الخميس 19 فبراير 2015 02:02 ص

منذ بضعة أيام كانت لي محاضرة في مسقط عن التسامح الديني، كما كان لي مقال عن الغيرية الدينية العنفية المتعصبة. وقد تبين لي أن المدخل للتقليل من ظاهرة الغيرية تلك ولتشجيع وبناء التسامح الديني في أرض العرب يمر عن طريق مراجعة نقدية موضوعية لبعض القراءات والتفاسير الخاطئة للنصوص القرآنية الكريمة وللأحاديث النبوية المؤكدة.

وأوردت أمثلة لمواضيع تحتاج لمثل تلك القراءة.

بعد يومين علمت عن طريق الإذاعات أن مجموعة من المفكرين الإسلاميين في أوروبا تحضّر لعقد مؤتمر فكري في بداية العام القادم للنظر في وضع أسس لنشاط نقدي يتوجه لنقد ما علق بالخطاب الديني الإسلامي عبر العصور، بما فيها العصر الذي نعيش، ومحاولة إجراء قراءات جديدة تبعد المجتمعات العربية والإسلامية الحالية عن الجحيم التكفيري الإرهابي الذي يهدد بتدمير بنيتها الدينية والاجتماعية والثقافية والسياسية ويدخلها في حرب مجنونة أبدية مع بقية العالم.

وطالما أن الموضوع هو في فترة التحضير، فمن الضروري أن يساهم كل من يهمه الأمر في إنجاح ذلك الجهد، وهذا ما سأحاول بتواضع القيام به.

* أولا: إن عملية المراجعة يجب أن تكون شاملة بكل المعاني، بحيث تتم مراجعة ونقد كل القراءات الخاطئة أو الناقصة أو التي تجاوزها الزمن في كل مذهب إسلامي وفي كل مدرسة فقهية، بما في ذلك بالطبع قراءات القوى التكفيرية التي تموج بها مجتمعات العرب والمسلمين.

* ثانيا: ولأن الفقه الإسلامي لا يتعامل مع العقائد والمعاملات فقط، وإنما يشمل مواضيع تمس حقول الطب وعلوم الكون الطبيعي أيضاً، فإن محاولة القراءات الجديدة والنقد يجب أن تشمل تلك الحقول أيضاً.

ولايحتاج الإنسان إلى أكثر من مشاهدة بعض الفضائيات الدينية، ودخولها اليومي في فضاءات التداوي من هذا المرض العضوي أو النفسي وذاك، أو محاولة إقحام النصوص الدينية الكريمة في فهم حقول المكتشفات الفيزيائية والكيميائية والبيولوجية وتطوراتهاالصّاعدة والهابطة على الدوام، حتى يدرك أن مراجعة القراءات المتعلقة بمثل تلك المواضيع ضرورية، من أجل تنقية وتعديل أفهام العربي والمسلم للكثير من القراءات الفقهية لعلوم العصر التي يصرّ الكثيرون على إعطائها قدسية مساوية للنصوص القرآنية الكريمة والأحاديث النبوية الشريفة المؤكدة.

* ثالثا: من هنا سيكون من الضروري أن يتواجد في ذلك المؤتمر اختصاصيون في العلوم الطبيعية والطب والعلوم الاجتماعية وغيرها، للمساهمة في تحليل ونقد تلك المواضيع كجزء من تنقية ماعلق بالفقه الإسلامي عبر العصور المتلاحقة.

* رابعا: إن عملية المراجعة الشاملة والنقد الرصين والقراءات الجديدة ستحتاج إلى أفق زمني ممتد، ما يعني الحاجة لمأسسة ذلك الجهد حتى يبقى متواجداً عبر المستقبل البعيد للرد على كل مخرف أو معتوه متطرف أو جاهل أحمق يريد إقحام هذا الدين الشديد البساطة واليسر في دروب وعرة شائكة تجعل معتنقيه في خصام دائم مع عصرهم ومع معتنقي كل الديانات الأخرى.

* خامسا: إن مأسسة ذلك الجهد ستتطلب أن تكون بعيدة عن إتباعه بأية سلطة رسمية، سواء، أكانت سياسية أو دينية، وذلك حتى يكون ذلك الجهد حكماً على الجميع ومحترماً من الجميع، وإلى أبعد الحدود الممكنة مقبولاً من الجميع. إن ذلك لن يكون سهلاً في مجتمعات تعودت سلطاتها السياسية والدينية على ممارسة الهيمنة التامة ووضع الجميع تحت أجنحتها.

من أجل ذلك لابد من النظر في بناء وقفية يتبرًّع لها الموسرون من العرب والمسلمين المالكين لالتزام ضميري وأخلاقي تجاه إخراج مجتمعاتهم وشعوبهم من الجحيم العبثي التكفيري، بكل إشكاله وألوانه وأسمائه، الذي يصرُّ على ممارسة كل تلاوين العار والخسًّة والغدر والتوحُّش باسم دين الحق والقسط والميزان والرًّحمة الإلهيًّة.

كل المؤسسات الفكرية والاجتماعية والبحثية في بلاد العرب والمسلمين عانت الأمرين، ثم الاختفاء والموت التدريجي، بسبب عدم حل إشكالية التوفُّر والاستقرار المادي الذي يمكًّنها من الاستقلالية والابتعاد عن الجهات التي لا يهدأ لها بال إلا بالسيطرة على الآخرين وتوجيه كل نشاطاتهم.

أخيرا، إذا وجدت مثل هكذا مؤسسة، تضمُ فقهاء ومفكرين وعلماء لديهم غيرة على مستقبل مجتمعاتهم، وبالتالي إخراج تلك المجتمعات من تخلُّفها الحضاري التاريخي الذي وصلت إليه، فإنها ستكون إحدى المرجعيات التي ستساهم في مساعدة أجيال المستقبل للتعامل مع تطورات أزمنتهم من خلال فهم روحي عقلاني مستنير ميسر تباركه السماء وتحتاجه هذه الأرض التي تعاني جنون الإنسان ونوازعه.

وبالنسبة إلى أمة العرب، فإن تحقيق الكثير من تطلعاتها القومية والحضارية سيسهله وجود مثل تلك المؤسسة.

المصدر | الخليج - الشارقة