السبت 28 سبتمبر 2019 08:37 ص

نحو حل إضراب المعلمين في الأردن

حل مشكلة الإضراب ليس بالتجييش والتجييش المضاد ولا باللعبة الصفرية بل بالتسويات.

المسؤولية الوطنية للجميع تقتضي تنازلات متبادلة. لكن ما يجري حتى الآن لا يدفعنا للتفاؤل.

لا يعقل أن يسود التفكير بضرورة هزيمة النقابة والمعلمين حتى لا يفتح نجاحهم شهية قطاعات أخرى!

لا يوجد طرف يمتلك الحقيقة كاملة: هناك مطالب مشروعة وضيق مالي، وطريقة ما للتوصل إلى نقطة بمنتصف الطريق.

هناك ضرورة لاعتراف الحكومة بسوء أحوال المعلمين والتعليم وتقديم علاوة على دفعات مع تطبيق مسار مهني تشرف عليه النقابة.

*     *     *

كشفت الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع أزمة اضراب المعلمين عن عجز في إحداث أي اختراق من شأنه أن يدفع النقابة إلى تغيير موقفها، وأغلب التصريحات التي تأتي من جهات رسمية تفيد بأن الوضع المالي للحكومة لا يسمح بالتجاوب مع مطالب المعلمين وأن عليهم أن يعودوا للتدريس حتى لا يتضرر الطالب من جراء استمرار الإضراب.

لكن ومن ناحية أخرى، تتجاهل الحكومة حقيقة أن هناك طريقة أفضل للتعامل مع أزمة الإضراب بعيدا عن منطق "المكاسرة" إذ لا يعقل أن يسود التفكير بضرورة هزيمة النقابة والمعلمين حتى لا يفتح نجاحهم شهية قطاعات أخرى قد تتحرك في قادم الأيام مطالبة بتحسين أوضاعها.

الرهان على تشويه صورة القائمين على الإضراب واتهام تنظيم الاخوان المسلمين بأنه يقف خلف هذا الإضراب لم يصنع الفرق، فما يزال الإضراب مستمرا وما يزال المعلم يتلقى الدعم من الغالبية الساحقة من الأردنيين.

هناك من يقول بأن تأييد الغالبية من الأردنيين لمطالب المعلمين لا يعني تأييد الإضراب، لكن ما يجري على أرض الواقع هو تطابق واضح بين الموقف المؤيد للمعلم وبين عدم معارضة الإضراب من ناحية أخرى.

فلم نشهد حقيقة حراكا من أي نوع يحمل المعلم مسؤولية الإضراب. وبالتالي فإن الإصرار على البقاء على شجرة عالية أمر ضار للجميع سواء الطالب أو المعلم أو الحكومة.

في المقابل، حاولت الحكومة أن تسير خطوة إلى الأمام من أجل حل ما، فقدمت مبادرتين حتى الآن لنزع فتيل الأزمة وعودة الطلبة إلى مقاعدهم الدراسية، لكن نقابة المعلمين رفضت حتى النظر فيهما، واعتبرتهما غير كافيتين وغير مرضيتين، وبذلك عاد الطرفان إلى التمسمر كل في مكانه.

وبعيدا عن الدخول في تفاصيل صناعة القرار، هناك حاجة لأن تتحمل الحكومة مسؤولية إعادة المعلم إلى التدريس وفك الإضراب وهذا لا يتم بالمنطق السائد الآن والقائم على التنكر لمطالب المعلم واتهامه وكأنه بيدق بيد تنظيم ما.

فلا يمكن لأي تنظيم أن يسيطر على أكثر من 120 ألف معلم ومعلمة ولا يمكن أن ينجح اضراب بنسبة 100 بالمئة. وبتقديري أن الأضراب بات عبئا أيضا على نقابة المعلمين التي ينبغي أن تفكر في طريقة للعودة للتدريس وبخاصة بعد أن مضى كل هذا الوقت على الإضراب. فماذا لو ركبت الحكومة رأسها وقررت عدم التجاوب نهائيا مع مطالب المعلمين بالعلاوة أو حتى الاعتذار عما حدث على الدوار الرابع؟!

في الأزمة، هناك طرفان صعدا إلى شجرة عالية ولا بد من اعطائهما سلما للنزول. يمكن للحكومة أن تعلن عن تشكيل لجنة تحقيق للتوقف عند ما حدث في اعتصام الدوار الرابع، ولا أعرف إن كان اعتذار الحكومة عن الطريقة التي تم التعامل بها مع المعلمين سيقلل من شأنها! ف

من شأن الاعتذار أن يطري النفوس وأن يدفع العديد من الأردنيين للضغط على النقابة للتقدم بخطوة تخفيض التصعيد ما يخدم الحوار والحل والطالب في نهاية المطاف.

فهناك ضرورة لاعتراف الحكومة بسوء أحوال المعلمين والتعليم بشكل عام، وتقديم علاوة متفق عليها على دفعات مع تطبيق المسار المهني الذي ينبغي أن تشرف عليه النقابة في هذه الحالة شأنها في ذلك شأن بقية النقابات.

ويمكن للحكومة أيضا أن تستغل أزمة المعلمين كمدخل لإصلاح إداري في بقية الجسم البيروقراطي الذي بدوره يعاني من مشاكل لا مجال لحصرها في هذه العجالة.

باختصار، حل مشكلة الإضراب لن تتأتى من خلال التجييش والتجييش المضاد، ولا من خلال سيطرة اللعبة الصفرية بل من خلال التسويات، فلا يوجد أي طرف يمتلك الحقيقة كاملة وهناك مطالب مشروعة وضيق مالي.

لكن هناك طريقة ما للتوصل إلى نقطة في منتصف الطريق بحيث يربح بها الجانبان، فالمسؤولية الوطنية للكل تقتضي تنازلات متبادلة. للأسف، ما يجري لغاية الآن لا يدفعنا للتفاؤل.

* د. حسن البراري أستاذ العلاقات الدولية بالجامعة الأردنية

المصدر | الغد الأردنية