الأربعاء 25 ديسمبر 2019 05:21 م

لم يكن عام 2019 ينبئ بأي حراك سياسي في مصر، رغم تمرير تعديلات دستورية مثيرة للجدل، أبريل/نيسان الماضي، تتيح للرئيس  "عبدالفتاح السيسي" البقاء في الحكم حتى العام 2030.

ولم يكن يدور في مخيلة أحد، أن يهتز كرسي الحكم، ولو قليلا، مع استمرار القبضة الأمنية الشرسة في البلاد، وتمديد حالة الطوارئ، وتنفيذ أحكام إعدام، وتواصل عمليات التصفية بحق المعارضين، وتغييب كامل للقوى السياسية، بكافة أطيافها الإسلامية والليبرالية واليسارية.

خلال العام الجاري، كان الحراك فقط على البساط الأخضر، باستضافة مصر، كأس الأمم الأفريقية، وخيبة خروج مبكر لمنتخب الفراعنة، يوليو/تموز الماضي، عوضه المنتخب الأوليمبي بالفوز بكأس بطولة القارة السمراء تحت 23 عاما، نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.

  • وفاة "مرسي"

زاد المشهد قتامة في 2019، بوفاة أول رئيس منتخب ديمقراطيا في مصر "محمد مرسي"، في محبسه، يونيو/حزيران الماضي، بعد 6 سنوات من حبسه انفراديا، وسط مطالبات دولية بتحقيق مستقل لكشف ملابسات الوفاة.

وقبل أن يفيق أنصار "مرسي" من صدمة وفاته، التي أنهت أي وجود فعلي لورقة الشرعية التي ظلت تؤرق نظام "السيسي"، جاءت وفاة نجله "عبدالله"، في سبتمبر/أيلول الماضي، إثر أزمة قلبية مفاجئة، لتزيد أوجاع أسرة الرئيس الراحل، وأنصاره، وسط شبهات واتهامات متداولة تفيد بمقتله.

وعلى نفس المنوال، رحل العشرات من المعتقلين السياسيين جراء الإهمال الطبي المتعمد، وتعرض آخرون لعمليات تصفية خارج إطار القانون، وتواصلت حملات الاعتقال بحق ناشطين، وتم حجب عدد من المواقع الصحفية، كما تم سن قوانين لتعزيز حالة القمع في البلاد، ومراقبة مواقع التواصل.

  • "محمد علي"

ومن حيث لا يُحتسب، ظهر المقاول والفنان "محمد علي"، ملقيا بحجر في الماء الراكد، لتهتز أروقة السياسة والحكم في البلاد، ومعها يموج الشارع المصري غضبا، في مشهد نادر، بعد 6 سنوات من الصمت القسري.

بطل فيلم "البر التاني"، خرج على الملأ من إسبانيا، سبتمبر/أيلول الماضي، في مقطع فيديو، لم يكن الأول، كاشفا عن وقائع فساد بمليارات الجنيهات بمؤسستي الرئاسة والجيش المصري.

وبواسطة كاميرا هاتفه المحمول، واصل "علي" فضح وقائع إهدار للمال العام في بناء قصور واستراحات رئاسية، وفلل لأفراد أسرة "السيسي"، ومشروعات عملاقة لا جدوى من ورائها، مجتذبا الملايين من المصريين، الذين زعم لهم "السيسي" بأنهم "فقراء أوي"، وطالبهم كثيرا بالصبر من أجل أن "تحيا مصر".

  • تظاهرات سبتمبر

مقاطع الفيديو التي بثها "علي" عبر الإنترنت، أحدثت زلزالا مدويا في مصر، وأجبرت "السيسي" بنفسه للخروج في مؤتمر للشباب، للرد على الاتهامات الموجهة له، ليدلي بكلمته الشهيرة: "أيوة أنا عامل قصور، وهاعمل وأعمل تاني".

وفي استجابة لافتة لدعوات "علي" للنزول للاحتجاج ضد حكم "السيسي"، اندلعت مظاهرات، في 20 سبتمبر/آيلول الماضي، وسط العاصمة القاهرة، وعدة محافظات مصرية، ووصلت إلى أعتاب ميدان التحرير، أيقونة ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011، ومزقت لافتات تحمل صور الرئيس المصري، وعادت هتافات "ارحل" مدوية في الشارع المصري، بعد صمت طويل.

ومع تزايد التعبئة من قبل قنوات معارضة تبث من الخارج، وغياب "السيسي" الذي غادر إلى نيويورك للمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ساد الارتباك دوائر الحكم، مع توالي تسريبات من داخل أجهزة سيادية عن حجم الفساد في البلاد، لتخرج مظاهرات ثانية في عدة محافظات، في 27 من الشهر ذاته.

مقابل ذلك، شنت السلطات المصرية حملة اعتقالات واسعة طالت شخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، بينهم من أيد الانقلاب العسكري، وبلغت الحملة الشرسة مدى واسعا باعتقال أكثر من 3 آلاف مواطن، وفق تقديرات حقوقية، مع حملة مكثفة لتفتيش هواتف المواطنين، وتعقب ناشطي مواقع التواصل.

لاحقا تطور أداء "علي"، الذي غادر إلى العاصمة البريطانية لندن، ليعقد أول مؤتمر صحفي عالمي له، ويعلن عن خارطة طريق لتوحيد قوى المعارضة، وصياغة برنامج حكم لمرحلة ما بعد "السيسي"، متعهدا بمواصلة حراكه في العام 2020.

  • جملة تغييرات

كان واضحا للعيان أن غضبا مكتوما ضد "السيسي" قد ظهر للعلن، قد تدعمه رغبات من أجهزة في الدولة، غير راضية عن سياسات الرئيس المصري، وتعاظم نفوذ نجله "محمود"، وسط تسريبات عن خلافات بين رفقاء انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، في ما يعرف بـ"صراع الأجهزة".

خلال أيام وأسابيع، تغيرت نبرة الإعلام الموالي للسلطة، مطالبا بإصلاحات، ليخرج بعدها صوت البرلمان مهددا الحكومة باستجوابات، وسط جملة من القرارات لخفض الأسعار، وإلغاء حذف المستبعدين من البطاقات التموينية، والإعلان عن فرص عمل جديدة.

لم تكتف السلطة التي هزتها تسريبات "علي" بذلك، بل سارعت إلى إجراء تغييرات سيادية في الحرس الجمهوري وديوان الرئاسة والمخابرات العامة، وكذلك إجراء حركة محافظين موسعة طالت 16 محافظا، والاستعداد لتعديل وزاري كبير، والأهم محاولة تقليم أظافر نجل "السيسي"، وإرساله إلى روسيا كملحق عسكري لمصر، في مهمة (لم تتأكد بعد)، تردد أنها لإبعاده عن دائرة الضوء، إلى إشعار آخر.

يبدو أن الحجر الذي ألقاه "علي" في الماء الراكد على الساحة المصرية، كان ثقيلا،؛ إذ استمرت موجاته وذبذباته، وسط مطالبات للنظام بالرجوع خطوة إلى الوراء، واحتواء قوى 30 يونيو/حزيران 2013 التي مهدت للانقلاب العسكري، والسماح بوجود للمعارضة في الانتخابات التشريعية 2020، وتعيين نائب للرئيس، وتنشيط الحياة السياسية والإعلامية في البلاد.

حراك الفيديوهات والتسريبات، وحملات من عينة "اطمن انت مش لوحدك"، ومشاهد الانتحار الاحتجاجي خلال ديسمبر/كانون الثاني الجاري، يبدو أنها تولد شكلا جديدا من المعارضة، مع الأخد بعين الاعتبار أن "محمد علي" نجح بالفعل في إحياء ميدان التحرير الذي كان يرقد في غيبوبة منذ سنوات، وربما يكون هو بذرة موجة ثورية في المهد، تمهد لاستمرار الحراك مع قرب حلول الذكرى التاسعة لثورة يناير، التي يُخشى خروجها ثانيا من سباتها.

المصدر | الخليج الجديد