السبت 2 مايو 2015 10:05 ص

في ضوء احتجاز قوات البحرية الإيرانية التابعة للحرس الثوري يوم 28 إبريل / نيسان لسفينة «ميرسك لاين» الأمريكية في مضيق هرمز والصعود على متنها في وقت لاحق، يعيد موقع «ستراتفور» نشر تقريره المفصل الذي سبق نشره في أكتوبر/تشرين الأول 2012 عن قوات النخبة في إيران.

وعلى الرغم من أن التفاصيل لا تزال تظهر تباعا، إلا إن الشائع هو دخول سفينة «ميرسك تايجرز» إلى المياه الإيرانية، والصعود على متنها ثم توجيهها إلى ميناء بندر عباس تحت الحراسة. وكانت سفينة «ميرسك تايجرز» تبحر تحت علم جزر مارشال، وتديرها شركة «ريكميرز» الألمانية لتشغيل السفن، وهي ذراع من شركة «ريكميرز هامبورج» الأم التي تتخذ من سنغافورة مقرا لها. وتقوم شركة «أوكتري كابيتال» التي مقرها الولايات المتحدة بتشييد وبناء السفن في الفلبين وتحتفظ بحقوق الملكية. ويعتقد أن طاقم السفينة يتكون من 34 شخصا يعودون لجنسيات مختلفة.

وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية أن «ميرسك تايجرز» تجاهلت تحذيرات من السفن الإيرانية على التوغل داخل المياه الإقليمية الإيرانية ولكنها امتثلت بعد إطلاق طلقات تحذيرية. تم إرسال المدمرة الأمريكية «فاراجوت» في مسار الاعتراض في الوقت الذي طلب فيه من «ميرسك تايجرز» بالإبحار نحو «بندر عباس». وأفاد مصدر إيراني أن تم الصعود على متن السفينة الأمريكية بعد أن استصدرت منظمة الموانئ والشؤون البحرية في إيران أمرا من المحكمة بمصادرة السفينة. وتشير تقارير غير مؤكدة أنه تم الإفراج عن السفينة لتواصل طريقها، ولكن «ستراتفور» لن تجعل الوضع يغيب عن عينها.

توقيت الحادث لا يزال بعيدا عن المثالية، ويأتي في وقت وصلت فيه المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران بسبب برنامج طهران النووي المثير للجدل إلى مرحلة حرجة قبل الموعد النهائي 1 يوليو / تموز للتوصل إلى اتفاق نهائي. ولا تزال أسباب الاستيلاء على السفينة غير واضحة، ولكن من المعروف جيدا أن عناصر الحرس الثوري الإيراني الدينية المتشددة وغيرها من الفصائل الأخرى غير راضية عن المفاوضات النووية.

يصور الجزء الأول من هذا التقرير الخاص أصول فيلق الحرس الثوري الإسلامي، ويشرح كيف أصبح أقوى مؤسسة داخل إيران، بينما يناقش الجزء الثاني الضغوط الخارجية التي تواجه الحرس الثوري الإيراني، وكيف تؤثر تلك الضغوط على المجموعة، وماذا يعني ضعف الحرس الثوري بالنسبة لإيران.

الحرس الثوري الإسلامي، ويعرف باسم الحرس الثوري الإيراني، هو المؤسسة الأكثر نفوذا في النظام السياسي الإيراني. وإلى حد كبير، يقع الجزء الأكبر من قدرة إيران على فرض نفوذها على الصعيد الدولي والحفاظ على الاستقرار الداخلي على عاتق هذه المؤسسة العسكرية النخبة. وبطبيعة الحال، فإن وظيفة الحرس الثوري إلى حد لا تختلف عن الجيوش النظامية الأخرى، فهي ليست محصنة تماما من الاقتتال السياسي أو التنافس المؤسسي. في حين أن المقدار غير المتناسب للقوة الذي تمارسه سوف يساعد المجموعة على التغلب على أي تحزب للاحتفاظ بتفوقها، وهناك مؤشرات مبكرة على المشاكل داخل صفوفها.

الأصل والنشأة

في ظل وجود العديد من المؤسسات القوية، التي غالبا ما تتنافس فيما بينها، يعيش النظام السياسي الإيراني حالة شديدة التعقيد. ولكن مما لا شك فيه أن المؤسسة الأقوى في هذا النظام هو الحرس الثوري الإيراني، والتي تم إنشاؤها من قبل النخبة الدينية بعد ثورة 1979 لحماية النظام الذي تأسس حديثا. وخلال حقبة الثمانينيات من القرن الماضي قاتل عناصر الحرس الثوري ضد حركات التمرد، وأبرزها ضد مجاهدي خلق، كما تولى دورا قياديا في الحرب بين إيران والعراق. وساعدت هذه الخبرات الحرس الثوري ليصبح نواة للأمن القومي الإيراني ومؤسسة السياسة الخارجية.

ويضم حاليا الحرس الثوري حوالي 125 ألف عنصر، ويستمر في الحصول على شرعيته من النخبة الدينية بقيادة المرشد الأعلى «آية الله علي خامنئي»، والذي يستحوذ على السلطة المطلقة في السياسة الإيرانية. وفي الواقع، يقوم «خامنئي» بتعيين جنرالات الحرس الثوري، ولا دخل للحكومة المدنية في الأمر. وفي حين أن رجال الدين يديرون مؤسسات الدولة الهامة، مثل مجلس صيانة الدستور والسلطة القضائية ومجلس الخبراء، إلا إن الاعتماد يظل قائما على الحرس الثوري بهدف الإبقاء على السيطرة على تلك المؤسسات. وساهم هذا الاعتماد أيضا في زيادة نفوذ الحرس الثوري.

ونتيجة لذلك، اكتسب الحرس الثوري ميزة على غيره من المؤسسات، مثل القوات المسلحة التقليدية، ومختلف المؤسسات الدينية، والسلطة التنفيذية بقيادة الرئيس الإيراني (آنذاك) «محمود أحمدي نجاد»، وجهاز المخابرات المدنية الرئيسية، وزارة الاستخبارات والأمن الوطني. وفي العقود الأخيرة توسع الحرس الثوري أيضا لكسب النفوذ، وفي بعض الحالات سيطر على عملية إنفاذ القانون المحلي، وعمليات الاستخبارات الأجنبية، والقيادة العسكرية الاستراتيجية والاقتصاد الوطني.

في الواقع، فقد عمل قادة الحرس على تطوير محفظة اقتصادية قوية. ويتقاعد العديد من قادة الحرس الثوري في سن مبكر نسبيا، عادة سن الخمسين، وينضمون إلى النخبة السياسية والاقتصادية في إيران. ويهيمن قادة الحرس الثوري السابقين الآن على الصناعات الثقيلة، بما في ذلك صناعة البناء والتشييد، إضافة إلى كون المدنيين العاملين في هذه الصناعات تابعين لعناصر الحرس الثوري.

كما يجني الحرس مجموعة من الإيرادات من خلال قنوات غير مشروعة. تولي المجموعة لأمن الحدود يمكنها من القيام بعمليات تهريب واسعة النطاق. وفي هذه العمليات، تنقل قوات الحرس الثوري السلع الكمالية والمخدرات غير المشروعة (الهيروين الأفغاني خصوصا)، وتقوم بتحصيل رسوم الموانئ وتلقي رشاوى. وتعزز عائدات هذه الأنشطة من زيادة الأموال المخصصة لقوات الحرس الثوري الإيراني من قبل الحكومة المدنية.

مثل الجيوش التقليدية الأخرى، الحرس الثوري عرضة للتنافس الداخلي على الميزانيات والاتصالات وموارد الدخل. ومع ذلك، يمنعهم الانضباط المهني من الخضوع لاقتتال داخلي مباشر. وعلاوة على ذلك، فقد اتخذ «خامنئي» خطوات لتجنب التحزب والتشرذم، بما في ذلك القيام بعملية تغيير مستمرة للقيادة العليا في مختلف فروع الحرس الثوري (ما عدا في الحالات التي يتطلب فيها فرع معين معرفة مؤسسية متخصصة). ومع ذلك، فقد كان منصب القائد العام في غالب الأحيان ثابت. فإنه في الواقع، تولى ثلاثة أشخاص فقط هذا المنصب منذ أن أصبح الحرس الثوري حامي النظام: اللواء «محسن رضائي» (1981-1997)، والميجور الجنرال «يحيى رحيم صفوي» (1997-2007)، واللواء «محمد علي جعفري» (2007 إلى الوقت الحاضر).

كيان سياسي حتمي

وبالنظر إلى المجموعة ككيان سياسي، فقد أصبح الحرس الثوري الإيراني أكثر مما أراده مؤسسوه الأوائل. ويحظر الدستور الإيراني على الحرس الثوري الإيراني المشاركة في الحياة السياسية. والأهم من ذلك، أن تنأى المجموعة بنفسها عن النشاط السياسي، حتى لا يتم تفسير ذلك على أنها تقوم بأنشطة تثير الفتنة. ولكن نظرا إلى وجود المجموعة في الشؤون السياسية والاقتصادية والأمنية، فإن تطورها ككيان سياسي لا مفر منه.

وبطبيعة الحال، فإن قادة الحرس الثوري الإيراني وضباطه تختلف ميولهم السياسية. بعض أعضاء الحرس الثوري يدعمون علنا أو يتعاطفون مع القضايا السياسية المختلفة. وهناك آخرون يفضلون إخفاء ميولهم. ولكن بدرجات متفاوتة، هناك تفضيلات بعيدا عن الزي الرسمي.

ومن الناحية النظرية، فإن القادة والضباط يعلنون ولائهم لـ«خامنئي» والمؤسسة الدينية على نطاق أوسع. ولكن في الواقع، لا يدين الحرس الثوري الإيراني بالفضل إلى أي كيان أو فصيل. ويعتبر الحرس الثوري نفسه الوريث الشرعي للثورة والمنقذ للجمهورية، ولذا فهو الأقدر على حكم البلاد. قد يكون هذا الاعتقاد له ما يبرره. فباعتبارها المؤسسة الأكثر تنظيما وفعالية في الدولة، فقد عمل الحرس الثوري على توفير مديرين ذوي خبرة للقطاع المدني. وهناك بعض الأمثلة البارزة:

القائد العام السابق «رضائي» يعمل الآن أمين مجلس تشخيص مصلحة النظام.

قائد القوات الجوية للحرس الثوري الإيراني سابقا «محمد باقر قاليباف» يشغل منصب رئيس بلدية طهران الحالي.

العميد الجنرال «مصطفى محمد نجار»، وزير الداخلية الحالي، من خلاله اكتسب الحرس الثوري نفوذا أكبر على شؤون الأمن الداخلي.

الجنرال «أحمد وحيدي» وزير الدفاع الحالي، يفيد موقفه الحرس الثوري الإيراني على الرغم من أن الفيلق والجيش تحت إشراف وقيادة الأركان المشتركة بقيادة الميجور جنرال في الحرس الثوري الإيراني اللواء «حسن فيروز آبادي».

الجنرال «رستم قاسمي» وزير النفط الحالي تولى في السابق مسؤولية الذراع الهندسي والإنشائي في الحرس الثوري، وينظر إلى «قاسمي» على أنه المهيمن على قطاع النفط والغاز الطبيعي.

على الرغم من أن هؤلاء القادة والضباط السابقين ينتمون إلى المجتمع الواسع للحرس الثوري الإيراني، إلا إنهم يشكلون فصائل خاصة بهم عند التقاعد. وبصفتها مؤسسة، فإن الحرس الثوري الإيراني يربطه في الغالب موقف موحد حول القضايا السياسية. ولكن الأفراد الذين ينتمون إلى مؤسسات مختلفة بعد التقاعد ربما يسلكون درب المعارضة إلى حد ما. وتشبه تلك العملية ما يحدث في إسرائيل، حيث إن أعضاء سابقين في قوات الدفاع الإسرائيلية في كثير من الأحيان يظهرون وكأنهم الزعماء السياسيين الرئيسيين.

ونتيجة لذلك، فإن أية إشارة إلى موقف للحرس الثوري على مسألة معينة تمثل الأغلبية، وليس الإجماع، داخل المجموعة. وأية إشارة إلى المصالح المؤسسية للحرس الثوري تشير إلى أن غالبية القادة والضباط تتفق مع نفس القيم. الخلافات في الرأي موجودة بالتأكيد، ولكن حتى الآن لم تخرج هذه الاختلافات بشأن الانقسامات الأساسية داخل المؤسسة العسكرية النخبة إلى النور. وفي الوقت الذي يمكن يواجه تماسكها تحديات في المستقبل، يبدو أن الحرس الثوري متماسك على نحو فريد على الأقل حتى الآن.