الأحد 17 نوفمبر 2019 08:44 ص

تم الترويج كثيرا للاكتتاب العام الأولي في "أرامكو" السعودية كصفقة ضخمة، لكن لم يكن ينبغي أن يحدث ذلك. فمن حيث الجوهر، سينتهي الأمر بالطرح العام الأولي في"أرامكو" المنتظر منذ 3 أعوام، إلى عملية بيع لجزء صغير جدا ربما يبلغ 1% فقط من أسهم الشركة إلى مجموعة صغيرة من المستثمرين المحليين، وربما ذراع استثمار حكومي من الصين.

وعند تقييم بقيمة 1.7 تريليون دولار، فإن بيع نسبة 1% من الأسهم من شأنه أن يُكسب الحكومة 17 مليار دولار فقط.

وتؤكد الفجوة بين التوقعات والنتائج في "أكبر اكتتاب عام في العالم" فشل المنطقة في احتضان ورعاية الأعمال التجارية العملاقة.

وتعد "أرامكو" شركة احتكارية كبيرة وناجحة مملوكة للدولة، تعمل على بيع الأسهم للمواطنين وأصدقاء الحكومة. ومع ذلك، فهي لا تعيش في بيئة تنظيمية أو اقتصاد قائم على القواعد يمكن أن يجعلها تتحول إلى قوة عالمية مملوكة للمستثمرين ومطروحة للتداول العام.

لماذا تفشل الاكتتابات في العالم العربي؟

وفي جميع أنحاء المنطقة، فإن حجم الاكتتابات العامة في الشركات منخفض. ويرجع جزء من السبب في ذلك إلى حقيقة أنه من الصعب على الشركات أن تنمو في مثل هذه المنطقة. وبالنسبة لمعظم الناس في القطاع الخاص، ينتهي المطاف في النهاية بالعمل في الشركات الصغيرة. وقد وجد الباحثون في البنك الدولي أن الأنشطة الصغيرة توفر غالبية الوظائف في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مع بعض الاختلافات بين البلدان.

وتهيمن الشركات الصغيرة، التي يقل عدد موظفيها عن خمس موظفين على الحصة الأكبر من العمالة في القطاع الخاص في مصر والضفة الغربية وقطاع غزة، بنسبة تصل إلى نحو 60%، فيما تبلغ النسبة في الأردن حوالي 40%، وفي تونس 37%، وفي الأخير تأتي تركيا بنسبة 34%.

على النقيض، تقل نسبة الوظائف في المؤسسات التي يعمل بها 1000 موظف على الأقل عن 10% في جميع البلدان الخمسة. وفي البلدان ذات الدخل المرتفع، من الأرجح أن تستخدم الشركات الكبيرة نسبة كبيرة من القوى العاملة. وتقارن دراسة البنك الدولي حول "الوظائف والامتيازات" نمو الشركات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنموها في الولايات المتحدة، حيث يعمل 48% من جميع الموظفين في شركات يعمل فيها أكثر من 10 آلاف موظف.

ونظرا لأن العديد من الشركات المتوسطة والكبيرة في الشرق الأوسط أصبحت جزءا من دورة "سيطرة الدولة"، فإنها تميل إلى عدم الاستمرار في النمو، أو رفع الإنتاجية.

وتنقسم الاكتتابات العامة في الشرق الأوسط إلى ثلاث فئات: الأصول المملوكة للدولة التي غالبا ما تكون راكدة وغير فعالة، ودمج الحيازات العقارية عن طريق صناديق الاستثمار العقاري التي لا تفعل الكثير لتعزيز الإنتاجية الاقتصادية، وشركات "اليونيكورن" - التي تزيد قيمتها عن مليار دولار - النادرة التي تقوم بأعمال حقيقية، والتي قد تكون مملوكة جزئيا أو كليا للحكومة.

وبالطبع فإن "أرامكو" من تلك الفئة الأخيرة. وبذلك، توجد اختيارات ضئيلة أمام المستثمرين في الشرق الأوسط. ويبين إدراج أرامكو في الواقع حقيقة أن المستثمرين المحليين يتضورون جوعا للفرص، وغالبا ما يتم خداعهم بواسطة حكوماتهم.

ويتم تشجيع المواطنين من السعودية إلى مصر على شراء أسهم الكيانات الحكومية التي يتم منحها في الغالب، وليس بيعها. وتشهد مصر حاليا نشاطا في مجال الاكتتاب لكنك ربما لم تسمع بذلك.

ويرجع ذلك لأن الحكومة تتعرض لضغوط من صندوق النقد الدولي لبيع الأصول المملوكة للدولة، التي يمتلك الجيش معظمها، ولإظهار التزامها باقتصاد أكثر انفتاحا، بهدف تأمين حزمة تمويل إضافية من صندوق النقد الدولي بحلول مارس/آذار 2020.

ويهدف المسؤولون المصريون إلى بيع حصص في أكثر من 20 شركة عبر مجموعة من القطاعات، من البتروكيماويات إلى التمويل والعقارات، على أمل جمع ما يقرب من 5 مليارات دولار.

وكانت بعض هذه الشركات المصرية المملوكة للجيش مربحة في الآونة الأخيرة. ورجع ذلك إلى كون هذه الشركاة تم إعفاؤها من قبل حكومة الرئيس "عبد الفتاح السيسي" من ضريبة القيمة المضافة الجديدة التي تم تنفيذها عام 2016، فيما تم إعفاء نحو 600 شركة مملوكة للجيش من ضريبة العقارات، ناهيك عن قدرتها على الحصول على الأموال من البنوك الحكومية.

وفي حين نجت هذه الشركات بفضل حصولها على عقود غير تنافسية من الدولة، بدون ضرائب ومع إمكانية كبيرة للحصول على التمويل، تكافح الشركات المصرية الخاصة أمام تخفيض قيمة العملة والضرائب الجديدة ورفع دعم الطاقة. ولا عجب أن القليل منها ينمو أو يدرج في البورصات المحلية أو الدولية.

وتبرز استثناءات مثلما حدث مع منصة الدفع الإلكترونية، شركة "فوري" للتكنولوجيا المصرفية والمدفوعات الإلكترونية، المملوكة لبنوك الاستثمار المحلية والدولية. وتوفر "فوري" منصة دفع غير نقدية، ما جعل البنوك تمول المنصة التي ربما توسع سوق عملائها.

ويحتاج العملاء في مصر إلى مزيد من الوصول إلى المنتجات المالية. وجمعت الشركة عبر إدراجها في البورصة 97 مليون دولار، ويمتلك الموظفون نحو 8% من أسهم الشركة.

نتائج مخيبة للآمال

ووجدت دراسة استقصائية للاكتتابات العامة في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أنه كان هناك 69 طرحا عاما أوليا في الفترة من الربع الأول من عام 2017 إلى الربع الثالث من عام 2019، منها 9 فقط في عام 2019. لكن حجم رأس المال الذي تم جمعه كان أكثر من مخيب للآمال.

وبينما حقق الربع الثاني من عام 2019 أعلى مستوى من العائدات الفصلية التي تم جمعها خلال أكثر من عامين، بما يزيد قليلا عن 2.6 مليار دولار، فإن الربع الثالث من عام 2019 شهد جمع 190 مليون دولار فقط من عمليات البيع التي وقعت في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وقد يكون هناك تباين كبير في حجم وكمية الإدراجات من ربع إلى ربع، كما هو الحال في أي سوق إقليمي، ولكن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا قد تكون متقلبة بشكل خاص. وعلى الصعيد العالمي، في الربع الثالث من عام 2019، كان هناك 256 اكتتابا أوليا، جمعت 40.2 مليار دولار.

وفي مثال آخر، تعد "أكوا باور"، التي تأسست عام 2004، أكبر مطور لمشاريع الطاقة وتحلية المياه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تخصصت في مشاريع الطاقة المتجددة والطاقة الشمسية. وتتحدث إدارة "أكوا" عن طرح عام أولي للشركة منذ أكثر من عام الآن، ولكن تم تأجيل الإدراج، حيث تجذب الشركة عقودا جديدة مع المزيد من المستثمرين، وعلى الأخص صندوق الاستثمار العام في المملكة العربية السعودية.

وزاد الصندوق من حصته في ملكية "أكوا" تدريجيا منذ عام 2017، بزيادة قدرها 12%، ثم 25%، والآن 40%، حيث نمت فرص الاستثمار في الطاقة المتجددة في كل من السعودية ومجلس التعاون الخليجي، مع تعزيز أهداف تنويع الطاقة. وكما قال الرئيس التنفيذي لـ "أكوا" مؤخرا: "يمنحنا صندوق الاستثمار العام القدرة على تنفيذ المشاريع الكبيرة التي نقوم بها".

وتشمل هذه المشاريع الكبيرة عقود الحكومة السعودية، التي يستفيد منها الصندوق الآن كمستثمر ومالك في الوقت نفسه.

ويحتاج الشرق الأوسط إلى مزيد من الاكتتابات الأولية، لكنه يحتاج أولا إلى تنمية شركات لا تتنافس مع الدولة على الأعمال، ولا تعتمد على الدولة كمستثمر رئيسي أو عميل. فلا يمكن اعتبار المواطنين أجهزة صراف آلي لدعم محاولات الحكومة لجمع التمويل، في حين لا يستفيدون بالتساوي من التحول وخصخصة الخدمات الاجتماعية.

وسوف تأتي فرص النمو الحقيقية من الشركات التي تلبي الاحتياجات المحلية ولديها القدرة على النمو في جميع أنحاء المنطقة وخارجها، بعيدا عن نموذج "أرامكو"، المصحوب بثلاثة أعوام من الضجيج المستمر دون أي طحين، ومع الكثير من التدخل السياسي السافر.

المصدر | كارين يونج - المونيتور