الخميس 18 يوليو 2019 05:11 م

ماذا ربحت تركيا من إصرارها على المضي قدما في شراء منظومة الدفاع الجوي الروسية (إس- 400) رغم رفض الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو)؟ وماذا خسرت؟ تصدر هذا السؤال تحليلات الشأن التركي خلال الساعات الماضية، وتحديدا بعد أن طلب البنتاغون من الطيارين الأتراك مغادرة قواعد التدريب العسكرية الأمريكية بحلول 31 يوليو/تموز، وحدد مارس/آذار المقبل موعدا لنهاية مشاركة أنقرة في برنامج تصنيع طائرات إف- 35 المقاتلة.

وترواحت الإجابة بين تقدير لخسارة تصل قيمتها إلى 9 مليارات دولار، يتحملها الاقتصاد التركي، الذي يعاني أصلا من تحديات تذبذب مؤشراته، وبين تقدير مكسب عسكري - سياسي يتمثل في تعزيز القدرة الدفاعية التركية وهامش استقلالها، في ظل مؤشرات إقليمية على تفضيل أمريكي للانسحاب من الفعل المباشر بالمنطقة، وهو ما كشفه التوجه نحو قرار سحب قوات الولايات المتحدة من أفغانستان وسوريا.

تقدير الخسارة ركز عليه بيان البنتاغون، مساء الأربعاء، وهو ما أقر به ضمنا رئيس الصناعات الدفاعية بالرئاسة التركية "إسماعيل دمير"، في مؤتمر صحفي عقده، الخميس، في العاصمة أنقرة، لكنه أكد أن صناعة الدفاع التركية "ستخرج أقوى نتيجة تلك الخسائر" بما يعني اختيار تركيا لـ "خسارة تكتيكية" لصالح تحقيق "مكاسب استراتيجية".

وبدا توضيح هكذا مفاضلة ماثلا في تصريح "دمير" خلال المؤتمر بأن أنقرة "لن تشتري معدات دفاع أجنبية من الآن فصاعدا ما لم تكن ضرورية للغاية"، مشيرا إلى أن مشروع تطوير المقاتلة محلية الصنع في تركيا مستمر بوتيرة عالية، و"سيزداد زخمه في الفترة المقبلة".

ومن شأن ذلك تحقيق غايات الدفاع التركية بشكل مستقل، والتي أصبحت أكثر إلحاحاً في ظل ملف الخلاف مع اليونان على حقوق التنقيب عن الغاز والنفط شرق البحر المتوسط، إضافة إلى التحديات الأمنية على الحدود مع سوريا، وتصاعد مستويات تكتل إقليمية تقوده السعودية والإمارات ضد مصالح أنقرة الإقليمية.

لكن هل يغني مثل هذا المكسب أنقرة عن خسائرها وتصدع علاقتها بالولايات المتحدة؟ تبدو الإجابة كامنة في مستوى كفاءة الاستعداد التركي لتجاوز الأعباء الاقتصادية من جانب، والمدى الذي سيصل إليه تأثر العلاقات مع الولايات المتحدة من جانب آخر.

الطرد من الناتو  

وخروج تركيا من حلف الناتو بالكلية أو تحول علاقتها بالولايات المتحدة إلى الخصومة يعني خسارة استراتيجية أكبر من مكسب تعزيز الاستقلال الدفاعي، خاصة في ظل تصاعد أصوات غربية مؤيدة لإعلان طرد أنقرة.

وعبر الكاتب "جيرالد هايمان" في عدد النصف الأول من شهر يونيو/حزيران الماضي لمجلة "ذي ناشيونال انتريست" الأمريكية، عن هذه الأصوات بتشديده على أن الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" يقدم للولايات المتحدة وحلفائها في الناتو أسباباً منتظمة وثابتة لإنهاء تحالفهم؛ والدفع نحو تعريف تركيا كخصم.

وعدد "هايمان" أسباباً متنوعة، قال إنها تبرر لواشنطن وحلفائها بالناتو الاتجاه نحو طرد تركيا، ومنها تقارب "أردوغان" مع روسيا وإيران، وتهديداته لوحدات حماية الشعب الكردي، التي تدعمها الولايات المتحدة في سوريا، فضلاً عن إصراره على تسلم منظومة إس -400 الروسية، وجميعها مؤشرات على تناقضات بالمصالح الاستراتيجية لا يمكن تجاوزها.

وفي الاتجاه ذاته، قال "جيم تاونسند"، الباحث في مركز الأمن الأمريكي الجديد، نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي السابق لشؤون أوروبا وحلف الناتو، في 13 يوليو/تموز الجاري، إنه "غالباً ما توجد خلافات سياسية داخل حلف الناتو، لكن الخلاف حول (إس- 400) يدخل في مستوى مختلف، حيث إنها تضعف فعلياً القدرة العسكرية للتحالف"، وفقا لما أورده موقع "ديفينس نيوز".

نجاح الرهان التركي

لكن مؤشرات التعاطي الرسمي من الجانبين، التركي والأمريكي، لم تسر في هذا الاتجاه، رغم اعتراف "أردوغان" بأن شخصيات نافذة بالإدارة الأمريكية تدعمه.

ويعود ذلك إلى تعويل أنقرة على تركيبة صناعة القرار بالولايات المتحدة، وتأثير مؤسسات الدولة العميقة بها، ورهانها على أن تعمل المؤسسات السيادية الأمريكية على تجنب فرض عقوبات بموجب تطبيق قانون (كاتسا) الذي أقرّه الكونغرس لمعاقبة من يتعاونون مع خصوم الولايات المتحدة، والذي يحمل في طياته الكثير من التفاصيل غير المحسومة والقابلة للتأويل.

وجاء الموقف الأمريكي الرسمي معبرا عن نجاح هذا الرهان، من خلال التطمينات التي قدمها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" لـ "أردوغان"، على هامش قمة مجموعة العشرين الأخيرة في اليابان، بأنه "لن يفرض عقوبات على تركيا بسبب صفقة إس- 400".

وحتى إدارة الناتو، متمثلة بأمينه العام "ينس ستولتنبرغ"، عبرت عن استيائها من الصفقة التركية - الروسية لكنها لم تلوّح بعقوبات تمس مستقبل التعاون مع أنقرة، لا سيما أن دولاً أخرى أقل أهمية في الحلف، مثل سلوفاكيا وبلغاريا واليونان، حاصلة فعلاً على منظومة الدفاع الروسية (إس- 300) منذ سنوات.

بل إن "ستولتنبرغ" أكد على أن تعاون الناتو  مع تركيا "أعمق وأشمل من مقاتلات إف-35 الأمريكية، وشراء تركيا لمنظمة إس-400".

وأمام نجاح الرهان، لم يعد أمام تركيا سوى التحدي الاقتصادي لدفع فاتورة خسائر الخروج من برنامج تصنيع طائرات إف- 35 المقاتلة، وهو ما ستكشف عنه الشهور المقبلة.

المصدر | الخليج الجديد