الأربعاء 10 يوليو 2019 11:11 م

زار أمير قطر، الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني"، البيت الأبيض في 9 يوليو/تموز، في لحظة حرجة للأمن والاستقرار في الخليج العربي والمنطقة ككل. وأوضحت التطورات الأخيرة في أفغانستان، وفي مواجهة إيران، الفرص التي توفرها الشراكة الأمريكية القطرية للرئيس "دونالد ترامب"، في حين يركز على حملته لإعادة انتخابه عام 2020، ويبحث عن نتائج في السياسة الخارجية يمكنه الإعلان عنها باعتبارها نجاحات خاصة يتفوق بها على سلفه.

وتتخذ زيارة "تميم" بعدا جيوسياسيا لا مفر منه؛ نظرا لأنها تأتي بعد أكثر من عامين على الحصار المفروض على قطر من قبل  السعودية والإمارات والبحرين ومصر، منذ يونيو/حزيران 2017. ولم يخف المسؤولون الأمريكيون، بمن فيهم "ترامب"، رغبتهم في إنهاء أي خطوة يرون أنها تتعارض مع مصالح الولايات المتحدة وشبكة الشراكات الإقليمية الخاصة بها.

محادثات أفغانستان

وتأتي زيارة الشيخ "تميم" لواشنطن في الوقت الذي تسارعت فيه وتيرة محادثات السلام الأفغانية التي تستضيفها قطر ، وأحدثت آمالا حقيقية في تحقيق انفراجة في محاولات إنهاء إحدى "الحروب الأبدية" التي ورثها "ترامب" عندما تولى منصبه في يناير/كانون الثاني 2017.

ومنذ ما يقرب من عقد من الزمان، سمحت الحكومة القطرية لـ "طالبان" بتشغيل مكتب سياسي في الدوحة بناءً على طلب من المسؤولين الأمريكيين الذين أدركوا فائدة وجود عنوان يمكن لمفاوضي السلام الاتصال به للوصول إلى "طالبان". وكان المقصود من افتتاح المكتب هو منع تكرار الإخفاق الذي وقع عام 2010 عندما قام المسؤولون بحلف شمال الأطلسي "الناتو" والمسؤولون الأفغان بتحويل مئات الآلاف من الدولارات إلى صاحب متجر أفغاني زعم، كذبا، أنه أحد كبار قادة طالبان.

وبعد سلسلة من البدايات المترددة وعقد اجتماعات متقطعة عقب الافتتاح الرسمي لمكتب طالبان في الدوحة عام 2013، تصاعد مستوى النشاط الدبلوماسي في يوليو/تموز 2018، عندما طلبت إدارة "ترامب" من المسؤولين الأمريكيين بدء محادثات مباشرة مع ممثلي طالبان لأول مرة منذ زمن.

وبعد ذلك بوقت قصير، عين وزير الخارجية "مايك بومبيو" الدبلوماسي المخضرم "زلماي خليل زاد"، وهو سفير أمريكي سابق في أفغانستان، في منصب تم إنشاؤه حديثا تحت مسمى "الممثل الخاص الأمريكي للمصالحة في أفغانستان".

ويتناقض تعيين "خليل زاد" مع إنهاء العديد من المناصب الحالية للمبعوثين الخاصين لوزارة الخارجية، وأشار ذلك إلى نية إدارة "ترامب" تكثيف مشاركتها في عملية السلام الأفغانية. وبدأت المحادثات بين مفاوضي الولايات المتحدة وطالبان في أكتوبر/تشرين الأول 2018، وازدادت بشكل تدريجي، وبحلول الجولة السادسة للحوار في مايو/أيار 2019، تحول التركيز على وقف دائم لإطلاق النار، وسحب القوات، وتسوية سياسية في نهاية المطاف مع الحكومة الأفغانية.

وفي ظل هذه الخلفية من التقدم التدريجي والتفاؤل الحذر، وصل أمير قطر إلى واشنطن، بعد يومين من إعلان "خليل زاد" أن الجولة السابعة من محادثات الولايات المتحدة وحركة طالبان، التي عقدت في الدوحة في نهاية الأسبوع، كانت "الأكثر إنتاجية" حتى الآن.

ومن المتوقع أن يبدأ المزيد من الحوار خلال جولة المحادثات التي تنظمها الحكومتان الألمانية والقطرية، والتي تهدف إلى تمهيد الطريق لمفاوضات سلام مباشرة بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان. وإذا استمر النشاط الدبلوماسي في الدوحة في تحقيق نتائج، فقد يضع ذلك "ترامب" على مسافة قريبة من تحقيق انفراجة لم تحققها إدارتا "بوش" و"أوباما"، ما قد يعد أبرز نجاح للسياسة الخارجية لـ"ترامب" حتى الآن.

التوترات مع إيران

وإذا كانت أفغانستان فرصة لتحقيق إنجاز نادر، فإن القضية الإقليمية الملحة الأخرى هي التوتر المتصاعد مع إيران، حيث قيل إن "ترامب" كان على وشك شن غارات جوية يوم 20 يونيو/حزيران الماضي ضد إيران. وأحيت الهجمات على ناقلات النفط قبالة ميناء "الفجيرة" الإماراتي في مايو/أيار، وفي خليج عمان في يونيو/حزيران، ذكريات تهديد الشحن التجاري خلال الحرب العراقية الإيرانية. ويشكل ذلك تصعيدا خطيرا للتوتر، في الوقت الذي تحاول فيه إيران الرد على حملة "أقصى ضغط" من قبل إدارة "ترامب".

ولن يخدم النزاع مع إيران مصالح الشركاء الأمريكيين في الخليج، الذين سيجدون أنفسهم في قلب النار، كما لن يخدم مصالح الرئيس "ترامب" في إطار استعداده لحملة إعادة انتخابه. وقد عرض المسؤولون القطريون العمل كوسطاء بين الولايات المتحدة وإيران، وإلى جانب نظرائهم في سلطنة عمان والكويت، قد يلعبوا دورا في تسهيل الحوار مع إيران، الذي دعا إليه "ترامب" عدة مرات، في محاولة واضحة أخرى لتجاوز ما حققه سلفه.

ومع تزايد التوترات مع إيران، زاد الاستياء الأمريكي من استمرار الحصار الإقليمي المفروض على قطر منذ يونيو/حزيران 2017. وعلى الرغم من أن "ترامب" بدا في البداية مؤيدا للخطوة التي تقودها الإمارات والسعودية، مما أثار سخط وزارتي الخارجية والدفاع والقادة العسكريين الأمريكيين.

وقد دعا "ترامب" منذ سبتمبر/أيلول 2017 إلى حل النزاع من خلال الحوار. وكما صرح مستشار الأمن القومي "جون بولتون" في صيف عام 2018: "يتنافس شركاؤنا الإقليميون بشكل متزايد، وفي حالة الأزمة القطرية، فهم يدخلون في منافسة مباشرة على حساب المصالح الأمريكية". وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية آنذاك، "هيذر نويرت"، إن "وحدة الخليج ضرورية لمصالحنا المشتركة في مواجهة التأثير الإيراني الخبيث ومكافحة الإرهاب".

وفي وقت مبكر من الحصار، أوضح المسؤولون الأمريكيون أنهم لن يتسامحوا مع أي امتداد للتوتر إلى المصالح الأمنية والدفاعية الأساسية في الخليج. ويجتمع رؤساء الأركان الخليجيون بانتظام مع المسؤولين الأمريكيين في الغرف المغلقة، وقد سعى البيت الأبيض إلى دفع تحالف استراتيجي في الشرق الأوسط، يضم دول الخليج الست بالإضافة إلى مصر والأردن.

ومع ذلك، تلقت هذه الخطط ضربة عندما انسحبت مصر في أبريل/نيسان. وحتى لو كان "التحالف الجديد" قد خرج للنور، كان ليصبح في أفضل الأحوال بديلا ضعيفا لمجلس التعاون الخليجي، الذي كان يعمل بكامل طاقته قبل أن يتم إضعافه وكسره بسبب الحصار المفروض من قبل ثلاثة من أعضائه ضد عضو رابع.

وفي الوقت الذي يتعذر فيه على ولي العهد السعودي "محمد بن سلمان" القدوم إلى واشنطن، تأتي زيارة الشيخ "تميم" إلى البيت الأبيض، والاجتماعات مع أعضاء الكونغرس، في الوقت المناسب بالنسبة للدوحة. وقد توفر فرصة التقدم السياسي في أفغانستان، وإمكانية الوساطة الدبلوماسية مع إيران، نتائج ملموسة لـ "ترامب" تتناقض بشكل إيجابي مع الطبيعة الوهمية لتواصله مع كوريا الشمالية التي أثارت الكثير من الانتقادات.

وفي الوقت الذي تتعرض فيه العلاقات الأمريكية مع السعودية، وبدرجة أقل، مع الإمارات، لمزيد من التدقيق أكثر من أي وقت مضى، قد تركز زيارة أمير قطر على العديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، التي لا تزال تخدم المصالح الأمريكية في الخليج وعبر المنطقة ككل.

المصدر | كريستيان كوتس أولريخسن - لوب لوغ