كيف يمكن التغلب على تعثر المحادثات السعودية الإيرانية؟

الخميس 29 سبتمبر 2022 07:45 ص

كما قال رئيس الوزراء البريطاني "هارولد ماكميلان" بحكمة في عام 1958، فإن "التوبيخ أفضل من الحرب". وفي السياسة الخارجية، أو في الحياة اليومية، الكلام أفضل من القتال. ولكن ماذا لو أتي الكلام بنتائج عكسية؟

وللوهلة الأولى، يبدو أن المحادثات المباشرة بين السعودية وإيران تشير إلى تحول مهم في السياسات المتقلبة بشكل متزايد في الشرق الأوسط. لكن هذه المحادثات خيبت الآمال إلى حد كبير. ويرجع التقدم الضئيل على طاولة المفاوضات إلى التباين الواسع بين الأهداف والمواقف الإقليمية للبلدين.

وتنقسم المحادثات بين أي متنافسين إلى فئتين: الأولى تحويلية والثانية معاملاتية.

وتهدف المحادثات التحويلية إلى حل النزاعات الأساسية، إما من خلال التسوية السلمية أو بعد استخدام القوة القاهرة. ويعد التقارب الألماني مع فرنسا، والذي بلغ ذروته في معاهدة الإليزيه عام 1963 بين المستشار الألماني "كونراد أديناور" والرئيس الفرنسي "شارل ديجول"، أحد الأمثلة على ذلك. والمثال الآخر هو المفاوضات الأمريكية مع اليابان في عام 1945 بعد أن أسقطت الولايات المتحدة قنابل نووية على هيروشيما وناجازاكي، ما أدى إلى استسلام اليابان.

على النقيض من ذلك، تسعى المحادثات المعاملاتية إلى إدارة تفاصيل النزاع أو اكتساب مزايا تكتيكية داخله. ومن الأمثلة على ذلك المفاوضات بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بشأن الحد من التسلح خلال الحرب الباردة. ولم يكن من المتوقع أبدًا أن تؤدي هذه المحادثات إلى حل للصراع الأيديولوجي الأساسي، بل جعل هذا الصراع أكثر قابلية للتنبؤ، وتقليل مخاطر الأحداث غير المرغوب فيها، وتجنب سوء الفهم.

ويمكن أن يكون كلا النوعين من المحادثات مفيدًا. لكن المهم هو عدم الخلط بين أحدهما والآخر.

ويقودنا ذلك إلى حالة السعودية وإيران. منذ أبريل/نيسان 2021، عقد الجانبان 5 جولات من المفاوضات في بغداد (تأجلت الجولة السادسة في أغسطس/آب بسبب الاضطرابات في العراق)، وفي ذلك الوقت يبدو أن الشيء الرئيسي وربما الوحيد الذي اتفقا عليه هو ترتيب يسمح لإيران بإرسال آلاف من مواطنيها إلى المملكة لأداء مناسك الحج.

وبالرغم أن وقف إطلاق النار في اليمن يعتبره البعض أحد إنجازات المحادثات، فإن هذا الأمر أكثر ارتباطا بعدم قدرة الحوثيين على الاستيلاء على مدينة مأرب ذات الأهمية الاستراتيجية.

وما جعل المحادثات السعودية الإيرانية لم تسفر عن أي شيء تقريبًا هو عدم التناسق الواسع والمتعدد الأوجه في المفاوضات. ويبدو أن هناك اختلافًا هائلا في وجهات النظر حول طبيعة المحادثات ذاتها وأهدافها، فلدى الجانبين مجموعات مختلفة من المطالب والشكاوى. وفي العالم العربي، يسمى هذا حوار الطرشان، أو "حوار الصم".

وبعد مشاركتنا في عدة اجتماعات مغلقة مع كبار المسؤولين السعوديين في الأشهر الأخيرة لمناقشة قضايا الأمن الإقليمي، أدركنا أن ما تريده الرياض من هذه المحادثات هو، على الأقل، التزام من طهران بالتوقف عن مهاجمة المملكة، إما بشكل مباشر كما فعلت في سبتمبر/أيلول 2019 عندما هاجمت منشآت نفطية سعودية في بقيق وخريص، أو عبر وكلاء مسلحين في اليمن والعراق.

بالتأكيد، يرغب السعوديون في إجبار إيران على الحد من ترسانتها من الصواريخ والطائرات بدون طيار، وأن تتخلى عن تطلعاتها النووية وتكبح جماح الميليشيات التابعة لها في جميع أنحاء المنطقة، لكنهم يدركون أن هذه مطالب غير واقعية. وبالتالي، فإن نهج الرياض يتناسب مع نموذج المفاوضات المعاملاتية حيث يتركز طلب السعودية الأساسي على الأمن القومي، لكن إيران ليست كذلك.

وفي رأينا، تستخدم إيران المحادثات لتحقيق هدفين رئيسيين: أولاً، تحاول تعزيز العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية مع دول الخليج العربية، والتي هي في أمس الحاجة إليها لعلاج وضعها الاقتصادي المزري - وهو هدف معاملاتي بشكل أو بآخر. ثانيًا، ترغب طهران في دق إسفين بين السعودية والولايات المتحدة من خلال التظاهر بأنها جارة جيدة ملتزمة بالحوار. ويعزز هذا الانطباع موقف صانعي السياسة الأمريكيين الذين يدعمون تقليص التواجد العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وهو هدف قديم للإيرانيين. وهذا الهدف الثاني هو أكثر استراتيجية وتحويلية.

وربما تكون إيران تعلمت من ضربة 2019 ضد السعودية أن العدوان يمكن أن يعزز خطوط الصدع في الشراكة الأمنية الأمريكية الخليجية ويؤدي إلى تفاقم التوترات بين الأمريكيين وعرب الخليج حيث تجنبت واشنطن الرد على هذا الهجوم، فيما اعتبرته السعودية عدم وفاء بالالتزامات الأمريكية تجاه المملكة.

لكن بغض النظر عن هذه الحادثة تحديدا، فإن الواقع يقول أن كل مرة تهاجم فيها إيران السعوديين أو الإماراتيين، يتم نشر المزيد من القدرات العسكرية الأمريكية في المنطقة (حتى ولو مؤقتًا)، ويتم إنشاء المزيد من المبادرات الأمنية متعددة الأطراف بقيادة الولايات المتحدة لردع إيران، كما يؤدي ذلك لاندفاع المزيد من الدول العربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل. وهذه كلها نتائج لا تخدم مصالح إيران على المدى الطويل، ولهذا السبب نعتقد أن طهران ربما اختارت إعادة ضبط نهجها تجاه دول الخليج العربية.

لكن الطبيعة المتطرفة للنظام الإيراني تشير إلى أنه سيكون هناك دائمًا مجال للعنف والإكراه في استراتيجيتها للهيمنة الإقليمية، وتحرص طهران الآن على الجمع بين هذا الوجه العدائي وواجهة الدبلوماسية. ومن شأن ذلك أن يفسر سبب تضخيم الدبلوماسيين الإيرانيين مرارًا وتكرارًا للتقدم البسيط الذي أحرزته المفاوضات مع السعودية.

ومن التحديات الأخرى أمام المحادثات السعودية الإيرانية عدم وجود نوع من التكافؤ الاستراتيجي. ويُظهر التاريخ الطويل للصراع بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، أنه كلما شعر الجانبان بالضعف المتبادل ولكنهما لا يزالان واثقين بدرجة كافية بشأن مواقفهما الاستراتيجية النسبية وقدراتهما العسكرية الانتقامية، كانا قادرين على تقديم تنازلات والتوصل إلى مفاوضات معاملاتية.

لكن هذا ليس هو الحال مع السعوديين والإيرانيين، فالسعوديون يخافون من الإيرانيين، وهم الطرف الأضعف عسكرياً، ولا يشعر الإيرانيون بالتهديد من السعوديين. وهذا الخلل الشديد في التوازن أساس سيئ لحوار أمني مثمر. إن خلق قدر أكبر من التناسق يمكن أن يجعل المحادثات أكثر إنتاجية ويؤدي إلى نتائج ذات مغزى بما في ذلك تدابير ملموسة للحد من التسلح من شأنها أن تخدم الاستقرار الإقليمي.

تتمثل إحدى طرق القيام بذلك في تعزيز العلاقات الأمنية بين الولايات المتحدة والسعودية. وقد تدفع شراكة أمنية أمريكية سعودية أقوى إيران إلى التفاوض بجدية وربما للتسوية. وبالفعل، بدأت إدارة "بايدن" في بناء علاقة ثنائية أقوى منذ رحلة الرئيس إلى الرياض، لكن لا تزال هناك تحديات عديدة، سياسية إلى حد كبير بسبب انعدام الثقة.

ومن النقاط الجيدة للبدء مراجعة نهج الولايات المتحدة في المساعدة العسكرية للمملكة (وشركاء واشنطن العرب الآخرين) بحيث تركز بشكل أقل على المعدات وأكثر على الإصلاحات الهيكلية في الجيش السعودي والبيروقراطية الدفاعية التي ستمكنها من أن تكون أكثر فعالية واستدامة.

وإذا نجحت واشنطن والرياض في إعادة بناء العلاقات، فإن الخطوة التالية ستكون أن يقوم السعوديون بتوضيح رؤيتهم الإقليمية علنًا، ثم توضيح أهدافهم في محادثات بغداد، بما في ذلك كيفية انسجامها مع أهدافهم الخاصة بالشرق الأوسط. وعادة ما تكره الدول الرؤى الواضحة وتميل إلى العموميات المبهمة، لكن حان الوقت تغيير ذلك. لقد حددت السعودية أولويات واضحة من خلال مبادرة السلام العربية لعام 2002 من أجل السلام العربي الإسرائيلي الشامل، ويمكنها البناء على هذه السابقة.

وقد يكون تأييد بعض دول الجامعة العربية أمرًا رائعًا، لكن السرعة والدقة أهم من انتظار عشرات التوقيعات، فبعد كل شيء تعد السعودية زعيمة العالم العربي حاليًا. ويمكن للرؤية أن تتجنب ذكر إيران في حد ذاتها، وبدلاً من ذلك تسرد مطالب الرياض للتعايش الإقليمي السلمي: نبذ حقيقي لأسلحة الدمار الشامل. ووقف تسليم الأسلحة الثقيلة إلى الميليشيات؛ فرض حظر على هجمات الطائرات بدون طيار أو الصواريخ عبر الحدود؛ إدانة الجماعات والعمليات الإرهابية؛ وعدم التدخل في السياسة الداخلية للدول الأخرى.

سوف يفهم الجميع في المنطقة على الفور من يصفهم السعوديون بينما لا يذكرون أسماءهم. ويمكن للسعوديين بعد ذلك أن يوضحوا للجميع، بما في ذلك طهران، أن المحادثات الجديدة تهدف أولا إلى الحد من سوء التفاهم الدبلوماسي الذي يغذي التصعيد، لكن الرياض تستهدف أيضا مناقشة هذه الرؤية بما في ذلك تطبيقها في اليمن والعراق ولبنان وسوريا.

علاوة على ذلك، يجب التأكيد على أنه لن يكون هناك تقدم في المحادثات بشأن بنود طهران دون مراعاة لأجندة السعودية. على الأقل، سيعزز ذلك الثقة الإقليمية في السعوديين فيما يتعلق بالمحادثات، ويمكن أن يفتح الباب لإيران لإدراك أنها لن تحقق أهدافها دون قدر من التغيير في سلوكها.

المصدر | جيمس جيفري | لو فير بلوج - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

العلاقات السعودية الإيرانية بن سلمان الدبلوماسية الإيرانية أبراهام اتفاقات أبراهام الصواريخ الإيرانية الاستقرار الإقليمي

رئيس الشورى السعودي: إيران جارة لنا معها روابط دينية وثقافية

لا شروط مسبقة.. إيران تدعو السعودية إلى تبني نهج بناء لعودة العلاقات

السعودية تفرج عن حاج إيراني رفع صورة سليماني بالحرم المكي