الأربعاء 2 يوليو 2014 06:07 ص

وحيد عبد المجيد، الاتحاد الإماراتية، الأربعاء 2 يوليو 2014

لم يتخيل مؤسسو حزب «البعث» عندما فكروا في تأسيس تنظيم قومي عربي جامع أنه سيكون مفرّقاً للقوم ومشتّتاً للجمع. لم يتصوروا حينئذ أنهم يضعون بذرة تمزيق بعض أهم بلاد الأمة التي أرادوا توحيدها وفق شعارهم وهو أنها «أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة». فقد صارت الأمة التي حلموا بتوحيدها في أبعد نقطة تفصلها عن هذا الحلم منذ أن داعب خيالهم. وفضلاً عن ذلك، فقد بات البلدان اللذان حكمهما هذا الحزب مهددين بالتمزق أشلاء بعد أن تكبد شعباهما عذاباً عظيماً تحت نير سلطته، وأصاب الكثير من شعوب الأمة الأخرى أنصبة متفاوتة من هذا العذاب.

ربما يكون المؤسس الأول لـ«البعث»، «الرفيق» ميشيل عفلق، قد أدرك ذلك متأخراً، بعد أن قطع الأذى المترتب على تأسيس حزبه شوطاً بعيداً، حين تبادل فرعاه في كل من سوريا والعراق الاتهامات بالخيانة ولجأ إلى أحدهما ليحميه من الثاني، ثم وضعت الحكومتان التابعتان لهما قواتهما في مواجهة بعضهما البعض على الحدود.

وليست هذه إلا مصيبة واحدة مما جناه حزب «البعث» على البلدين اللذين سيطر على السلطة فيهما قبل أن يصبح واجهة لحكم قلة متجبرة فاسدة هنا وهناك. وما تغلغل تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» (داعش) في هذين البلدين اليوم إلا امتداد لجناية «البعث» عليهما، ونتيجة لذلك ها هو أبو بكر البغدادي يعيد إنتاج منهج عفلق في جوهره وفي قالب «أيديولوجي» مختلف، رغم كل ما يفصلهما من مسافات.

وإذ يبدو المشروعان للوهلة الأولى متناقضين، وهما كذلك فكرياً، فإنهما وجهان للعملة نفسها منهجياً. خذ مثلاً اعتماد كل منهما على القوة، إما عبر التغلغل داخل الجيش الرسمي وتحويله قوة انقلابية، أو من خلال إنشاء ميليشيا غير رسمية لمواجهة هذا الجيش والزحف نحو الأهداف المبتغاة. ولنتأمل أيضاً موقف كل منهما الإقصائي تجاه الآخر، أي آخر، وأساليب التعامل معه.

ولم يكن ممكناً أن يصبح كل من العراق وسوريا مهددين اليوم بالتمزيق إلا نتيجة التجريف الشامل الذي حدث في البلدين على أيدي أتباع من وعدوا بتوحيدهما وسائر بلاد الأمة معهما. فقد تعرض نسيجهما المجتمعي إلى تخريب شامل بفعل طغيان رهيب جعل البلدين جديرين بالوصف الذي أطلق على أحدهما «جمهورية الخوف»، وبسبب الإمعان في الإقصاء السياسي والطائفي الذي تنامى في البلدين منذ سبعينيات القرن الماضي بأشكال مختلفة ودرجات متباينة، إلى أن انفجرت تداعياته المخيفة عقب الغزو الأميركي للعراق، ثم في ظل القمع الوحشي للانتفاضة السورية.

فليست مصادفة، إذن، أن يصبح التمزيق واقعاً يجري تكريسه الآن في البلدين اللذين حكمهما أتباع حزب قامت فكرته على أن وجود هذين البلدين وغيرهما من البلاد العربية يمثل تمزيقاً لأمة جعل وحدتها شعاره وهدفه وغايته. فقد مزق من حكموهما باسم هذا الحزب نسيجهما إلى الحد الذي قد يكون صعباً تجنب المصير المؤلم الذي يتجه إليه كل منهما وستتوقف تفاصيله على نتائج المعارك الدائرة فيهما على ثلاثة مستويات.

فهناك معارك بين السلطة الرسمية في كل من بغداد ودمشق وقوى مناوئة تسيطر على مساحات متفاوتة في البلدين. وهناك أيضاً المعارك بين هذه القوى نفسها، خاصة بين تنظيم «داعش» من ناحية والتنظيمات والفصائل الأخرى في مجملها. وعلى مستوى ثالث تخوض بعض هذه الفصائل الأخرى معارك ضد بعضها البعض. وإذا كان النوع الأول من المعارك مهماً من حيث تحديد الشكل العام للخريطة الجديدة للبلدين، يبدو النوعان الثاني والثالث أكثر أهمية من زاوية تحديد التضاريس التفصيلية لهذه الخريطة. وربما تكون المعارك بين تنظيم «داعش» والقوى والفصائل الأخرى التي تقاتل معه ضد القوات الرسمية، وتقاتله على النفوذ، هي الأكثر أهمية في المرحلة الراهنة بعد أن توسعت أطماع ذلك التنظيم وتنامت موارده وازدادت شهيته للالتهام.

ولذلك صار السؤال مثاراً عن إمكان توسع نطاق المعارك بين تنظيم «داعش» والقوى والفصائل الأخرى في العراق على النحو الذي نراه في سوريا الآن رغم اختلاف الظروف. فقد بدأت تلك المعارك منذ أن دخلت «داعش» إلى سوريا، ليس فقط لأنها كانت تنظيماً غريباً قادماً من بلد مجاور، ولكن أيضاً لتعاليها على القوى التي كانت تقاتل نظام بشار الأسد قبل قدومها وإصرارها على أن تكون تابعة له.

وقد حدث مثل ذلك بشكل آخر، وفي ظروف مختلفة بطبيعة الحال، بين فرعي حزب «البعث» في العراق وسوريا، وبين الحزب في مجمله والقوى السياسية الأخرى سواء التي كانت معه في «المعسكر القومي» أو غيرها.

لكن ما يحدث الآن بين «داعش» وقوى أخرى يقترن بتمزيق أوصال العراق وسوريا، في حين أن ما حدث بين «البعث» وفصائل أخرى وبين فروعه المتصارعة ارتبط بتمزيق فكرة الوحدة وتحويل حلمها الذي راود أجيالاً عدة من العرب إلى كابوس. ويبدو أن الكثير من تفاصيل المعارك بين تنظيم «داعش» والقوى الأخرى في الأسابيع القادمة سترتبط بتأثير تقدمه في العراق على مركزه في سوريا. ويبدو هذا التأثير مزدوجاً حتى الآن. فتقدم «داعش» في العراق يرفع الروح المعنوية لمقاتليه في سوريا ويزيد قدراته التسليحية وغيرها، ويوفر تمويلاً إضافياً من الأموال التي حصل عليها من مصارف عراقية، ولا تقل قيمتها عن 450 مليون دولار في أدنى التقديرات.

لكن التقدم في العراق يؤدي في الوقت نفسه إلى تشتيت قوات التنظيم الذي قد يضطر لسحب بعض مقاتليه في سوريا لدعم سيطرته على المناطق التي تقدم فيها. وقد يقود ذلك لاحقاً إلى إضعاف مركزه الميداني في سوريا.

غير أنه لم يظهر ما يدل على هذا الأثر السلبي حتى بداية الأسبوع الجاري، بل على العكس، سيطرت قوات «داعش» خلال الأسبوع الماضي على بعض مناطق ريف حلب التي كانت قد انسحبت منها قبل شهور تحت وطأة ضربات جبهة «النصرة» وفصائل أخرى.

لكن إذا بقيت الصورة الجديدة للعراق وسوريا قيد التشكل لفترة سيطول أمدها، فقد بدأت بعض ملامحها تتضح، خاصة تنامي فرص إقامة كيان كردي مستقل اعتبر مؤسسو «البعث» مجرد التفكير فيه جريمة قومية نكراء، وكان موقفهم العنصري تجاه الأكراد وغيرهم من الأقليات غير العربية بداية تمزيق النسيج المجتمعي في البلدين.