الأحد 4 سبتمبر 2016 01:09 ص

من بين إحدى أهم المفاجآت التي أفرزتها الأزمة المالية العالمية عام 2008، أن «الركود العظيم» الذي أعقبها لم يشجع على تبني «السياسات الحمائية» بشكل كبير. إلا أن التطورات التي حدثت هذا الأسبوع تفيد بأن هذا الواقع يمكن أن يتغير بسبب الافتقار إلى قيادات سياسية عالمية متعاونة وذات توجهات اقتصادية واضحة.

ومع انخفاض المردود الاقتصادي بسبب «السكتة المفاجئة» للنظام المالي العالمي التي شهدها العالم في خريف عام 2008، وظهور بوادر توحي بحدث ركود عالمي مؤذٍ، تزايدت المخاوف من أن تستجيب دول العالم للإغراء الذي ينطوي عليه تبني بعض الدول للإجراءات التجارية الحمائية باعتبارها تمثل طريقة لتعزيز نموّها على حساب غيرها.

إلا أن هذا التوجّه تم استبعاده لسببين: أولا: القناعة السائدة من أن مثل هذه السياسات لا تنطوي على الفعالية فضلاً عن أنها لا تؤتي أُكلها على المدى البعيد. وثانياً: بسبب رغبة وقابلية قادة مجموعة العشرين لتبني أجندة سياسة لتحفيز النمو في اجتماعهم الذي عقدوه في لندن خلال شهر أبريل 2009.

إلا أن هذه الأجندة التي نجحت في ذلك الوقت، أثبتت أنها لا تتميز بعنصر الاستدامة. وبدلاً من اعتبار اجتماع لندن على أنه يمثل سياسة متكاملة العناصر لتعزيز النمو الشامل، فإن الاقتصادات المتطورة بدأت تنزلق واحداً تلو الآخر نحو الاعتماد المكثف والمتزايد على بنوكها المركزية. وبما أن الأدوات المستخدمة في تنفيذ السياسة المالية، بما فيها الخلاّقة وغير التقليدية، ذات تطابق ضعيف مع المتطلبات المستدامة للدول المتقدمة، فإن مردود الاقتصادات الشاملة كان أخفض من التوقعات وأثبت فشله في تحقيق الازدهار.

كما أن الفترة الطويلة من النمو الضعيف، وارتفاع مؤشر عدم المساواة، يهددان الآن بتقويض الإجماع على تبني سياسات العولمة والتكامل الإقليمي التي تمثل المرتكزات الأساسية للفكر الاقتصادي منذ عدة عقود. ونتيجة لذلك، اصطدمت عربة التقدم نحو التحرر والتكامل الاقتصادي العابر للحدود، بالحائط.

وخلال الأسبوع الجاري، تصاعد التساؤل في كل من فرنسا وألمانيا حول جدوى «اتفاقية الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي» والتي تمت مناقشتها بالتفصيل بين ممثلين عن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وذهب الأمر بالمسؤولين الفرنسيين حتى إلى حثّ مسؤولي الاتحاد الأوروبي في بروكسل على تعليق النقاش حول الموضوع.

ويضاف إلى ذلك أن «اتفاقية الشراكة عبر الهادي»، وهي معاهدة تجارية وقعتها الولايات المتحدة مع 11 دولة آسيوية في شهر فبراير الماضي، يبدو بشكل متزايد أنها لن تحظَ بالتصديق النهائي بسبب الرغبة المتواضعة لتطبيق مثل هذه الاتفاقيات في أروقة الكونغرس الأميركي.

ولم تشمل حالة توقف المفاوضات، مسألة النظر في ترتيبات تعزيز التجارة الحرة وحدها، بل إن تصويت بريطانيا للخروج من الاتحاد الأوروبي في شهر يونيو كان دليلاً على أن الاتفاقيات ذات المدى الزمني البعيد بدورها لا يمكن أخذها على محمل الجدّ. وفي هذه الأثناء، جاء قرار المفوضية الأوروبية بفرض فاتورة ضريبية على شركة «آبل» ليصيب الحكومة الإيرلندية بالإحباط بعد أن كانت قد توصلت إلى اتفاقية نهائية مع الشركة ذاتها وأيضاً مع المسؤولين الأميركيين.

وكل هذه الأحداث كانت تتأثر بشدة بقوتين أكثر شمولاً هما: عدم الرضى على المستوى الشعبي من استمرار حالة النمو الهزيل من جهة، وارتفاع مؤشر عدم المساواة من جهة ثانية.

يمكن أن تنطوي الخطوة المقبلة على دفعة قوية للذهاب إلى ما هو أبعد من إحداث مواجهة ضد المبادرات الإقليمية و«العولمية» وحتى باتجاه إضعاف المبادرات القائمة الآن. ونحن نرى الآن كيف أن «اتفاقية أميركا الشمالية» ونظام الاتحاد الأوروبي نفسه، باتا في موقع أقرب إلى الرفض من طرف السياسيين.

وكرد فعل على هذه الرياح السياسية، بدأت أعداد متزايدة من الدول بالإعلان عن تنصّلها من تبنّي التوجهات التقليدية المتعلقة بالتجارة الحرة ولتتخذ موقفاً أكثر ميلاً للعزلة. وينطوي أضيق مفهوم لهذا التوجّه على التأكيد بأن التجارة بحد ذاتها ينبغي أن تكون عادلة قبل أن تكون حرة. وأما مفهومه الأوسع والأقوى، فيقضي بتشجيع الاعتماد على نظام مقايضة الواردات، واتخاذ الإجراءات اللازمة للتخفيف من ظاهرة تدفق البضائع ورؤوس الأموال الأجنبية.

ودأب السياسيون التقليديون الحريصون على التحضير لإعادة انتخابهم، على ترديد القول بأنهم باتوا على علم بهذه القوى الحمائية التي تزداد شدّة. وهم الذين عبروا عن اعتقادهم بأن أي أزمة طارئة تتعلق بالتجارة الحرة ومبدأ الاستثمارات العابرة للحدود يمكن أن تكون ذات تأثير مدمّر طويل المدى.

وعلى المدى الأقرب، تمثل هذه التطورات عصفة رياح أخرى للتجارة والنمو العالمي. ومن أجل التخفيف من تداعياتها المعاكسة، يتحتم على الدول المعنية أن تتعاون فيما بينها بدءاً من اجتماع مجموعة العشرين G-20، وأن تعلن عن التزامات.

* د. محمد العريان الرئيس التنفيذي لشركة بيمكو، ومؤلف كتاب "عندما تتصادم الأسواق".

المصدر | خدمة «واشنطن بوست وبلومبرغ نيوز» - ترجمة الاتحاد الظبيانية