السبت 21 يونيو 2014 01:06 ص

وسيم ابراهيم، السفير، 20/6/2014

وصلت إلى خارجية الاتحاد الأوروبي رسالة غير منتظرة، ومن وجهة غالبا ما يكون بريدها متوقعا. حالما قرأها المسؤولون في بروكسل اتصلوا بوزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون: دول الخليج ألغت الاجتماع الوزاري مع الاتحاد الأوروبي. حدث هذا قبل أيام فقط، ومعه تأكد الأوروبيون أن السعودية طفح كيلها، ولا تمانع في إخراج الخلافات إلى العلن.

كانت وقتها الاستعدادات مستمرة لاستقبال وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في لوكسمبورغ، بعدما كان مقررا أن يلتقوا نظراءهم في الاتحاد الأوروبي في 23 حزيران الحالي.

ويقول مسؤول ديبلوماسي رفيع المستوى لـ«السفير»، إن هذه الخطوة جاءت بسبب «تراكم سوء الفهم والخلافات» من جهة الجانب الخليجي، موضحا أنها تشمل غالبية الملفات الإقليمية، على رأسها قضية الساعة في العراق، والتقارب الغربي مع إيران، وليس آخرها الانتقادات الأوروبية للبحرين في قضايا حقوق الإنسان.

المسألة الأخيرة تم تقديمها كسبب مباشر لإلغاء الاجتماع. هذا ما يؤكده مصدر في الاتحاد الأوروبي رفض الكشف عن هويته. وقال لـ«السفير» إن الخطوة الخليجية «كانت مفاجئة لنا». وشرح أن الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد اللطيف الزياني وجه رسالة إلى آشتون لإبلاغها «بتأجيل الاجتماع»، وأن الرسالة «تضمنت إشارة لبيان مشترك حول البحرين».

هذا البيان أثار استياء خليجيا، وهو يشير إلى وضع حقوق الإنسان في البحرين على أنها «مثار قلق شديد». الموقف تبنته 46 دولة وقعت البيان، بينها جميع دول الاتحاد الثماني والعشرين، وتم عرضه في العاشر من حزيران، خلال انطلاق الدورة الحالية لمجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في جنيف.

لكن المسؤول الديبلوماسي، المطلع على علاقات الأوروبيين مع دول الخليج، يؤكد أن هذه المسألة لم تكن سوى ذروة جبل الجليد. ويلفت إلى أن «السعودية هي التي وقفت خلف إلغاء الاجتماع الوزاري»، موضحا أن «أهم الملفات التي راكمت الحساسية الخليجية هي قضية التفاوض مع إيران. السعودية تخشى من تسوية خلف ظهرها، فهي ترى مظاهر التقارب، وليست واثقة مما يحدث تحت الطاولة».

عندما وصلت رسالة مجلس التعاون إلى بروكسل، اضطر موظفو الخارجية الأوروبية إلى الاتصال بآشتون في فيينا، حيث تترأس هناك جولة تفاوض جديدة مع إيران. المفاوضات وصلت مرحلة متقدمة، والخيار بات بين إنجاز الاتفاق النهائي قبل 18 أيلول المقبل، أو تمديد الاتفاق المرحلي ستة أشهر.

لكن التقارب الغربي لم ينتظر إتمام الاتفاق. العديد من وزراء الخارجية الأوروبيين تقاطروا إلى طهران، بعد سنوات من القطيعة، وبريطانيا أعلنت أنها ستعيد فتح سفارتها المغلقة هناك. نمط التفاوض أخذ منحى جديدا، بعد عقد الولايات المتحدة لقاء ثنائيا مع إيران استبق جولة المفاوضات الأخيرة. هواجس القلق السعودي لم تتوقف، رغم أن واشنطن ثابرت على إرسال وفد خبراء إلى الرياض وتل أبيب، ليشرحوا نتائج التفاوض بعد كل جولة.

ما يعيشه العراق الآن أنضج عنوانا خلافيا آخر بين الخليج والأوروبيين. لم يكن هناك مفر أمام البيان الختامي للاجتماع الملغى من المرور على هذه القضية، لكن إيجاد صيغة توفيقية لم يكن سهلا. الموقف السعودي ينطلق من الخصومة مع القيادة العراقية، ويعتبر الأزمة الحالية نتيجة «السياسات الاقصائية» لرئيس الحكومة نوري المالكي. لكن الموقف الأوروبي ينطلق من دعم العراق في مواجهة «الإرهاب»، ومن ثم دعوة المالكي لتشكيل حكومة شاملة التمثيل. ويقول المسؤول الديبلوماسي إن «الأوروبيين ليسوا مستعدين لتبني لهجة الانتقاد الحادة للمالكي كما تريد السعودية، ولا تقديم ذلك على أولوية مواجهة الإرهاب».

كل تلك الأسباب أدت إلى ظهور أزمة سياسية في العلاقات الخليجية ـ الأوروبية، تلخصها خطوة غير مسبوقة. لم يحصل سابقا أن تم إلغاء اجتماع وزاري بهذه الطريقة، طوال 23 عاما كانت تنعقد خلالها دورات سنوية للمجلس المشترك بين الجانبين.

حدة هذا التوتر ظهرت أيضا في إصرار السعودية على إخراجه للعلن. كان يمكن إلغاء الاجتماع الوزاري بالتوافق وعبر صيغة ديبلوماسية لتبريره. لكن حتى قبل أن تتبلغ الخارجية الأوروبية بالإلغاء، تعمدت الرياض تسريب الخبر إلى وسائل إعلامها، وحصرت السبب «بالتضامن» مع البحرين.

لم يكن الأوروبيون الوحيدين المتفاجئين. الخطوة جاءت من دون مقدمات، حتى لمن يفترض أنهم أول من يعلمون بها. سفراء دول مجلس التعاون الخليجي اضطروا لإلغاء حجوزات الفنادق، التي كانوا ثبتوها مسبقا، وكذلك حجوزات السيارات الفاخرة لنقل الوفود الخليجية إلى فنادقهم وإلى مقر الاجتماع.

أرادت السعودية أن يكون الموقف صارما. يتحدث مصدر مطلع على ترتيبات الاجتماع عن إخفاق محاولة جرت لتخفيف وقع إلغائه، بعد اقتراح لاستبدال الاجتماع الوزاري باجتماع ثنائي، بين آشتون ووزير الخارجية الكويتي الشيخ صباح الخالد الصباح.

عندما سألت «السفير» مايكل مان، المتحدث باسم آشتون، عن هذه التفاصيل، قال إنه ليس لديهم علم ببدائل تم اقتراحها. أما بالنسبة لإلغاء الاجتماع، ففضل الحديث عن «التأجيل»، كما جاء في الرسالة الخليجية، رغم عدم ذكر أي موعد لاحق. وقال: «لدى الاتحاد الأوروبي بوضوح خيبة أمل من التأجيل، ويأمل بأن تتم إعادة جدولة الاجتماع في وقت قريب».

ورغم تقديمه كسبب للتوتر، لكن البيان حول حقوق الإنسان في البحرين لم يكن الأول من نوعه. سبق وخرج بيانان مشابهان، تبنتهما أكثر من 40 دولة أمام مجلس حقوق الإنسان في جنيف. ظهر الأول في شباط الماضي، ولحقه الثاني في أيلول.

لكن ذلك لا يمنع أنها قضية خلاف عالق بين الجانبين. هذا ما ظهر جليا في زيارة آشتون إلى المنطقة في كانون الثاني الماضي. كانت المنامة هي العاصمة الخليجية الوحيدة التي لم تزرها، بينما حطت طائرتها في عواصم دول مجلس التعاون الخمس الباقية.

بيان جنيف الأخير تضمن العديد من الانتقادات لحكومة البحرين: من بينها إعلان الدول الـ 46 القلق حول «الزيادة في الأحكام الطويلة» بحق النشطاء السياسيين والحقوقيين، وكذلك «قمع التظاهرات» والتقارير حول «سوء المعاملة والتعذيب في مراكز الاحتجاز» وحالات «الحرمان التعسفي من الجنسية». ورد وفد البحرين بأن البيان تضمن «عددا من الادعاءات المجحفة والخاطئة حول وضع حقوق الإنسان»، معتبرا أنه تجاهل في المقابل «ما أحرزته المملكة من تقدم ملحوظ وثقته الجهات الرسمية في عدد من التقارير».

يعود المسؤول الديبلوماسي لتأكيد أن ملف البحرين كان فقط «السبب المباشر»، ويلفت إلى ما يؤكد تقدم ملف إيران. يشير إلى حساسية أخرى ظهرت في الاجتماع العربي ـ الأوروبي الذي استضافته أثينا في 10 حزيران الحالي. ويكشف أن الدول الأوروبية كانت تمانع «حتى اللحظة الأخيرة» أن يتضمن البيان المشترك فقرة تتحدث عن ضرورة تسوية وضع «الجزر الاماراتية الثلاث التي تحتلها إيران». يلفت إلى أن الأوروبيين أرادوا «فعل كل ما يمكن لتجنب أي إساءة إلى المفاوضات مع إيران».

مع إلغاء الاجتماع لم يعد ديبلوماسيو الخليج يكررون عبارة شهيرة في وصف العلاقات مع الأوروبيين. كانوا يقولون إن العلاقات الاقتصادية ليست كما يجب «لكن التعاون السياسي ممتاز». مفاوضات التجارة الحرة قام الجانب الخليجي بتجميدها منذ العام 2008، بعدما بدأت في العام 1989.

الخلل في العلاقات تحدثت عنه دراسة، نشرت في آذار الماضي، في إطار مشروع بحثي تشارك المفوضية الأوروبية في تمويله بالتعاون مع معهد العلاقات الدولية في روما. خلاصة الأوراق البحثية اعتبرت أن العلاقات بين دول الخليج والاتحاد الأوروبي «تقف على مفترق طرق». إضافة لتوقف مفاوضات التجارة، خلصت الدراسة إلى أن التعاون «على مستوى منخفض في عدد من المجالات المختلفة»، كما لفتت إلى أنه رغم التغيرات غير المسبوقة، بعد «الثورات» العربية، فان ذلك «لم يقد إلى إعادة بناء وتجديد التعاون في قضايا الأمن والسياسة الخارجية».