الأربعاء 4 ديسمبر 2019 08:11 م

من المرجح أن تضاف التطورات الجديدة في شرق البحر الأبيض المتوسط مع قمة "الناتو" التي عقدت هذا الأسبوع في لندن، إلى قائمة طويلة من التوترات بين تركيا والدول الحليفة، مع احتفال الكتلة بالذكرى الـ70 لتأسيسها.

في 27 نوفمبر/تشرين الثاني، وقعت أنقرة اتفاقية مع الحكومة الليبية المعترف بها دوليا تشير إلى حدود بحرية جديدة بين البلدين، تمتد من جنوب غرب تركيا إلى شمال شرق ليبيا عبر المنطقة التي تطالب بها اليونان وقبرص حاليا، حيث تدرس خط أنابيب الغاز في المستقبل يربط حقول غاز شرق البحر المتوسط بالأسواق الأوروبية.

وتأتي الاتفاقية في الوقت الذي تواصل فيه السفن التركية أنشطة التنقيب عن الغاز والحفر داخل المياه الإقليمية لقبرص، والإجراءات التي تدعي أنقرة أنها ضرورية لضمان تقاسم عائدات الغاز بين جمهورية قبرص وجمهورية شمال قبرص التركية، والتي تعترف بها تركيا وحدها.

وتصعد الخطوة الأخيرة التوترات بين الدول التي تحمل مزاعم متضاربة حول تنمية موارد الطاقة في شرق البحر المتوسط.

يقول "جليل حرشاوي" وهو زميل أبحاث متخصص في ليبيا بمعهد "كلينجيندال"، إن المسؤولين الأتراك كانوا على الأرجح يستجيبون لعزلة دولتهم عن تطورات الطاقة الجارية في المنطقة عقب إنشاء منتدى شرق البحر المتوسط للغاز في وقت سابق من هذا العام بين كل من: جمهورية قبرص، اليونان، (إسرائيل)، الأردن، فلسطين، مصر وإيطاليا.

وقال "حرشاوي" في حديث لموقع "المونيتور" الأمريكية: "إن تركيا مهتمة بشدة بالدفاع عن تفسيرها لقانون المياه الإقليمية؛ لذلك، تحتاج من أجل تعزيز خطابها القانوني وعلى المسرح الدولي إلى شريك آخر غير شمال قبرص، وهذا ما تتوقعه تركيا من حكومة الوفاق الوطني في طرابلس".

وأضاف "حرشاوي" أن أنقرة تسعى إلى الحصول على سابقة للتطورات المستقبلية في شرق البحر المتوسط، حيث أشار المسؤولون الأتراك مرارا إلى أن أنشطة التنقيب عن الغاز ستستمر على الرغم من التهديد المتزايد للعقوبات من جانب الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بمثل هذه الأعمال.

وكان الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان"، قال في افتتاح خط أنابيب الغاز "TANAP" السبت الماضي: "لا يمكن تنفيذ مشاريع في المنطقة من خلال استبعاد دولة ذات حدود بحرية طويلة في شرق البحر المتوسط"، مضيفا: "لن نسحب سفننا وسوف تواصل العمل هناك".

خلال اجتماع الأسبوع الماضي بين "أردوغان" ورئيس وزراء حكومة "الوفاق" الوطني التي تتخذ من طرابلس مقرا لها "فايز السراج"، وقع الطرفان عدة مذكرات تفاهم ترسخ الحدود البحرية الجديدة.

كما دعمت أنقرة الجيش الشعبي الوطني التابع لحكومة "الوفاق" عسكريا، بينما تواصل حكومة طرابلس قتالها لقائد قوات "شرق ليبيا"، اللواء المتقاعد "خليفة حفتر"، الذي يقود الجيش الوطني الليبي بدعم من مصر والسعودية والإمارات.

في شهر يوليو/تموز، أثار دعم أنقرة لقوات "الوفاق"، رد فعل عنيف من قوات "حفتر"، التي احتجزت لفترة قصيرة 6 بحارة أتراك.

عقلانية الاقتصادية

وفي أعقاب اتفاقية الحدود البحرية، أصدرت لجنة التعاون الدولي والخارجية التابعة لبرلمان "شرق ليبيا"، بيانا الخميس، قائلة إن الصفقة ترقى إلى "اتفاقية دفاع"، بزعم أنها ستمنح أنقرة حق استخدام المجال الجوي الليبي والمياه الإقليمية، ما يسمح لتركيا ببناء القواعد العسكرية على الأراضي الليبية.

ودافع المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية "حامي أقصوي" عن الاتفاق في بيان صدر الإثنين، قائلا إنه يتوافق مع "القانون الدولي، بما في ذلك المواد ذات الصلة من اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار".

وقال "أقصوي": "من خلال هذا الاتفاق مع ليبيا، أبدى البلدان بوضوح نيتهم بعدم السماح بأي أمر واقع"، في إشارة إلى خطط تستبعد تركيا من مشاريع الغاز في شرق البحر المتوسط، التي ستحرم تركيا وربما عائدات العبور المربحة لشركة النقل الوطنية التركية.

يقول منتقدو خط أنابيب شرق البحر المتوسط المقترح منذ فترة طويلة، إن المشروع الذي سيمتد تحت الماء بين قبرص وجزيرة كريت اليونانية، سيكون مكلفا ومعقدا جدا من الناحية التكنولوجية لنقل الغاز من شرق البحر المتوسط إلى الأسواق الأوروبية بطريقة مجدية ماليا.

في مقابلة مع "المونيتور"، قال "سيدات أيبر"، رئيس مركز البحوث الإفريقية بجامعة "إسطنبول أيدين": "إن الطريقة الأكثر فعالية من حيث التكلفة لنقل الغاز الطبيعي إلى أوروبا ستكون عبر تركيا؛ بمعنى أن تجاوز تركيا لا يتماشى مع العقلانية الاقتصادية".

ومع ذلك، حافظ المسؤولون في اليونان وحليفتها جمهورية قبرص على عدم رغبتهم في التعاون على خط أنابيب مشترك عبر تركيا، مشيرين إلى أنشطة أنقرة المستمرة لاستكشاف الغاز، والتي يزعمون أنها تعقد محادثات إعادة التوحيد المتوقفة منذ فترة طويلة في قبرص.

وتم تقسيم جزيرة قبرص منذ عملية عسكرية تركية في عام 1974، وما زال هناك حوالي 40 ألف جندي تركي في جمهورية قبرص الشمالية التركية، كما تزعم أنقرة أنها تدافع عن حقوق المواطنين الأتراك هناك.

ضربة لتحالف مصر وقبرص واليونان

ردا على الاتفاقية التركية الليبية، زار وزير الخارجية اليوناني "نيكوس دندياس" القاهرة، الأحد؛ لإجراء محادثات مع نظيره المصري "سامح شكري"، وفي أعقاب الاجتماع، قال إن الطرفين اتفقا على أن قائد حكومة "الوفاق"، "ربما يفتقر إلى الشرعية اللازمة للتوقيع على هذه المذكرات... لكن الطرفان (الوفاق وتركيا) يعملان كعوامل مزعزعة للاستقرار في المنطقة الأوسع".

كما أشار "دندياس" إلى أنه سيسعى إلى تسريع المناقشات بين اليونان ومصر حول تعيين حدود المناطق الاقتصادية الخالصة بين البلدين.

من ناحية أخرى، قال رئيس الوزراء اليوناني "كيرياكوس ميتسوتاكيس"، إنه سيسعى للحصول على الدعم من حلفاء الـ"ناتو" خلال قمة لندن هذا الأسبوع ضد محاولات تركيا "التعدي على السيادة اليونانية".

يأتي هذا النداء على خلفية رفض المسؤولين الأتراك دعم خطة دفاع "الناتو" التي تضم دول البلطيق وبولندا ما لم يتلقوا مزيدا من الدعم للعمليات العسكرية المستمرة ضد المسلحين الأكراد في شمال شرق سوريا، كما نفت مصادر أمنية تركية لم يكشف عنها يوم الاثنين، المزاعم بأن أنقرة "ابتزت الناتو".

وفي تلخيص للاتفاقية التركية الليبية، قال "هاري تسيميتراس"، مدير مركز "أوسلو" لبحوث السلام في قبرص، إن أنقرة "تزيد المخاطر" في المنطقة من خلال "جلب لاعب جديد إلى المنافسة على الموارد".

وأضاف أن هذه الخطوة "تشكل عقبات كبيرة أمام مسؤولي الاتحاد الأوروبي؛ لأن تركيا لم تعد تعمل بمفردها في سياسة الطاقة وستحتاج الآن إلى تداعيات تورط طرابلس".

وقال "تسيميتراس" لـ"المونيتور": "الأمر الآن يتعلق باليونان، وقبرص، وسوريا، وحول المناطق التي لم تكن فيها تركيا قادرة حقا على السلطة من قبل، مثل جنوب جزيرة كريت".

كما أشار إلى أن الاتفاقية تظهر أن إدارة ليبية واحدة على الأقل (في إشارة لطرفي الصراع في ليبيا)، قائلا: "أعتقد أن هذا رد فعل على التحالف بين قبرص واليونان ومصر. لذلك إلى حد ما، تقدم هذه التطورات بعدا جديدا في لعبة الطاقة في شرق المتوسط".

المصدر | المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد