الثلاثاء 8 أكتوبر 2019 11:59 ص

كشفت مجلة أمريكية أن جيشا خفيا من المرتزقة يعمل لصالح روسيا في عدد من دول العالم، مشيرة إلى أن شركة "فاغنر" هي المورد الأول لمن يخوضون حروباً سريةً بالنيابة عن الكرملين.

وأوضحت "فورين بوليسي" أن جيش المرتزقة الروسي يمتد من أوكرانيا إلى سوريا وحتى جمهورية أفريقيا الوسطى، وتلعب "فاغنر" دوراً مهماً في عملياته.

فأفراد الشركة الروسية كانوا على جبهة بعض أشدِّ الصراعات احتداماً بشرق أوكرانيا وسوريا خلال السنوات الأخيرة، قبل انتشار اسمها في عناوين الأخبار بهجومها على أحد المواقع العسكرية الأمريكية شمال شرقي سوريا في شهر فبراير/شباط 2018.

ونقلت المجلة الأمريكية عن موقع التحقيقات الروسي "ميدوزا" أن جماعة من مرتزقة "فاغنر" وصلت إلى فنزويلا في يناير/كانون الثاني الماضي؛ لتدعيم حكم الرئيس الفنزويلي "نيكولاس مادورو" في مواجهة المعارضة التي تحاول واشنطن تنصيبها بالسلطة.

واعتبر محللون غربيون تلك الخطوة إشارةً إلى ارتقاء مركز "فاغنر" كأداةٍ تنفيذية لسياسة الكرملين بهدف دعم واحد من أهم الأنظمة الحليفة عسكريا، وهو ما يخدم مصالح موسكو الخارجية دون تدخلٍ مباشرٍ منها.

لكن "فاغنر" صدَّرت محاربين مخضرمين إلى شركات أخرى مماثلةٍ، منها Shield وPatriot، خلال الأشهر الماضية، في حين فقدت استقلاليتها في اتخاذ القرار وصار أفرادها مجرد حرسٍ أمن بسوريا.

وجاء هذا التطور بعد أن قصَّ الكرملين جناحي الشركة عقب كارثة فبراير/شباط 2018 التي تمثلت في المواجهة بين "فاغنر" والقوات الأمريكية بدير الزور.

 ففي يوم 7 فبراير/شباط 2018، شن نحو 600 مقاتلٍ من "فاغنر" هجوماً بدبابات ومدافع على أحد مواقع قوات سوريا الديمقراطية، وهو تحالف يمثل الأكراد عموده الفقري ويتعاون مع التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" في شمال شرقي سوريا.

ولم يكن مرتزقة "فاغنر" يعرفون أن مستشارين أمريكيين كانوا مزروعين داخل الموقع واستدعوا الدعم الجوي عند وقوع الهجمة.

وإزاء ذلك، تعرضت قوات "فاغنر" لهزيمة نكراء على يد الغارات الجوية والمروحيات الأمريكية، وبنهاية المواجهة، لقي ما بين 300 و600 روسي مصرعهم أو أُصيبوا بجراحٍ، في أول معركة مباشرة بين قوات واشنطن وموسكو منذ حرب فيتنام.

وكان أكثر الجوانب المدهشة لهذه الحادثة أنها قد نُفِّذت على ما يبدو، دون أمرٍ من الكرملين أو معرفةٍ تامةٍ منه، بحسب "فورين بوليسي".

وكشفت محادثات هاتفية مسرَّبة أن "يفغيني بريغوجين"، الرَّجل المعروف بـ"طباخ فلاديمير بوتين"، والذي يُعتقد أنه قائد  "فاغنر"، هو من أمر بتنفيذ الهجوم، بعد الحديث إلى عدة زملاء أعمالٍ له من السوريين.

واستندت المجلة الأمريكية في تقديرها إلى الاستجابة المضطربة من موسكو لنتيجة الهجوم، إذ استغرق مسؤولو الكرملين أسبوعاً ليقولوا إنه "ربما يوجد مواطنون في سوريا لا علاقة لهم بالقوات المسلحة الروسية"، قبل إعلانهم لاحقاً أن 5 روسيِّين ربما قد لقوا مصرعهم، وهو رقمٌ ارتفع فيما بعد إلى عشرات.

وفي السياق، نقلت صحيفة بيل الروسية الاستقصائية عن مصادر مقرَّبة من وزارة الدفاع، أن مسؤولي الكرملين دُهشوا حين علموا بالهجوم في دير الزور، وأن "بريغوجين" اضطُر مُحرَجا إلى التذلل أمام مسؤولي الكرملين، مؤكداً لهم أن خطأً كهذا لن يتكرر مجدداً.

ويدير "بريغوجين" شركةً ذات أسهم في النفط والغاز الطبيعي بالمنطقة، وطبقت وزارة المالية الأمريكية عقوبةً عليه لقاء دوره في التدخُّل الروسي بانتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2016 عدة مرات، كان آخرها يوم 30 سبتمبر/أيلول الماضي.

وبحسب "فورين بوليسي" فقد أكَّدت مصادر من "فاغنر"، في مارس/آذار الماضي، أن نصف قوات الشركة بدأت تستعد لبعثاتٍ في أفريقيا بعد حادثة دير الزور، مع استمرار توابع الصدع الذي تكوَّن بينهم وبين الكرملين.

ذهبت إحدى هذه البعثات إلى أفريقيا الوسطى، ونافست شركة "بلاكووتر" العسكرية الشهيرة، من أجل عقودٍ لتوفير الأمن.

ومع ظهور عديد من المنافسين الجدد، مثل Shield وPatriot  (المزعوم ارتباطها مباشرةً بوزارة الدفاع الروسية) وVega، فمن المرجَّح أن زمن اعتبار "فاغنر" أكبر مقاولي الدفاع الروسيين قد ولَّى، بحسب المجلة الأمريكية.

لكن كيف وصلت "فاغنر" أصلاً إلى كل تلك القوة في ظل اللوائح الصارمة للكرملين بشأن شركات الأمن الخاصة، بما يضمن احتكاره للقوة المسلحة في روسيا؟

تجيب "فورين بوليسي" عن السؤال بالإشارة إلى أن "فاغنر" لا وجود لها من الناحية القانونية بروسيا، رغم عدة محاولات فاشلة لوضع تشريعات جديدة وسَنِّها بشأن هذه المسألة، للسماح بتسجيلها وتوضيح ما يُسمح لها به وما يُحظر عليها فعله.

وأوضحت المجلة الأمريكية أن "فاغنر" نمت في ظل هذا الفراغ القانوني، متحوِّلةً من مشروع ذي غرض معيَّن بدأه موظفون طموحون لدى شركة Moran Group الأمنية (شركة أمن روسية اعتيادية) إلى جيش خاص متكامل مُشبَع بدبابات ومدفعيات روسية، وما وصل إلى 5 آلاف مقاتل.

وتشير "فورين بوليسي" إلى أن الشركة تمثل أحد التحديات التي تواجه سلطة "فلاديمير بوتين" رغم الصورة العامة الظاهرية لكونه أوتوقراطياً قديراً يتمتع بجميع مستويات السلطة.

وتؤكد المجلة الأمريكية أن هذه الصورة ليست صحيحة، مشيرة إلى أن "بوتين" يقود روسيا عبر سلسلة من التنازلات والاتفاقات مع الصفوة واسعي النفوذ، من رجال أعمال وبيروقراطيين ومسؤولين أمنيين.

وأضافت أن نظام "بوتين"، مع أنه مستقرٌ حالياً ويصدِّر صورة الكيان المتَّحد أمام أعين بلدان الخارج، هو في الحقيقة مشخصَنٌ للغاية، إذ يتفشَّى الشقاق الحزبي بين أوساط الخدمات الأمنية الروسية المتعددة، بينما المتغيِّر الوحيد المسيطِر هو اتفاقهم على الانحناء أمام الرئيس الحالي.

وبحسب المجلة الأمريكية، فإن من المهم تذكُّر أن الوضع لم يكن دائماً هكذا: فمن المعروف أن "بوريس يلتسن"، سلَف "بوتين"، عانى من أجل فرض السيطرة على الأذرع المسلَّحة الروسية العديدة، وأن "بوتين" نفسه استغرق عدة سنواتٍ لإخضاعها ومحو الإقطاعيات الكثيرة التي أسَّسها الجنرالات الفسدة في الشيشان أوائل الألفية الجديدة، حيث أصبح الاتجار بمبيعات النفط غير الشرعية عادةً شائعةً لدى القادة الساعين إلى إثراء أنفسهم.

وحيث لا يزداد الصراع الداخلي بين نخب الصفوة الروسية إلا نمواً، توجد الآن سابقةٌ لوجود جيش خاصٍّ أعداده بالآلاف غير مسؤولٍ في النهاية إلا أمام الرجل الذي يقوده، حتى وإن كان لذلك الفرد لقبٌ يبدو بريئاً مثل "الطباخ".

بالطبع ما زالت مسألة تخلي "بوتين" عن الزعامة بالفعل عام 2024 محل شكٍّ، لكن الزعيم الروسي ليس خالداً، أي إن خلافته -والصراع على المنصب الذي سيصحبها- ستحدث إن عاجلاً أم آجلا، بحسب المجلة الأمريكية.

وهنا يأتي أحد أدوار "فاغنر" المهمة رغم تدهور موقفها لدى الكرملين، إذ تمثل عملياتها بالخارج دعما لبقاء سلطة "بوتين" وأعوانه لأطول فترة ممكنة.

وفي هذا الإطار، أشارت المجلة الأمريكية إلى أن إحدى فرق الشركة الروسية عاودت الظهور مؤخراً في ليبيا، مقدِّمةً يد العون إلى قوات "خليفة حفتر" بضواحي العاصمة طرابلس، في محاولةٍ لمساعدة الجنرال الليبي المتقاعد على إعادة إحياء جهوده الحربية المعطَّلة ضد الحكومة المعترف بها دوليا.

وعليه فإن شركاتٍ مثل Vega وShield وPatriot ما هي إلا صورة شاحبة لما كانت عليه "فاغنر" في ذروة سطوتها أوائل عام 2018، وفي مستقبل ما بعد "بوتين" قد تشكِّل تهديداً لروسيا والأمن الدولي، بحسب المجلة الأمريكية.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات