الأحد 6 أكتوبر 2019 01:58 م

لم يكن الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" الوحيد الذي قلل من أهمية اندلاع الاحتجاجات ضد حكمه. فقد فعل كذلك السياسيون ووسائل الإعلام في (إسرائيل).

ويمكن بسهولة تبرير تجاهل تغطية مظاهرات الشهر الماضي في القاهرة وغيرها من المدن، والقمع الذي تلاها، كنتيجة للانشغال الحالي لوسائل الإعلام الإسرائيلية بالسياسة الداخلية والجهود المستمرة لتشكيل حكومة جديدة.

وفي الوقت نفسه، ظلت التغطية الدولية مركزة على إيران، والتوترات المستمرة في الخليج.

ومع ذلك، فإن أعضاء البرلمان الإسرائيلي، الذين يترددون بشكل غير معهود في التحدث علنا حول مثل هذه القضايا، يقولون إن هناك قلقا عميقا بشأن مستقبل رجل يُعتبر غالبا "الزعيم المصري الأكثر تأييدا لـ (إسرائيل) على الإطلاق".

كما أنهم يدركون أن أي تعبير إسرائيلي عن الاهتمام بمثل هذا المعنى لا بد أن يلحق أضرارا أكثر من المنفعة للقائد الذي تم انتقاده بالفعل في أجزاء من العالم العربي لكونه بالضبط ما يقولون.

وفي الأعوام التي تلت تولي "السيسي" السلطة في عام 2013، انتقلت الحكومتان المصرية والإسرائيلية من العمل معا ضمنيا إلى التعاون المفتوح، وهي علاقة تعززها الصور التي تظهر مدى الود بين "السيسي" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو".

وقال "تسفي ماغن"، وهو ضابط سابق رفيع المستوى في المخابرات العسكرية الإسرائيلية، ويعمل الآن كزميل باحث في معهد دراسات الأمن القومي: "أتمنى بالتأكيد أن يتجاوز السيسي هذه الجولة من الاحتجاجات".

وقال "ماغن" لـ "ميدل إيست آي": "حتى لو عرّف البعض السيسي بأنه ديكتاتور تولى السلطة باستخدام القوة، فإنه يظل لاعبا أكثر إيجابية من سابقيه. وعلى عكس مبارك، فهو رجل قوي يعرف قوة ميدان التحرير، ويعرف إلى أين يمكن أن تقود الاحتجاجات. ومن المحتم أن يكون أكثر حذرا".

وقال "ماغن" إنه لا يبدو أن الوضع في مصر سيؤدي إلى "عنف كامل"، وأن المخابرات العسكرية والحكومة الإسرائيلية سوف تنتظر لترى التطورات.

لكنه قال أيضا إن (إسرائيل) يمكنها مساعدة "السيسي" في تكتم من خلال تزويده بالمعلومات الاستخبارية.

وأضاف: "ليس لدينا رأي بشأن الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه النظام المصري، لكن الوضع الفوضوي سيئ للجانبين. ويمكن لـ (إسرائيل) أن تساعده بتزويده بالمعلومات الاستخباراتية، لكن بالتأكيد يجب ألا تتدخل".

وأخبر "أميرام ليفين"، نائب رئيس "الموساد"، "ميدل إيست آي"، أن "السيسي" كان يدفع أيضا ثمن علاقاته المفتوحة مع (إسرائيل).

وأضاف أن "إيران، على سبيل المثال، تصنفه كعدو". وبشكل عام، تعمل هذه العلاقة بمثابة عامل دعائي ضده.

وأكمل: "نتنياهو مخطئ تماما عندما يركض لنشر أخبار الصداقة الطيبة مع السيسي".

ولا تعتبر العلاقة بين "السيسي" و"نتنياهو" علاقة "كيمياء متبادلة" بين القادة، ولكن علاقة مبنية على المصالح المشتركة.

وفي عهد "السيسي"، وصل التعاون العسكري مع (إسرائيل) في سيناء إلى مستويات لم يسبق لها مثيل، حيث حدد كلا البلدين المقاتلين المرتبطين بتنظيم "الدولة الإسلامي"ة و"القاعدة" في شبه الجزيرة كتهديد مشترك.

وبينما تشن القوات المصرية الحرب هناك على الأرض، تقدم (إسرائيل) معلومات استخباراتية حاسمة للحملة.

ولعب "السيسي" أيضا دورا مهما كوسيط في الصراع الدامي بين "حماس" و(إسرائيل) في غزة.

وبينما ينتقد استخدام (إسرائيل) للقوة المفرطة ووفيات المدنيين اللاحقة، فإنه يعتبر "حماس" عدوا لمصر، حتى أثناء استضافة قادة "حماس" لإجراء محادثات في القاهرة، وعقد مؤتمر للمانحين لإعادة إعمار غزة.

ولقد جعلته هذه المناورة الدقيقة لاعبا مهما في المنطقة، ولكن أيضا هدفا للدول ذات المصالح الأخرى، بما في ذلك تركيا وإيران.

ويقول المحللون إن العلاقة الاستخباراتية مع (إسرائيل) قد أثبتت أنها مفيدة لـ "السيسي".

وعلى الرغم من العلاقات الوثيقة، إلا أن العلاقات الإسرائيلية المصرية ترافقها دائما درجة من الشك.

وكان العديد من الإسرائيليين البارزين آنذاك يشتبهون في أن زيارة الرئيس المصري "أنور السادات" إلى (إسرائيل) عام 1977، ومعاهدة السلام لعام 1979 بين البلدين، كانت بمثابة فخ خطير.

وبعد عقدين من الزمن، في عام 2001، اقترح "أفيغدور ليبرمان" أن تقصف (إسرائيل) سد أسوان، "السد العالي"، إذا استمرت مصر في بناء قوات عسكرية في سيناء. ويعتقد وزير الدفاع السابق الآن أن المصريين كانوا يستعدون سرا لأعوام عديدة لحرب أخرى مع (إسرائيل).

وقال "أفرايم هاليفي"، رئيس الموساد من عام 1998 إلى عام 2002: "هناك قدر من الشك، وهذا أمر مفهوم"، مؤكدا أهمية الاستقرار في مصر بالنسبة لـ (إسرائيل).

ويمثل كل من أمن مصر ونظامها السياسي، وبالتأكيد الآن أمن "السيسي" كرئيس، مصلحة أمنية حيوية لـ (إسرائيل). فلدى مصر أكبر عدد من السكان في العالم العربي، ولها حدود طويلة مع (إسرائيل).

وأضاف أنه على الجانب الآخر من الحدود، يشن متشددون إسلاميون حربا مستمرة ضد "السيسي" والقيادة المصرية.

وقال "هاليفي": "يوفر هذا الجانب، إلى جانب السلام والاستقرار في الأردن، قدرات أمنية لا يمكن تعويضها لـ (إسرائيل)".

واقترح "هاليفي" أن إحدى الطرق العملية لـ (إسرائيل) لمساعدة "السيسي" هي التأكد من أن واشنطن تدرك أهمية قيادته الاستراتيجية بالنسبة لـ (إسرائيل).

ومع ذلك، يعتقد "ليفين" أنه ينبغي لـ (إسرائيل) أن تراعي الدروس المستفادة من المناسبات الماضية عندما انخرطت في السياسة الداخلية لجيرانها، وهو ما كان له عواقب وخيمة لا يمكن التنبؤ بها.

وكانت الانتخابات الديمقراطية التي جرت في عام 2012، التي نجح فيها "محمد مرسي" المدعوم من جماعة "الإخوان المسلمين"، أسوأ كابوس في (إسرائيل). ومع ذلك، كان في منصبه أكثر براغماتية مما كان متوقعا قبل إزاحته من قِبل "السيسي" عبر انقلاب عسكري.

وعلى عكس المخاوف الإسرائيلية الأولية، وربما بشكل نابع من إدراكه لاعتماده على المساعدات الأمريكية، لم يحاول "مرسي" أبدا إنهاء اتفاق السلام بين مصر و(إسرائيل)، ولم يتوقف التنسيق الأمني ​​أبدا.

وبينما كان يحسن العلاقات مع "حماس"، ظلت حكومة "مرسي" بعيدة عن المشاركة المباشرة في الاشتباكات الدورية بين "حماس" و(إسرائيل)، وعملت بدلا من ذلك للتوسط في وقف إطلاق النار في غزة.

وقال "ليفين": "كان هذا درسا يجب تعلمه. فلم يكن ينبغي لـ (إسرائيل) أن تعبر عن هذا المستوى من عدم الرضا والخوف من مرسي".

ويستشهد "ليفين" أيضا بمثال دعم (إسرائيل) لـ "بشير الجميل"، زعيم الميليشيا المسيحية الذي تم اغتياله بعد انتخابه رئيسا للبنان عام 1982.

ولقد أغرقت عملية القتل لبنان بشكل أعمق في حرب أهلية استمرت حتى عام 1990، مع احتلال القوات الإسرائيلية لجنوب البلاد حتى انسحابها عام 2000.

ويقول إنه بينما قد يكون لدى (إسرائيل) "فهم رائع" لما يجري في الدول المجاورة، إلا أنها يجب أن تعترف بحدود قدرتها على التأثير في المجتمعات ذات التقاليد المعقدة والتاريخ الذي يمتد لعقود وعقود من القرون.

وقال: "ليس لـ (إسرائيل) مصلحة خاصة في الديكتاتوريات المجاورة، ولا في تقوية الأنظمة من حولنا. وهذا ما يجعل أي نوع من التدخل يتحول إلى خطأ فظيع".

المصدر | ليلي غاليلي - ميدل إيست آي