السبت 21 سبتمبر 2019 08:54 م

في ظل نظام يقوده عسكريون، يكون الفساد الرسمي، بمثابة سر معلن، وتبدو ادعاءات الكسب غير المشروع طبيعية، بل حتى يكون متوقعا، سرقة ملايين الدولارات من دافعي الضرائب لبناء فندق فاخر وقصر يطل على شاطئ البحر من بين المشاريع الأخرى.

لكن قلة من المصريين توقعوا أن يروا الرئيس "عبدالفتاح السيسي" وزوجته وكبار جنرالات الجيش، كمتهمين مزعومين وراء عمليات الفساد تلك.

أدت سلسلة من مقاطع الفيديو الجريئة، نشرها مقاول عمل في وقت سابق مع الحكومة، عبر صفحته على "فيسبوك"، إلى فتح العالم السري للجيش المصري على مصراعيه، كما لفتت انتباه المصريين والعالم العربي.

ومساء الجمعة، أثارت مزاعم الفساد تلك، التي نفي "السيسي" ارتكابها بشدة، احتجاجات صغيرة ولكنها نادرة في القاهرة وغيرها من المدن المصرية التي استمرت حتى ساعات الصباح الباكر من السبت.

واستخدمت قوات الأمن المصرية الغاز المسيل للدموع لتفريق المتظاهرين، وقالت اللجنة المصرية للحقوق والحريات (جماعة محلية لحقوق الإنسان) إنه تم اعتقال 45 شخصا على الأقل في جميع أنحاء البلاد.

وهتف بعض المحتجين" ثور ما تخفشي، السيسي لازم يمشي".

وتضمنت مقاطع الفيديو التي بثها المقاول والممثل المصري "محمد علي"، معلومات مفصلة وواضحة على عمليات كسب غير المشروع مزعومة، شملت بناء فندق 7 نجوم في منطقة غير سياحية، لصالح جنرال عسكري وصديق مقرب من "السيسي"، وكذلك بناء قصر رئاسي، دون الحاجة لذلك، في منتجع شمالي مصر.

وسخر "علي" البالغ من العمر 45 عاما من الحياة الفارهة التي يعيشها "السيسي" وجنرالاته، بينما يتفاقم الفقر في أكثر دول العالم العربي اكتظاظا بالسكان.

المبلغون عن المخالفات، يعدون حالات نادرة جدا في البلد الذي يتم فيه تغييب المنتقدين في السجون، ويتعرضون للتعذيب، لذلك شاهد الملايين مقاطع الفيديو التي تم تداولها على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي.

وأصبحت الاتهامات التي طالت "السيسي" وحاشيته هي المواضيع الرئيسية في محادثات المواطنين في حفلات العشاء، والمقاهي والنوادي الاجتماعية في جميع أنحاء البلاد.

وقال "علي" في مقطع فيديو، بثه عبر حسابه على "فيسبوك" بعد فراره من القاهرة إلى إسبانيا: "بعد كل هذا، تقول (يقصد السيسي) أننا فقراء للغاية، ويجب أن نتضور جوعا، هل تجوع أنت أيضا؟ أنت تضيع المليارات رجالك يضيعون الملايين".

وهزت مقاطع الفيديو حكومة "السيسي"، في أمر نادر الحدوث، منذ قياد الزعيم الاستبدادي بتدبير انقلاب 2013، عندما كان أعلي قائد عسكري في مصر، لإسقاط الحكومة المنتخبة.

وأعطت حقيقة أن "علي" كان ذات يوم داخل منظومة النظام، لمقاطع الفيديو مزيدا من المصداقية، على النقيض من أي انتقادات للنظام منذ تولي "السيسي" السلطة.

وقال "ايه. اتش. هيلير" وهو زميل مشارك في الملكي الموحد للدراسات الدفاعية والأمنية": "إن وجود الفساد شيء يعتبره الكثير من المصريين أمر مفروغ منه. لكن هناك فرق عندما تظهر مقاطع الفيديو علنية وصريحة، بلا قيود مانعة، وخاصة من شخص ما، كان بوضوح لا يعارض السلطات من الأساس".

وفى نهاية الأسبوع الماضي، في منتدى الشباب، اتخذ "السيسي" خطوة غير اعتيادية، تمثلت في نفيه بصورة علنية للمرة الأولي مزاعم "علي" بينما كان يدافع بقوة عن الجيش، معلنا أنه لا يتسامح مع الفساد.

بدوره، سارع النظام أيضا للوقوف بقوة خلف الرئيس عن طريق استخدام وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة، ومؤيديه لصرف أي ضرر قد يلحق بصورة "السيسي".

وقال "السيسي": "ما ذكر في مقاطع الفيديو.. كذب وافتراء.. أقول لكل أم وكل رجل يثق بي.. ابنكم إن شاء الله شريف وأمين ومخلص".

وتأتي اتهامات الفساد في الوقت الذي يواجه فيه "السيسي" الذي دعاه الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" بـ"ديكتاتوره المفضل"، انتقادات لإنفاقه المليارات من الأموال العامة للمشاريع البنية التحتية الكبيرة مثل العاصمة الإدارية الجديدة وتوسيع قناة السويس.

ويقول النقاد إن تلك الأموال يمكن استخدامها لتخفيف حدة مستويات الفقر والبطالة المرتفعة في البلاد في وقت يشعر فيه الكثير من المصريين بمعاناة اقتصادية بسبب تدابير التقشف التي فرضها صندوق النقد الدولي.

وحولت مقاطع الفيديو المقاول المصري "محمد علي" إلى واحد من أكثر الشخيصات العامة شهرة في مصر في الوقت الحالي.

فقد حظي أول فيديو بثه "علي" في 2 سبتمبر/أيلول أكثر من 1.7 ملايين مشاهد، فيما ينتظر المصريون بفارع الصبر المزيد من تلك المقاطع التي يبثها بشكل يومي تقريبا.

وظهر "محمد علي" في الرسوم الكارتونية والميمات، وهو يصارع "السيسي"، وتصدر وسم " كفاية ياسيسي" قائمة الأكثر تداولا بعد ساعات من دعوته أن يتم استخدامه لدعوة "السيسي" للتنحي، كما دعا المحتجين إلى تنظيم احتجاج في الشوارع يوم الجمعة.

وقال "عمرو مجدي" الباحث في قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة "هيومن رايتش ووتش": "مقاطع الفيديو الخاصة بمحمد علي واتهاماته، وجهت ضربة موجعة لسمعة السيسي في الشارع".

وأضاف: "لقد وصلت إلى أجزاء من المجتمع ليست نشطة سياسيا، ولا تهتم كثيرا بالسياسة، وهذا ما أرعب النظام وأرعب السيسي على حد سواء".

وتابع: "ما فعله محمد علي هو في الواقع شي لم تتمكن جميع الجهات السياسية الفاعلة القيام به".

مساء الخميس وحتى الجمعة، نشر النظام مركبات مدرعة وشاحنات مدججة بالعناصر الأمنية، ومعدات لمكافحة الشغب بالقرب من ميدان التحرير في وسط القاهرة، أخذا دعوات محمد علي للتظاهر على محمل الجد.

في عام 2011 كان موقع "فيسبوك"، وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي قوة دافعة لحشد مئات الالاف من المصريين، للنزول إلى ميدان التحرير، بؤرة ثورات الربيع العربي التي أطاحت بالرئيس المخلوع "حسني مبارك".

ومنذ اللحظة التي تولي فيها "السيسي" مهام منصبه كرئيس للبلاد في عام 2014، أي بعد عام من الإطاحة بالرئيس الإسلامي "محمد مرسي"، أول رئيس منتخب بشكل ديمقراطي، بذل نظامه جهودا كبيرة لمنع أي انتفاضات شعبية.

وتم سجن عشرات الالاف من المعارضين السياسيين والنقاد، وتم حظر مئات المواقع على الإنترنت التي اعتبرت معارضة للنظام، وتقريبا جميع وسائل الإعلام المستقلة، وتم إسكات أي شكل من أشكال المعارضة، حتى لو كان في أخف صورها، يتم إسكاتها بسرعة فيما يصفه النقاد بأنه أكثر الأنظمة الاستبدادية في تاريخ مصر الحديث.

وفي عهد "السيسي" اكتسب الجيش المزيد من القوة والسيطرة على اقتصاد البلاد، يمتلك الجيش محطات وقود وفنادق ومزارع ومدارس خاصة، ويبيع حتى المكرونة وحليب الأطفال.

ووفقا لجماعات مكافحة الفساد فإن ميزانية الجيش سرية، وهناك انعدام رقابة مدني على أعمال الجيش.

وقال "مجدي": "إن مزاعم علي بتبديد الجيش لأموال دافعي الضرائب "لم يسبق لها مثيل".

وقال "علي" إنه عمل في مشاريع للجيش والحكومة على مدار 16 عاما، وفي مقاطع فيديو ادعي "علي" أن الجيش عرض عقودا على من يفضلهم دون عملية تقديم العطاءات، وفي بعض الحالات قال "علي" كانت تصدر أوامر ببدء العمل في مشاريع حتى دون وجود مخططات للبناء.

وأضاف أن "السيسي" وافق على بناء فندق فاخر في منطقة التجمع الخامس، البعيدة عن أي مكان جذب سياحي، لأن الجنرال العسكري الذي كان صديقا حميما له يعيش تلك المنطقة ويريد إدارة الفندق. وكانت التكلفة حوالي 122 مليون دولار في دولة يعيش ثلث سكانها البالغ عددهم 100 مليون نسمة في فقر مدقع.

وقال "علي" مازحا في أحد فيديوهاته "يبدو أنه اتصل بالسيسي بعد أن أصبح رئيسا وقال أريد أريد تحقيق الربح".

وأضاف "علي" ولهذا قال "السيسي" له إنه سيحصل على مشروع أمام منزله مباشرة بدلا من مغادرة أن يغادر المنزل للوصول للمشروع".

وأمر "السيسي" أيضا ببناء قصر رئاسي جديد بقيمة 15 مليون دولار في منطقة المعمورة في الأسكندرية شمال البلاد، على الرغم من وجود واحد بالفعل.

وأضاف "علي" أن زوجة الرئيس طلبت تنفيذ تجديدات تكلفت 1.5 مليون دولار بعد إنشائها.

ولم يقدم "علي" حتى الآن، أدلة مستندية على مزاعم الفساد، كما نوه إلى أن الحكومة لا تزال مدينة له بالملايين نظير أعمال سابقة، لكن هذا لم يمنع عدد لا يحصي من المصريين من تصديق ادعاءاته والتعبير عن غضبهم.

وقالت "أسماء مصطفي" (30 عاما) وتعمل في شركة وسائط إعلام رقمية: "ما سمعته أزعجني كمصرية تعاني من ضيق العيش، خاصة التفاصيل التي صدمتنا.. من المثير للغضب أن الأوضاع الاقتصادية للناس تتدهور أكثر فأكثر بينما يتم إنفاق كل الأموال على الإنشاءات.

وفي منتدي الشباب الأخير، قال "السيسي" إنه سيواصل استخدام أموال دافعي الضرائب لبناء مشاريع جديدة، بما في ذلك قصور رئاسية، لكنه قال مستنكرا "هو أنا ها كتبه باسمي، دا باسم مصر".

منذ ذلك الحين، سلك المصريون طريقهم بجرأة إلى وسائل الإعلام، وشاركوا صور للمصريين الذين يعانون من ظروف قاسية ويتحدثون ضد الفساد وسوء الإدارة الاقتصادية، وفي إحدى التغريدات، نعت "أحمد البقري" نائب رئيس اتحاد الطلاب المصريين السابق "السيسي" بأنه لص، وقال آخرون إن "علي" ألهمهم للوقوف في وجه النظام.

هذا الرجل (محمد علي) يقود مصر إلى ثورة أخرى وأنا أؤيده وأدعم ورؤيته 100%.

النظام، فيما يسميه النقاد يعاني نوبة من الهيستريا، ويحاول الآن الدفاع عن صورة "السيسي"، ولهذا استعان بممثلين ومغنيين لعمل أغاني قومية تشيد بـ"السيسي"، كما تم انتاج مقاطع فيديو تصف "السيسي" بأنه صادق ومخلص.

وعلي وسائل التواصل الاجتماعي يهاجم حلفاؤه "علي"، ورصد أحد المؤيدين مبلغ 31.000 دولار لـمن يأتي برأس هذا الخائن المجرم (محمد علي) الذي يهين القوات المسلحة والرئيس.

معظم وسائل الإعلام التى تديرها الدولة لم يكن لها أي تغطية للاحتجاجات الجمعة لكنها ظلت تكيل المديح لـ"السيسي" لتحقيقه الاستقرار.

يقول معظم الناشطين إنه من غير المرجح أن تقود مقاطع فالفيديو الخاصة بـ"علي" ثورة أخرى، لكن آخرين يقولون إن نهجه أظهر طريقة مبتكرة للتعبير عن المعارضة دون المجازفة بالتعرض للأذى الشخصي على أيدي قوات الأمن، حيث قدم خريطة طريق للمعارضة المتزايدة لـ"السيسي" التي تم اسكاتها الآن من القمع الوحشي للنظام.

وقال "مجدي": "لم يستطع أحد أن يأخذ هذه المعارضة لبناء شيء في الشوارع أو للتعبئة السياسة.. وهذا ما تغير في الوقت الحالي".

المصدر | الخليج الجديد + واشنطن بوست