الأحد 7 ديسمبر 2014 03:12 ص

مع كل مناسبة دينية ووطنية تكون الإمارات على موعد مع قرارات جديدة من قبل حكامها بالعفو عن بعض المساجين، وهو تقليد بدأه الشيخ «زايد بن سلطان آل نهيان» منذ تأسيس دولته في سبعينيات القرن الماضي، ولا يزال أبناؤه وأبناء إخوته من أعضاء المجلس الأعلى يسيرون على هذه النهج ويوظفونه لأغراض متفاوتة.

قرارت العفو تصدرها بعض إمارات الدولة بكثافة وبعضها الآخر على استحياء، وتستهدف فئات بعينها وتحرم منها فئات أخرى، ووفقاً للمراقبين، فإن قرارات العفو تحمل مستويات مختلفة من الأهداف، فعلى الصعيد الاجتماعي تكمن أهدافها في تصدير صورة أكثر إنسانية للحكام والأمراء عند قطاعات الشعب، ولجبر خواطر من يستشعر بأن ظلما ما وقع عليه من قبل السلطات التنفيذية، أو لمحاولة تفريع شحنات الغضب عند المسجونين ظلماً وعند ذويهم وأسرهم.

أما على الجانب التنظيمي والإداري، فتسهم هذه القرارات في تفريغ السجون من التكدس وأعباء الإدارة والتنظيم وبخاصة بعدما رفت الدولة شعار لا سجون في الإمارات بل « مؤسسات عقابية وإصلاحية » شعارها « السجن إصلاح وتهذيب» لمحاكاة مطالب المنظمات الحقوقية، فتكلفة إطعام السجين الواحد يوميا في سجون أبوظبي تبلغ حوالي سبعة عشر درهما « خمس دولارات» للوجبات الثلاث بخلاف الخدمات الأخرى، وذلك بحكم الأنظمة المشددة التي تقضي بعدم إدخال الطعام أو الشراب من قبل أهالي المساجين فضلا عن الحوائل الزجاجية التي تفصلهم عنهم أثناء الزيارات الدورية الأسبوعية، وأيضاً لكون أغلب المساجين من الجنسيات الأجنبية ممن لا عوائل لهم .

ورغم أن مناسبات العفو متنوعة وينتظرها بشغف مساجين محكوم عليهم بتهم أو جنح بسيطة، إلا أن الدولة غالباً ما تستهدف ترحيل المساجين الأجانب خارج البلاد تزامنا مع قرارات العفو الذي تتم مراجعته من قبل لجنة قانونية بتوجيهات ومتابعة من الشيخ «منصور بن زايد» وزير شؤون الرئاسة ورئيس دائرة القضاء في أبوظبي، مما يقضي في الغالب على طموحات هؤلاء السجناء في البقاء داخل الدولة للعمل وتعويض ما فاتهم من خسائر مالية بسبب فترة سجنهم .

دورة السجين في الإمارات

وفقاً للمصادر، فإن كثيراً من السجناء يقضون فترات طويلة من السجن ظلماً بسبب عدم توفر إجراءات عادلة، إما بسبب "وشاية" من رجال التحريات الذين يتقاضون خمسمائة درهم عن كل بلاغ يتقدمون به لإداراتهم مما يجعل الكثير من البلاغات تفتقر إلى الدقة فضلاً عن أن تعتريها شبهة الكيد، أو حتى بسبب بعض وكلاء النيابة الذين تحوم حولهم شبهات التلاعب و"تلفيق الأوراق" من أجل المكافآت المالية، أو بسبب غياب الدفاع خصواً في المراحل الأولى من القضية التي تنتهي غالباً إلى حبس المتهم على ذمة القضية حتى يتحدد موعدا للنظر في قضيته أمام أحد المحاكم خلال الشهور الستة الأولى من سجنه .

مرحلة جديدة من المظلومية ينتظرها السجين الذي قد لا يجد المال الكافي ليوكل محامياً بحسب العديد من الحالات الموثقة ميدانياً، ساعتها تقوم الدولة بإسناد قضيته لأحد المحامين والذي عادة ما يكون ولاؤه للدولة، ينتهي الأمر بحكم قضائي بالإدانة أو التبرئة، وأيا ما كان الحكم الصادر تقوم بعدها اللجنة القانونية بديوان الرئاسة بمراجعته وقد تذيله بقرار الإبعاد بعد إنقضاء المدة القانونية للحكم .

بعد انقضاء الحكم أو صدور قرار بالتبرئة أو العفو، وفي خلال 24 ساعة، تقوم سلطات السجون بتنفيذ قرار خروج السجين وتحويله إلى قسم آخر في السجن تشرف عليه وزارة الداخلية وليس وزارة العدل يطلق عليه «الورشة»، يمكث فيه السجين فترة طويلة حتى يتم إبراء ذمته من اي حقوق لدى الغير وترتيب إجراءات تسفيره وإبعاده عن الدولة، ووفقاً للشهادات فإن البعض تطول مدة إقامته في هذا القسم عدة شهور يقضيها في ظروف معيشية صعبة للغاية بسبب كثرة النزلاء وبالتالي تأخير إجراءاتهم التي قد تتحمل هيئة الهلال الأحمر بعضها بالتنسيق مع المؤسسات العقابية المختلفة بالدولة .

العفو ليس نهاية المشكلة

وكما أن قرار العفو قد يفتح آفاقاً أمام المفرج عنهم من أجل استئناف حياتهم، فإنه يمثل يكون بالنسبة للآخرين بداية مشكلة جديدة، فمع حلول مواسم العفو وتطلع السجناء لهذا اليوم نجد أن قرارات العفو قد تكون سببا لابتهاج البعض وربما لاكتئاب البعض الآخر ممن يتطلع للبقاء لاستثمار فرصة إقامته بالدولة وانتهاء مدة محكوميته، والسبب بالطبع هو قرار الترحيل.

وتشير مصادر إلى ارتفاع معدلات الانتحار داخل السجون خاصة بين الجنسيات الأسيوية كرد فعل للصدمة داخل الزنازين وفي غفلة من قرنائهم عند ذهابهم إلى تناول الطعام في المطعم المخصص لتناول الوجبات أو أثناء نومهم .

وتشير المعلومات الخاصة إلى انتحار أكثر من اثني عشر سجينا عام 2012 فقط في المؤسسات العقابية بأبوظبي ، وتخفي السلطات المختصة هذه المعلومات التي قد تسبب لهم إحراجا مع السلطات العليا من جهة ومع المنظمات الحقوقية من جهة أخرى، الأمر الذي يدفعهم إلى تسجيل حالات الانتحار كحالات وفاة طبيعية وفقاً للشهادات.

سجناء الرأي.. محرومون من العفو

ورغم كل هذه المساوىء، فإن قرارات العفو هذه لا تشمل سجناء الرأي أو المحتجزين على خلفية أي قضايا سياسية بأي حال من الأحوال، حيث تعامل الأجهزة الشرطية والأمنية المختصة بالشأن العدلي في الدولة هذه الفئة باعتبارهم خصوماً لها، حتى الحالات إنسانية التي تشمل كبار السن وذوي الأمراض فإنها تلقى تعسفاً كبيراُ ولا يسمح لها بالنذر اليسير من الحقوق، وأشهر الأمثلة على ذلك هو «سجن الرزين» الذي يشرف عليه جهاز أمن الدولة ويختص بالمحتجزين على خلفية قضايا الرأي والقضايا السياسية ممن تصفهم الدولة بـ«العناصر الخطرة» برغم خلو تاريخهم –في المجمل- من أي شبهة للتورط في أعمال إجرامية. 

الأوضاع في سجون الإمارات الشمالية وعلى وجه الخصوص «سجن الشارقة» ـ سيئ السمعة ـ تعد نقطة سوداء في سجل حقوق الإنسان الإماراتي وفقاً للحقوقيين، حيث تحرص سلطات السجن على الإبقاء على السجين أطول فترة ممكنة، حيث تتقاضى إدارة السجن –وفقاً للمصادر- مبلغ 300 درهم عن كل سجين يومياً، تشترك في تحويلها كل من المملكة العربية السعودية بواقع مائتي درهم كدعم قديم كانت قد تعهدت به المملكة لحاكم الشارقة «سلطان بن محمد القاسمي»، إضافة إلى مائة درهم أخرى تقدمها القيادة العامة لشرطة أبوظبي.

 تقوم السلطات بتحصيل هذه المخصصات التي تنعكس في صورة امتيازات لصالح العاملين في الأجهزة الأمنية والشرطية، بينما يتم تتجاهل حاجات السجون والسجين الأساسية، رغم ما كانت قوى الإصلاح تراهن عليه من دور لحاكم الشارقة في  تحسين أساليب وسياسات الاجهزة الأمنية التي تتبناها الأسرة الحاكمة.

ويبدو مما سبق أعلن عنه العميد «حمد عديل الشامسي» مدير عام المؤسسات العقابية والإصلاحية بوزارة الداخلية الإماراتية من أن الوزارة تنفذ حالياً مبنى قيد الإنشاء لإدارة المؤسسات العقابية والإصلاحية في المناطق الشمالية للدولة في منطقة «سيح المهب» بكلفة 312 مليون درهم والذي يتوقع الانتهاء من تجهيزه خلال 2016، بالإضافة إلى مبنى آخر للمؤسسة تحت الإنشاء في الشارقة يفترض أن تطبق فيه مواصفات ومعايير دولية، إضافة إلى مبنى آخر في الشارقة بكلفة 245 مليون درهم، والمبنى المركزي الجديد في الوثبة، أن السلطات في الإمارات تبدو عازمة على زيادة عدد السجناء برغم بريق قرارات العفو، ومع كل ذلك تبدو هناك حقيقة مؤكدة وهي أن معاناة النزلاء المساجين تفوق بكثير مكرمات العفو التي قد تصيب بعضهم ويحرم منها غالبهمِ.

المصدر | الخليج الجديد