الجمعة 29 نوفمبر 2019 07:16 ص

"الاتفاق التركي الليبي في مجالي التعاون الأمني والمناطق البحرية يتعدى صلاحيات رئيس المجلس الرئاسي الليبي فائز السراج"..

هكذا عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية "أحمد حافظ"، الخميس، عن إعلان حكومتي أنقرة وطرابلس ترسيم الحدود البحرية بينهما، ليضاف ملف ليبيا إلى الصراع الإقليمي حول حقوق الغاز بالبحر المتوسط بين مصر واليونان وقبرص الرومية من جانب، وتركيا وقبرص التركية من جانب آخر.

فتركيا لم تعد بعيدة عن المشهد الليبي منذ أن انخرطت فيه بشكل كبير عام 2014، الذي شهد انطلاق تطور كبير في العلاقة بين الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، ورئيس حكومة الوفاق في طرابلس "فائز السراج"، لينتقل الدعم السياسي والعسكري التركي لحكومة الوفاق، الذي كان خفياً في جزء منه، إلى العلانية.

وترتبط هذه العلاقة بملفين، الأول يتعلق بالطرف المحلي الذي تدعمه أنقرة وخصومها الإقليميين (مصر والإمارات والسعودية وفرنسا) بليبيا، والثاني يتعلق بصراع إقليمي على حقوق الغاز بمنطقة البحر المتوسط.

فساحة الصراع في ليبيا ما هي إلا امتداد لصراعات كبرى بين قوى إقليمية ودولية، نقلت خلافاتها السياسية والاقتصادية والاستراتيجية إلى أرض جديدة بعد أن كانت الأراضي السورية هي مسرح تلك الصراعات، حسبما يرى "نزار مقني"، الكاتب والمحلل السياسي التونسي المختص بالشأن الليبي، وفقا لما نقله موقع هيئة الإذاعة الألمانية.

صراع الداخل الليبي

وفي هذا الإطار، تدعم تركيا وقطر حكومة "السراج" بطرابلس، في مقابل دعم خصومها الإقليميين لسلطة الجنرال الليبي المتقاعد "خليفة حفتر" بشرقي ليبيا، وتحاول مصر، منذ عام 2014، مواجهة النفوذ التركي عبر تدشين تحالف ثلاثي مع اليونان وقبرص، وترسيم الحدود البحرية فيما بينها، والتوافق فيما يرتبط بالتنقيب عن حقول الغاز في البحر المتوسط.

ويؤكد "مقني" أن الدعم التركي لحكومة الوفاق والقوات المتحالفة معها لم يكن عسكرياً فقط، وإنما كان سياسياً أيضاً بمنح الغطاء الدبلوماسي في المحافل الدولية، ما خلق توازناً بين قوتي الشرق والغرب في ليبيا، وكذلك في صراع الأجندات السياسية بالشرق الأوسط.

ويرى المحلل السياسي التونسي أن ما دفع تركيا لتطوير موقفها الداعم بهذه الصراحة لحكومة الوفاق هو وجود خطاب كامل ومعلن يتبناه خصومها الإقليميين لدعم "حفتر" في هجومه على العاصمة الليبية.

وسيذهب دعم تركيا العسكري بشكل مباشر وأولي إلى كتائب مصراته وقوات الدرع المشترك الليبية، وستكون في الأغلب أسلحة ثقيلة ومضادة للطائرات، خاصة بعد ما جاء بتصريحات "فتحي باشاغا"، وزير داخلية حكومة الوفاق، في مؤتمر صحفي عقده بتونس عن الضربات الجوية التي "تنفذها مقاتلات دول عربية لمساندة قوات حفتر وتقوم بقصف دقيق للمواقع في طرابلس" حسب قوله.

ويستهدف الاتفاق العسكري الأخير بين "أردوغان" و"السراج" إلى تمكين حكومة الوفاق ليس فقط من صد الهجوم على طرابلس، وإنما التقدم واكتساب مساحات جديدة من الأرض، خاصة بعد فتح جبهة سرت، وكذلك دعم الموجات الهجومية التي تنفذها قوات البنيان المرصوص في هذه المدينة.

وكان المجلس الرئاسي الليبي بطرابلس قد أعلن أن رئيسه "السراج"، قد عقد يوم الأربعاء الماضي في إسطنبول محادثات مع "أردوغان" انتهت بتوقيع الطرفين على مذكرتي تفاهم أمنية وبحرية.

وذكرت كالة أنباء الأناضول أن المحادثات بين "أردوغان" و"السراج" جرت في قصر دولما بهتشة بمدينة إسطنبول، وتواصلت لساعتين وربع الساعة، بعيدا عن أعين الصحفيين وعدساتهم.

مناطق النفوذ البحري

وبدا من المحادثات المطولة والمغلقة أن تركيا تولي اهتماما خاصا بملف حقوق الغاز بالبحر المتوسط، بحسب مراقبين، وهو ما انعكس على رد الفعل المصري واليوناني.

ونقلت وسائل إعلام تركية عن الجنرال المتقاعد من القوات البحرية "مصطفى أوزباي" أن الاتفاقية بين أنقرة وطرابلس تعتبر الأهم لتركيا منذ توقيع اتفاقية لوزان، و"مكسب كبير للسيادة التركية من أجل حماية حقوقها في شرقي البحر المتوسط"، حسب تعبيره.

وفي السياق، قال رئيس تحرير مجلة M5 التركية "جيهون بوزكورت" إن هذه الاتفاقية من شأنها "تغيير موازين القوى في المنطقة".

ونشرت صحف تركية رسومات توضح المناطق التي يشملها الاتفاق وهي طول المسافة البحرية التي تمتد من السواحل الليبية إلى السواحل التركية وتقتطع مناطق متنازع عليها، لكن هذه الرسومات لم يتم تأكيدها من مصادر رسمية.

وكان اللواء البحري التركي "جهاد يايجي"، قد حث بلاده مؤخرا على الإسراع في توقيع اتفاقية مع ليبيا لتحديد مناطق النفوذ البحري، مشددا على أن الظروف الحالية في ليبيا تشكل أنسب أرضية لتوقيع مثل هذه الاتفاقية، التي "سيكون بمثابة درع ضد اليونان وقبرص اليونانية ومصر"، حسب تعبيره.

ولفت الخبير البحري التركي إلى أن ما سماها بمنطقة النفوذ البحري التي سيتم تحديدها بين بلاده وليبيا ستحول "دون توقيع اليونان اتفاق منطقة اقتصادية خالصة مع قبرص اليونانية ومصر وتوقيع قبرص اليونانية اتفاقا مماثلا مع ليبيا".

ومن هنا تطابق موقف سلطة "حفتر"، شرقي ليبيا، مع كل من مصر واليونان وقبرص اليونانية بهذا الخصوص، إذ أعلنت رفضها التام للاتفاقية الموقعة بين الحكومة التركية وحكومة الوفاق في طرابلس، واعتبرتها "غير شرعية".

فيما أعلن المتحدث باسم الخارجية المصرية أن وزراء خارجية مصر "سامح شكري"، واليونان "نيكوس دندياس"، وقبرص "نيكوس خريستودوليدس"، اتفقوا على عدم الاعتداد بالاتفاق، واعتبروا، في اتصالات هاتفية جرت بينهم، أن مذكرة التفاهم بين أنقرة وطرابلس "تتعدى صلاحيات رئيس المجلس الرئاسي الليبي فائز السراج"، حسب قوله.

ويرى أستاذ العلوم السياسية الليبي "خليفة الحداد" أن الزيارة المفاجئة التي أجراها "السراج" وفريقه الحكومي لإسطنبول جاءت بعد تحديد الولايات المتحدة الأمريكية موقفها من حرب "حفتر" على طرابلس، ما يعني أنه ضوء أخضر أمريكي لكل من الحكومة وتركيا.

واعتبر "الحداد" أن واشنطن صعّدت من موقفها ضد التدخل الروسي إلى جانب "حفتر"؛ لأنها ترفض -ودول حلف شمال الأطلسي "ناتو"- سعي روسيا إلى أن يكون لها وجود في حوض المتوسط، وفقا لما نقله موقع "العربي الجديد".

ولذا وصفت صحيفة "لوموند" الفرنسية هذا التطور بأنه "يمكن أن يؤدي في النهاية إلى إعادة تغيير الوضع الاستراتيجي في المنطقة الوسطى من البحر المتوسط".

المصدر | الخليج الجديد