الأحد 17 نوفمبر 2019 04:48 م

تناول تقرير نشرته الإذاعة الألمانية "دويتش فيلله" لمحات من تاريخ قناة السويس التي تم افتتاحها قبل 150 عاما، معتبرة أن المصريين ينتظرون الكثير من ممرهم المائي الدولي، حيث إن القناة يٌراد منها أن تأتي بالإيرادات، لكنها تلعب أيضا دورا كبيرا في الرمزية الوطنية المصرية.

وقالت الإذاعة في تقريرها إن الرئيس الراحل "جمال عبدالناصر" اتخذ في أكتوبر/تشرين الأول 1956 قرار التأميم الذي جلب البهجة في مصر والغضب في أوروبا.

وانتظر "عبدالناصر" طويلا للحصول على قروض أمريكية لبناء سد أسوان، لكن بما أن البيت الأبيض كان يخشى أن يميل "عبدالناصر" في لعبة موازين القوة في الحرب الباردة تجاه المعسكر السوفييتي، تخلف الرئيس الأمريكي آنذاك "أيزنهاور" عن تقديم تلك القروض.

على ضوء ذلك قرر "عبدالناصر" الحصول على تمويل من جانب آخر أي تأميم قناة السويس التي كانت في غالبيتها ملك مؤسسة السويس الفرنسية البريطانية.

"عبدالناصر" وعد بتقديم تعويض مقبول، لكن الدولتين الأوروبيتين لم تريدا قبول هذا الخيار، وعندما فشلت مفاوضات إضافية، هاجمت الدولتان الأوروبيتان بدعم من (إسرائيل) نهاية أكتوبر/تشرين الأول 1956 مصر في منطقة القناة.

وكرد فعل على ذلك فرضت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي عن طريق الأمم المتحدة انسحاب الوحدات الفرنسية والبريطانية والإسرائيلية، فالشرق الأوسط وجب أن يكون منطقة تأثير القوى الكبرى وليس للأوروبيين.

وأشار التقرير إلى أن الأمر بالنسبة للرئيس "جمال عبدالناصر" كان على وجه الخصوص جمع أموال لمشروعه المرموق، سد أسوان، كما يقول خبير السياسة "توماس ديملهوبير" من جامعة إرلانغن نورنبيرغ.

واعتبر التقرير أنه كان واضحا أيضا أنه منذ افتتاحها كانت قناة السويس مشروع هيبة قومي.

وقالت إنه "منذ تدشينها قبل 150 عاما من طرف مزارعين مصريين، كانت قناة السويس رمزا للتقدم المصري، وهذه الفكرة لعبت أيضا دورا في التأميم".

وحقيقة أن التأميم يتجاوز عملا اقتصاديا صرفا، كشف عنه "عبدالناصر" في أكتوبر/تشرين الأول 1956، بالنسبة إليه كان الاستحواذ على القناة بصمة لفكرة القومية العربية التي لعبت دورا كبيرا بالنسبة للرئيس "عبدالناصر".

وهذا ما "ينبع من مشاعر العرب وقلوب العرب الذين يريدون العيش في كرامة. ويريدون أن يكونوا مستقلين"، كما أوضح "عبدالناصر".

وكانت مخططات بناء قناة بين البحر المتوسط والبحر الأحمر موجودة منذ مدة طويلة، كما يقول "توماس ديملهوبير": "العثمانيون كانت لديهم تلك الفكرة منذ القرن السادس عشر، وحتى المهندسين الفرنسيين الذين أتوا في 1798 ضمن حملة نابوليون إلى مصر قاموا بفحوصات وتوصلوا إلى نتيجة أن المشروع غير قابل للتنفيذ، وعلى هذا النحو رأى البريطانيون أيضا الأمر، فيردناند دي ليسبس هو الأول الذي دفع بالمشروع".

في البداية ظل آلاف العمال الأوروبيين منشغلين بفتح المجرى المائي، وبما أنه لم يوجد عدد كاف من الرجال، ألزم الحاكم المصري، "محمد سعيد" في عام 1861 عشرة آلاف عامل من صعيد مصر بالعمل في المشروع، وبعدها بسنة كلف مرة أخرى 18 ألف عامل إضافي.

كان الحاكم مدفوعا بقلق ديموغرافي، فالكثير من الأوروبيين، كما كان يخشى قد يحولون منطقة القناة إلى مركز خارجي لأوروبا.

لكن القناة ظلت بالفعل مصرية وتطورت إلى منطقة دولية، "بورسعيد تظهر تقريبا كمدينة"، كما كتبت المستشرقة الفرنسية "نارسيس بيرشير" التي قضت في 1861/62 بدعوة من "دي ليسبس" بعض الشهور على قناة السويس حيث كانت توجد مطاعم ومقاه وخياطون.

ليس فقط أشخاص شرفاء يأتون إلى المدينة، بورسعيد، كما لخص مسافر بريطاني كانت "المكان الذي تجد فيه خطايا من الشرق والغرب ملجأ مشتركا لها".

وبالفعل غيرت القناة مصر السابقة كثيرا؛ فمدن القناة وفي مقدمتها بورسعيد تحولت إلى مراكز تجارة ديناميكية ربطت مصر بشبكة التجارة العالمية.

والقناة قصَرت الطريق بين لندن ومومباي بشكل كبير من 19.855 إلى 11.593 كم، وعمل هذا على تنشيط حركة الملاحة، في عام 1870 عبرت 486 سفينة بـ26.758 من الركاب القناة.

"بلادي لم تعد طويلا جزءا من أفريقيا"، قال الحاكم المصري "إسماعيل باشا" بمناسبة تدشين قناة السويس في 17 نوفمبر/تشرين الثاني 1869، مضيفا أن القناة "جعلتها جزءا من أوروبا".

وأعطى الرئيس المصري "عبدالفتاح السيسي" عام 2015 إشارة البدء في مشروع التوسيع، وأزالت عشرات الجرافات وعربات النقل ملايين الأمتار المكعبة من الرمل، وعلى امتداد نحو 40 كم تم توسيع القناة القناة.

وهذا التوسيع والحفر في العمق يعني بالنسبة إلى "السيسي" الأهمية التي كان يضعها "عبدالناصر" على سد أسوان؛ مشروع هيبة يشهد على قدرة الحكومة.

ومن خلال التوسيع تضاعفت طاقة النقل في القناة؛ فعوض 49 يمكن الآن لـ 100 سفينة عبور الطريق المائي يوميا، لكن من الناحية الاقتصادية لم يتم بعد استغلال طاقة القناة بالكامل.

"في ميزانية 2018/19 تم ذكر إيرادات بقيمة 5.9 مليار دولار، وهذا مبلغ كبير، لكنه لا يتطابق مع الإيرادات المتوقعة التي كان يُراد الحصول عليها من خلال التوسيع".

وبالتالي تبقى القناة مؤشرا على الهيبة القومية وفي آن واحد تذكيرا بأن البلاد لم تصل بعد إلى توظيف كل إمكانياتها.

المصدر | الخليج الجديد + دويتش فيلله