سجن صيدنايا.. ثقب أسود ومسلخ بشري للمعارضين في سوريا

الاثنين 3 أكتوبر 2022 01:25 م

ارتبط اسم "صيدنايا" في سوريا، بالموت أو التعذيب أو الرعب بالنسبة للسوريين، بسبب مقتل أعداد كبيرة من المعتقلين داخل سجن المدينة الواقع بريف دمشق وأعداد كبيرة آخرون مختفون ومجهولي المصير.

فـ"صيدنايا" يقع فيها أخطر السجون السورية، ويحتوي على أعداد كبيرة من السوريين الذين شاركوا في الحراك السلمي عام 2011.

وتُقدر "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" أعداد المعتقلين في سجون النظام السوري بما يزيد عن 100 ألف معتقل ومغيب قسري، وتؤكد مقتل أكثر من 14 ألفا تحت التعذيب منذ اندلاع الثورة في العام 2011.

كشف تقرير جديد صدر عن رابطة معتقلي ومفقودي السجن، الضوء عن الهرمية العسكرية وتسلسل القيادة والأوامر وتوزع المسؤوليات داخل سجن صيدنايا العسكري، أحد أكثر الأماكن سرية في سوريا.

ويورد التقرير تفاصيل التسلسل القيادي في السجن لأول مرة، كاشفاً المسؤولين عن ارتكاب عمليات التعذيب والقتل الواسعة والممنهجة للمعتقلين في صيدنايا والتي ترقى إلى جرائم إبادة وجرائم ضد الإنسانية.

كما يصف مخطط السجن ودفاعاته وهيكله الإداري بالتفصيل وعلاقته مع باقي أجهزة ومؤسسات "الدولة"، ويوضح كيف تم تحصينه عمداً لصد الهجمات الخارجية المحتملة وقمع المعتقلين داخله.

ويكشف التقرير تفاصيل جديدة مروّعة حول المعاملة القاسية للمعتقلين في السجن، ويقدر أن أكثر من 30 ألف معتقل إما أُعدموا، أو قضوا نتيجة التعذيب، أو نقص الرعاية الطبية أو الجوع بين عامي 2011 و2018 في سجن صيدنايا.

ويسلط التقرير كذلك على كيفية إنشاء "غرف الملح" والتي كانت بمثابة مكان لحفظ جثث الضحايا ريثما يتم نقلها إلى مشفى تشرين العسكري.

يُعتقد أن النظام قد أعدم ما لا يقل عن 500 معتقل إضافي بين عامي 2018 و2021، وفقًا لشهادات ناجين وثقتهم الرابطة.

يقول "دياب سريّة"، المؤسس المشارك في الرابطة المعتقل السابق في سجن صيدنايا: "لقد أراد النظام أن يكون هذا المكان ثقبًا أسود يبتلع كل من يقترب إليه، ولا معلومات تخرج منه مع إفلات تام من العقاب، وعدم وجود عدالة تلوح في الأفق".

ويضيف: "يهدف بحثنا إلى القول بأنه معسكر موت فيه تسلسل واضح للقيادة والأوامر والأعمال الداخلية".

ويتابع "سرية": "على مدى سنوات، وقعت جرائم مروّعة، بما في ذلك الاختفاء القسري والتعذيب المنهجي والقتل داخل هذا السجن الذي أصبح رمزًا لواحدة من أكثر الفترات الدموية في تاريخ البلاد".

ويعبر عن أمله أن "تقدم المعلومات في هذا التقرير صورة أوضح عن القادة والمسؤولين عن إصدار الأوامر لهذه الجرائم وكذلك توضيح علاقة السجن بباقي أجهزة ومؤسسات (الدولة)".

ويكشف التقرير كيف يتم حماية السجن على ثلاثة مستويات أمنية مع مئات الحراس المتمركزين في مواقع مختلفة عبر السجن، حيث أن الجدران الخارجية للسجن يحميها موظفي سجن الشرطة العسكرية المعروفين باسم الشركة الخارجية، والفرقة الثالثة للجيش السوري، وهم خط الدفاع الأول للحماية من التهديدات الخارجية ومنع الهرب من السجون.

ووفق التقرير، يقوم حوالي 40-50 فردًا من اللواء 21 التابع للفرقة الثالثة بتأمين محيط السجن بين الجدران الداخلية والخارجية.

فيما تتولى وحدات منفصلة مسؤولية تأمين الجزء الداخلي من السجن وكذلك مراقبة وتأديب المحتجزين.

كما يحيط بالسجن حقلي ألغام، أحدهما داخلي يتكون من ألغام مضادة للأفراد، والآخر حقل خارجي يتكون من ألغام مضادة للدبابات.

حتى أن هناك وحدة مهمتها تحديدًا مراقبة جميع الاتصالات الأرضية واللاسلكية الواردة والصادرة إلى السجن والمنطقة المحيطة به، بالإضافة إلى جميع الاتصالات اللاسلكية القريبة، وفق التقرير.

في حين تم تخصيص مستوى أمني لحماية أبنية السجن الداخلية ومراقبة تحركات السجناء وتأمين وجودهم وانضباطهم داخل الأجنحة والمنفردات.

وقد تختلف طبيعة الحماية في كل مستوى وفقا للجهة العسكرية المسؤولة عنها (الجيش أو الشرطة العسكرية أو شعبة الاستخبارات العسكرية).

ويقع السجن على قمة تلة في منطقة جبلية شمال دمشق، وتبلغ مساحتها الإجمالية حوالي 1.4 كيلومتر مربع، أي ما يعادل 184 ملعبًا لكرة القدم، وهي مساحة أكبر بـ8 مرات من المساحة الإجمالية لجميع ملاعب كرة القدم ذات الحجم القياسي الدولي في سوريا.

ويختلف "صيدنايا" عن باقي السجون من حيث التبعية ومن حيث الممارسات والقوانين المطبقة فيه، إذ يتبع لوزارة الدفاع السورية، بينما لا تتمتع وزارة العدل بأي سلطة عليه، فيما "لا يستطيع أحد دخوله أو زيارة أي معتقل، من دون إذن الشرطة العسكرية، بعد الحصول على موافقة مسبقة من شعبة الاستخبارات العسكرية"، وفق تحقيق الرابطة الحقوقية.

وخلصت الرابطة في إحدى جزئيات تحقيقها إلى أنه يتبع لجهتين قضائيتين منفصلتين: الأولى هي "القضاء العسكري"، الذي ينظر في الجنايات أو الجنح التي يرتكبها عسكريون، والثانية هي "محكمة الميدان العسكري".

وتعاقب على إدارة السجن 10 مدراء مختلفين، كان لافتا أنهم ينحدرون من قرى تتبع لمحافظة طرطوس وأخرى لمحافظة اللاذقية، في غرب البلاد.

ويصنف النظام السوري المعتقلين في "صيدنايا" إلى فئتين: الأولى هم الأمنيون، وهم معتقلون مدنيون أو عسكريون، على خلفية رأيهم أو نشاطهم السياسي أو انتمائهم إلى منظمات "إرهابية"، أو القيام بأعمال "إرهابية"، أو حسب "التهم الجاهزة من جانب النظام السوري".

أما الفئة الثانية فهي الموقوفون القضائيون، وهم من العسكريين المحتجزين بسبب ارتكابهم جنحا أو جرائم جنائية (قتل، سرقة، فساد، اختلاس أموال، فرار من الخدمة الإلزامية).

وهذا الاختلاف في التقسيم ينتج عنه اختلاف في طريقة المعاملة، إذ يوضح التحقيق أن "الأمنيين يتعرضون لتعذيب ممنهج، وكافة سياسات الحرمان من الطعام والرعاية الصحية، أما القضائيين فيتعرضون لتعذيب غير ممنهج، وفي الغالب يتمتعون بزيارة دورية ومستوى مقبول من الطعام والرعاية الطبية".

وبالعموم ينظر النظام السوري إلى المعتقلين في السجن على أنهم "عملاء وخونة"، ولهذا يجردون من أي اعتبارات إنسانية، ويستباحون تماما.

يقول "شادي هارون" مدير البرامج في الرابطة أحد الناجين من سجن صيدنايا: "هو معسكر للموت شهد على جرائم بشعة ضد الإنسانية بما في ذلك القتل الجماعي للمعتقلين والتعذيب وغيره من المعاملات القاسية واللاإنسانية".

ويضيف: "بالنسبة للمعتقلين، كان كل يوم في حياتهم يوم معاناة وعذاب، من التعذيب على أيدي الحراس الساديين إلى التجويع، وتجريدهم من ملابسهم، والحرمان من الرعاية الصحية".

ويتابع "هارون": "كانوا يتوقعون الموت في أي لحظة"، لافتا إلى أن "التقرير لا يحفظ فقط ذكرى معاناتهم، ولكن يمكن أن يلعب أيضًا دورًا في ضمان المساءلة عن هذه الجرائم".

واستندت جميع روايات عن سجن "صيدنايا" إلى شهادات معتقلين سابقين محظوظين بما يكفي للنجاة من هناك.

وهذا التقرير الأول من نوعه الذي يستند إلى 31 مقابلة، معظمها مع موظفين سابقين في الجيش والأجهزة أمنية، بالإضافة إلى 6 عاملين سابقين ممن شغلوا مناصب بارزة في السجن.

وبين 2011 و2015 كانت الأوضاع فيه في غاية السوء، وتراجعت أعداد السجناء فيه بسبب عمليات التصفية.

ويذكر التحقيق أن النظام السوري أعدم فيه وخلال 10 سنوات من 30 إلى 35 ألف معتقل، بشكل مباشر أو تحت التعذيب، أو بسبب قلة الرعاية الطبية والتجويع.

ودائما ما تكون عمليات الإعدام المباشر بشكل دوري (يومين في الأسبوع)، فيما توضح الرابطة الحقوقية أن "المعتقلين لا يتم إبلاغهم بقرار الإعدام، بل ينقلون مساء لينفذ بهم الحكم في اليوم نفسه أو في اليوم التالي".

يحضر الإعدام رئيس القلم الأمني ومدير السجن، والنائب العام العسكري في المحكمة الميدانية، واللواء قائد المنطقة الجنوبية، وضابط من شعبة المخابرات، ورئيس فرع التحقيق (248) وأحد أطباء السجن، وأحيانا "رجل دين"، فضلا عن رئيس المحكمة الميدانية العسكرية، وهي الجهة التي يصدر عنها الحكم.

وتحدث التحقيق عن غرفتي إعدام، الأولى في "البناء الأبيض" والثانية في "البناء الأحمر"، وأن العملية تتم "شنقا". وفي كلا الغرفتين "عدة منصات لذلك".

كما يسلط التقرير الضوء على الهيكل التنظيمي للسجن وعلاقته بالأجهزة الأمنية والمحاكم ووزارة الدفاع ومؤسسات الدولة الأخرى، ويوضح دور السلطات التي ترتكب جرائم بحق المعتقلين وصلاتها بالفرع 227 والفرع 293 بالإضافة إلى غطاء الشرعية القانونية الذي تمنحة محكمة الميدان العسكري ومحكمة الإرهاب لهذه الإجراءات.

ويصف "سرية"، السجن بـ"الرمز الذي يستخدمه النظام السوري لإرهاب الناس.. هو يضع كل من يفتح فمه فيه. وهو وجه لهيبة النظام ورمز للسطوة على المجتمع".

ويضيف: "مكان فيه أوامر ومحكمة ميدانية وتراتبية. هو جزء من كيان الدولة. التحقيق كشف كل ذلك".

وقد يتردد سؤال كبير، لماذا كل هذه التراتبية والهيكلية الإدارية والتنظيمية للسجن؟، رغم أن أجهزة النظام الأمنية، وفق ما وثقت منظمات حقوقية قادرة على قتل أي معتقل بكل سهولة، ومن ثم إخفاء أثره كاملا.

ويوضح "سرية": "سألنا إحدى الرتب العالية التي عملت فيه سابقا، وأجاب: "المعتقل عندما يموت داخل صيدنايا يصبح مثل البارودة (البندقية). يجب أن تسلم. هذه هي بيروقراطية الدولة".

ويضيف الحقوقي والمعتقل السابق: "هذه هي الدولة المتوحشة.. بكيانها وقوانينها وأنظمتها. هكذا حولها نظام الأسد".

يتابع "سرية": "المعتقل يتعرض للقتل حتى يعترف. لا تنته القصة ويرسل إلى صيدنايا. كثير من الأشخاص يقولون لماذا نتعرض للقتل في صيدنايا مجددا. هو معسكر موت مثل معسكرات النازيين أيام الحرب العالمية الثانية".

وزاد: "النظام يقتل الناس فيه من أجل أن يتربى من في الخارج. هذه هي الدولة".

ويظهر التقرير الدور الذي يلعبه مستشفى تشرين العسكري في التخلص من جثث المعتقلين عقب إعداماتهم، حيث تنقل جثث الأشخاص الذين تم إعدامهم في "شاحنات حفظ اللحوم" المبردة لدفنها في مقابر جماعية.

أما جثث المعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب حتى الموت أو توفوا بسبب المرض أو الجوع في زنزانات السجن، فوفق التقرير، يتم تجميعها والاحتفاظ بها لمدة تصل إلى 48 ساعة في "غرف الملح"، ثم يتم نقلها إلى مستشفى تشرين العسكري لفحصها وإصدار شهادة وفاة، وإرسال الجثث للدفن في المقابر الجماعية في نجها والقطيفة وغيرها من الأماكن.

وغالبا، لا تتسلم العائلات جثث أحبائهم.

ولا تصدر أحكام الإعدام على المعتقلين عن محاكم عسكرية ميدانية بعد محاكمات موجزة في كثير من الأحيان، تستغرق دقائق معدودة، إذ يعتبر ذلك انتهاكا للمعايير الدولية للمحاكمات العادلة ولا يمكن اعتبارها إجراءات قضائية مشروعة.

المصدر | الخليج الجديد

  كلمات مفتاحية

سجن صيدنايا صيدنايا سوريا تعذيب إعدام

أمريكا: «الأسد» أقام محرقة للجثث قرب سجن صيدنايا لإخفاء عمليات القتل الجماعي

إعلاميون ومفكرون عرب: «مسلخة صيدنايا» وصمة عار في جبين «خامنئي» ومجتمع دولي «حقير»