الأربعاء 12 ديسمبر 2018 11:12 م

طالب الكاتب الأمريكي المتخصص في القضايا الأمنية "جوش روجين"، صناع القرار بالولايات المتحدة بكبح مسألة انتشار برمجيات التجسس المتطورة، التي تبيعها شركات أمريكية وإسرائيلية لحكومات ديكتاتورية في مختلف أنحاء العالم، لاسيما بالشرق الأوسط، بعد أن تسببت تلك البرمجيات فعليا في التجسس على المعارضين والصحفيين، وأدت إلى القتل وإسالة الدماء.

واعتبر "روجين"، في مقال بصحيفة "واشنطن بوست"، أن القضية لم تعد فقط متعلقة بحقوق الإنسان، بل أيضا بالأمن القومي الأمريكي، متوقعا أن تتسبب تلك الشركات بالأذى للمواطنين الأمريكيين أيضا، عبر إتاحة التجسس عليهم بشكل غير مسبوق.

وأشار الكاتب إلى أن شركة NSO الإسرائيلية هي واحدة من أبرز الشركات التي وضعت أدوات فعالة لبرامج التجسس - كانت متوفرة سابقًا لعدد قليل من الحكومات - في السوق المفتوحة، حيث استخدم أحد برامجها المتطورة للتجسس، ويدعى "بيغاسوس"، في ما يصل إلى 45 بلدا محكومة معظمها بواسطة قادة ديكتاتوريين واستبداديين يستخدمون ذلك البرنامج وغيره في اضطهاد المعارضين والصحفيين وغيرهم من المدنيين الأبرياء.

وبحسب الكاتب، فإن أبرز تلك البلدان هي: البحرين، وكازاخستان، والمكسيك، والمغرب، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة.

وكشف الكاتب أن شركة NSO الإسرائيلية تعمل مع مجموعة من الاستشاريين وشركات المحاماة في واشنطن لصياغة سياساتها للتصدير والأخلاقيات، أبرزها شركة "بيكون غلوبال استراتيجيس"، وهي شركة استشارية أمريكية يديرها مسؤولون كبار سابقون في المخابرات ووكالة الأمن القومي الأمريكي والبنتاغون.

واعتبر "روجين" أن التقارير الأخيرة عن استخدامات قاتلة لبرمجيات التجسس المنتجة في شركة NSO، تثير تساؤلات حول جدوى "الشراكة الأخلاقية" لتلك الشركة مع الأمريكيين.

ونقل الكاتب عن "رونالد ديبرت"، مدير مختبر المواطن في كلية مونك للشؤون العالمية والسياسة العامة في جامعة تورنتو، قوله: "لقد أظهرنا على مدار عامين حالات متكررة من إساءة استخدام برامج التجسس من مجموعة NSO وانتشرت تلك الأنباء على نطاق واسع في وسائل الإعلام العالمية".

وأضاف "ديبرت": "إن فكرة أن مجموعة NSO لديها نوع من آليات العناية الواجبة التي تصحح أو تمنع هذه الأنواع من الإساءات هي حقيقة غير قابلة للتصديق".

ويتيح برنامج "بيغاسوس" الوصول الكامل إلى هاتف المستهدف من قبل الوكالة الحكومية القائمة بالتجسس، وقالت مؤسسة "سيتيزن لاب" إن ذلك البرنامج تحديدا استخدم لاختراق المعارض السعودي المقيم في كندا "عمر عبدالعزيز" للتجسس على محادثات له مع مواطنه الصحفي "جمال خاشقجي"، والذي اغتيل بوحشية داخل القنصلية السعودية في مدينة إسطنبول التركية، في الثاني من أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

وترد هذه الاتهامات ضمن دعوى قضائية أقامها "عبدالعزيز" ضد الشركة الإسرائيلية، وباتت هذه الدعوى جزءا من التدقيق العام المتنامي في شركة NSO وغيرها من الشركات التي تبيع أدوات تجسس لحكومات تسيء استخدامها.

وأوضح الكاتب أن شركة NSO الإسرائيلية تقنيا تابعة لشركة تدعى "كيو سايبر تكنولوجي" مقرها في لوكسمبورغ، وتعد شركة الاستثمار الأمريكية "فرانسيسكو بارتنرز" شريكة فيها بحصة غالبة.

ويضيف أن الشركة الأمريكية استعانت بفريق لتقديم المشورة بشأن الضوابط الأخلاقية لتصدير منتجات NSO من أنظمة وبرامج التجسس، بما في ذلك شركة "بيكون غلوبال"، والتي يترأسها "جيريمي باش"، رئيس الأركان السابق في البنتاغون، و"آندرو شابيرو"، مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية السابق للشؤون السياسية والعسكرية، و"مايكل ألين"، المسؤول البارز السابق في المخابرات الأمريكية، ووظفت الشركة أيضا "ليون بانيتا"، مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق.

وبحسب "روجين"، فإن دور هذه الشركة الاستشارية الأمريكية هو ضبط إطار لأخلاقيات العمل في بيع تلك التكنولوجيا إلى جهات إنفاذ القانون (الحكومات) حول العالم، واستخدام تلك التكنولوجيا في جمع الأدلة الرقمية لكشف غموض التحقيقات الجنائية الصعبة أو عمليات الأمن القومي.

وأكد الكاتب أن الشركة الأمريكية لم تقم بدورها في هذا الإطار، ولم تضغط على NSO للالتزام بتلك المعايير الأخلاقية، لكن على العكس فقد قدمت نصائح سرية للشركة الإسرائيلية لكيفية تجاوز نقاط حددتها الحكومة الأمريكية لمنح تراخيص تصدير لمنتجاتها.

واعتبر أنه عند الحديث عن أخلاقيات البيع، يتصاعد الشك حول وجهة نظر الحكومة الإسرائيلية، التي قد يكون لديها أفكار مختلفة حول أخلاقيات بيع تلك الأنظمة إلى الحكام المستبدين في المنطقة، نظرا للعلاقات المميزة التي تجمع هؤلاء الحكام بتل أبيب.

وقال "روجين": إذا استمر هذا النظام، فإن التهديد ليس للأجانب فقط، ولا يوجد ما يمنع هذه الحكومات من استخدام هذه الأدوات للتجسس على الأمريكيين الذين يعارضون ممارساتهم أو حتى المسؤولين الأمريكيين".

وتابع: "إننا نتجه نحو الغرب المتوحش من أدوات التجسس والمراقبة دون دور واضح في حكومة الولايات المتحدة في التخفيف من المخاطر".

وطالب "روجين" بأن تأتي تلك المبادرة من الكونغرس أو متعقلين داخل الإدارة الأمريكية، لحماية مصالح الولايات المتحدة وقيمها، وكذلك حماية الأمريكيين أنفسهم من تلك البرمجيات التي تقتل.