة الدولية لمراقبة المخدرات، الصادر عام 2011، فإن السعودية هي المقصد الرئيسي لأقراص “الكبتاجون”، وكشف التقرير عن أول شبكة لتصنيع تلك الأقراص في المملكة.

الأسباب

هناك أسباب كثير وراء انتشار المخدرات في السعودية، على رأسها البطالة؛ حيث تشير نتائج دراسات متعددة إلى الارتباط الوثيق بين البطالة وتعاطي المخدرات. وقد  كشفت دراسة بعنوان «ظاهرة الإدمان في المجتمع السعودي»، أجراها المركز الوطني السعودي لأبحاث الشباب، أن حوالي نصف المدمنين على المخدرات عاطلين عن العمل.

فيما أشارت النتائج إلى أن 12.3% من المدمنين هم من فئة الطلاب، ويشير هذا إلى حجم الخطر الذي يحدق بالطلاب وصغار السن، ويؤكد على استهدافهم من قِبَل مروجي وتجار المخدرات، وتعثر المملكة في حماية تلك الفئة.

يُذكر أن بداية التعاطي وإدمان المخدرات والكحول تبدأ غالبا في سن الجامعة من 18 وصولا للعشرينيات، غير أن دراسة سعودية حديثة أثبتت أن التعاطي يبدأ في سن أقل من ذلك بكثير.

وقال الدكتور «عبدالرزاق الحمد» أستاذ الطب النفسي والمشرف على أكبر دراسة سعودية عن قضية المخدرات تحت عنوان «خفض الطلب على المخدرات في دول مجلس التعاون الخليجي لعام 2008»، أن 90% ممن بدأوا في تعاطي المخدرات والكحول كانوا في الفئة العمرية من 12 إلى 20 سنة.

على صعيد آخر، أدت الطفرة الاقتصادية التي شهدتها المملكة السعودية في العقود الأخيرة، وتزامنت مع فتح الباب أمام استقدام مئات الآلاف من العمالة العربية والأجنبية، أدت إلى فتح المجال أمام تجار المخدرات لتسريب كميات كبيرة إلى الداخل السعودي وسط تواضع التدابير التي اتخذتها السلطات لمواجهة تلك الثغرات.

ومن المثير للانتباه، أن من بين الأسباب ضعف الوازع الديني لدى المواطن السعودي، رغم ما تحوزه المملكة من ثقل ديني وروحي بين المسلمين. هذا بالإضافة إلى الفراغ وعدم استغلال الوقت، والتفاخر المالي لدى العديد من الحالات، مما يجعل الثراء الفاحش في بعض الأحيان مدخلا من مداخل الإدمان في المملكة.

هذا ولم تقتصر المتاجرة بالمخدرات في السعودية على الرجال فقط، بل تم ضبط 28 امرأة بتهمة تهريب حبوب مخدرة خلال منذ 2008 وحتى النصف الأول من عام 2010م؛ وبلغت نسبة السعوديات إلى الأجنبيات 11% من إجمالي عدد من تم ضبطهن في قضايا تهريب مخدرات.

وذكر المتحدث باسم الجمارك «عبد الله بن صالح الخربوش» بحسب ما ورد في جريدة «الرياض» أن المرأة قد تجبر في بعض الحالات على التهريب من قبل زوجها أو أحد أفراد أسرتها.

المخدرات في مؤسسات الدولة

ومن مظاهر تفشّي المشكلة في دوائر الدولة ذاتها، اتخاذ إجراءات جديدة من قِبل السلطات السعودية لمراقبة العاملين في العديد من المؤسسات الحكومية وإجراء كشوف الإدمان.

فقد تم نشر وثيقة على صفحة الناشط السعودي والمعروف باسم «مستنير» على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، كشفت عن نشر وزارة الداخلية تعميما سريا على كافة القطاعات الأمنية في المملكة العربية السعودية، يشرح الآليات التنفيذية لمعالجة ظاهرة انتشار المخدرات بين العاملين بأجهزة الوزارة، وذلك بإتخاذ عينات تحاليل من العاملين لإثبات أو نفي تعاطيهم للمخدرات بأشكالها. وهو ما يُعد مؤشرا على تفاقم أزمة الإدمان في هذا القطاع الحساس.

وفي سياق متصل، أعلنت وزارة التربية والتعليم السعودية بالتعاون مع وزارة الصحة والمديرية العامة لمكافحة المخدرات في مايو/آيار العام، عن البدء خلال الفترة المقبلة في إجراء الكشف عن المخدرات على المعلمين، وذلك بعد تزايد عدد حالات التعاطي المُكتشفة. وذكرت مصادر خاصة أن البداية ستكون بالمعلمين الجدد الذين سيتم تعيينهم قريبا، ثم يتم الكشف على بقية المعلمين، مشيرة إلى أن قرار الكشف سيطبق تدريجيا على كافة موظفي القطاع المدني، وفقاً لصحيفة «عكاظ».

تعلن السلطات السعودية  من حين لآخر عن ضبط وإعدام كميات كبيرة من المخدرات المُهربة. إلا أن معدل تفشي الإدمان المستمر بين السعوديين يشير إلى أن ما تضبطه السلطات من ممنوعات ما هو إلا غيض من فيض، خاصة بعد أن طال الإدمان مؤسسات الدولة الأمنية والتعليمية.

تصل عقوبة تهريب المخدرات في المملكة إلى الإعدام، كما أن السعودية هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي لديها جهاز رسمي لـ«الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، لكنّ الاحصاءات المتعلقة بالإدمان تؤكد على ضرورة تبني السلطات لطرق ووسائل أكثر احترافية لمواجهة تلك الظاهرة.