السبت 23 مارس 2019 01:03 ص

قبل أشهر قليلة، كتب الأردني وسيم الساطي - الذي كان ضمن الجرحى في الهجوم الإرهابي في نيوزيلندا - على صفحته في الفيسبوك قائلا إن أحد الأسباب التي دفعته للعيش بنيوزيلندا هو أن الناس يعاملونه كإنسان. لم يتوقع وسيم بأن إرهابيا بغيضا كان يخطط لجريمته التي هزت الوجدان.

لا يكفي أن ترتدي رئيسة وزراء نيوزيلندا الحجاب تضامنا مع المسلمين، فهذا لن يحل المشكلة، ولا يمكن فهم المذبحة الأخيرة إلا في سياق خطاب الكراهية والعنصرية البغيضة التي يتغاضى عنها العالم "الحر" عندما يكون الإسلام والمسلمين مادة لهذا الخطاب.

في هذا السياق، لا أتفق مع مقولة إن العنف يوّلد العنف لأن نيوزيلندا أو حتى أستراليا التي جاء منها الإرهابي هما دولتان لم يستهدفهما الراديكاليون الإسلاميون من قبل.

ويتضح من الطريقة التي نفذت بها العملية إنها تهدف إلى إثارة الخوف والفزع عند كل مسلم يعيش في الغربة، فهناك مشاعر إسلاموفوبيا عند الإرهابي وعند من يقف خلفه. فالقاتل لم يأت هكذا ومن دون مقدمات ولكن جاء بعد جرعة كبيرة من التحريض ضد المسلمين.

هناك بعد آخر للمذبحة لا بد من التوقف عنده، فهناك محاولات حثيثة تجري من قبل بعض القادة العرب لشيطنة الإسلاميين وبالتالي المسلمين، فهؤلاء القادة ما انفكوا اللعب على مخاوف الغرب من الإسلاميين ليبرروا استبدادهم على اعتبار أن البديل لهم لن يكون مسارا ديمقراطيا وإنما حكما ثيوقراطيا وإسلاميا سيجد الغرب مصاعب في التعامل معه.

لا أعرف الحكمة من حث الغرب على سبيل المثال على مراقبة المساجد، فعندما أطلق عبدالفتاح السيسي هذا التحذير في مؤتمر ميونيخ فهو بذلك يعطي المتطرفين الذين يستهدفون المسلمين ذخيرة إضافية وتبريرا إضافيا لاستهدفهم.

كان الأولى أن يكون خطاب السيسي موجها للغرب بطريقة مختلفة ويدعوهم للتعامل مع المسلمين الذين يعيشون في الغرب بوصفهم مواطنين كاملي الدسم!

لكن الخوف من الإسلامي السياسي دفع ذلك الزعيم إلى التحريض ضد المسلمين بشكل لافت في وقت كنا نعتقد فيه بأن صراع هؤلاء هو فقط مع إسلاميي الداخل وليس مع المسلمين أينما حلوا وارتحلوا! وفي هذا السياق أيضا علينا أن نتذكر كيف بارك محمد بن سلمان قمع الصين لمسلمي الايغور!

وعودة على بدء، أقول إن موقف الحكومات العربية والمسلمة ينبغي أن يتجاوز التنديد والشجب، وهنا أطالب برفع الكلفة على نيوزيلندا وهذا أمر ممكن، فالمتطرفون بالغرب يستهدفون المسلمين ويفلتون من العقوبة، لهذا ينبغي أن يدفع هذا الإرهابي ومن يقف خلفه الثمن لقتل هذا العدد الكبير من المصلين في مسجد النور.

فالعرب والمسلمون ليسوا من دون أسنان وليسوا من دون أوراق، وأي عمل جماعي لمطالبة حكومة نيوزيلندا بمعاقبة المعتدي وتعويض اسر الضحايا يمكن أن يفضي إلى نتيجة.

لا يمكن الأخذ على محمل الجد مقولة أن العمل الإرهابي كان فرديا، فمنفذو أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانوا أفرادا غير أن الكونغرس الأمريكي لم يقبل بهذا التبرير وقام بسن قانون جاستا ليكون سيفا مسلطا على رقاب الدول التي جاء منها منفذو العملية.

هناك الملايين من العرب والمسلمين الذين يعيشون منذ عقود في كل بلاد العالم وهناك مسؤولية أخلاقية تقع على كاهل الأنظمة العربية والمسلمة لحمايتهم. إسرائيل ليست بقوة العرب والمسلمين لكنها تحمي اليهود أينما كانوا!

ربما حان الوقت للعرب والمسلمين ليكون لهم الموقف المنشود، فتحت يافطة حرية التعبير تم شيطنة رموز الإسلام، ولعلنا الكثير منا يتذكر تلك الرسوم الكاريكاتورية المسيئة وكيف دافع عنها الغرب بحجة حرية التعبير، والمفارقة أن حرية التعبير تنتهي إن كتب أحدنا مشككا بالهولوكوست.

فهناك قوانين في فرنسا مثلا لسجن من ينكر الهولوكوست كما حدث مع المؤرخ البريطاني الشهير ديفيد ايفرينغ. لذلك ينبغي مطالبة الغرب بسن تشريعات تجرم خطاب الكراهية المنتشر عندهم. أعرف أن دعوتي هذه لن تجد أذانا صاغية عند حفنة من القادة يسترضون أمريكا وإسرائيل حتى يحافظوا على السلطة في بلادهم.

* د. حسن البراري أستاذ العلوم السياسية بالجامعة الأردنية

المصدر | الشرق القطرية