الاثنين 23 ديسمبر 2019 10:46 ص

أدت أوجه القصور الاقتصادية لدى النظام في لبنان إلى جعله يعتمد على سخاء الدول الأكثر ازدهارًا للحصول على الدعم المالي. وأدى الشلل السياسي الناتج عن الانقسامات الطائفية المستعصية إلى جعل الحكومة غير قادرة على معالجة نقاط الضعف في اقتصادها بشكل فعال، فيما تسببت الآفاق الاقتصادية القاتمة في ظهور حركة احتجاج مستمرة علنية تطالب بتغيير سياسي وتتحدى النخب الراسخة التي تحاول الحفاظ على نظام المحسوبية الذي يثريها.

ماذا حدث

قال الرئيس اللبناني "ميشال عون" في 19 ديسمبر/ كانون الأول إنه طلب من وزير التعليم السابق "حسان دياب" تشكيل الحكومة اللبنانية المقبلة.

وفاز "دياب"، وهو سني، بدعم ترشيحه من تحالف 8 آذار، الذي يهيمن عليه حزب الله.

وحسب العرف الدستوري، يجب أن يشغل منصب رئيس الوزراء في لبنان شخص سنيّ، ومع ذلك، حصل ترشيح "دياب" على دعم حفنة فقط من المشرعين السنة.

بخلاف ذلك، ليس من المتوقع أن يتم استقبال "دياب" بحرارة من قبل الحركة الاحتجاجية اللبنانية، التي تكافح من أجل تغيير طريقة حكم البلاد.

ويلقي العديد من المتظاهرين باللوم في الأداء الاقتصادي السيء للبنان على ثقافة الفساد التي رسختها النخبة السياسية في البلاد. وعلى الرغم من أن حياة "دياب" المهنية ركزت بشكل أكبر على التعليم (قام بالتدريس في الجامعة الأمريكية في بيروت منذ عام 1985) أكثر من السياسة (كان دوره كوزير للتعليم تكنوقراطيا في المقام الأول)، إلا أنه ينظر إليه على أنه غير بعيد بما فيه الكفاية عن التورط مع المؤسسة السياسية القائمة.

علاوة على ذلك، أعلن رئيس الوزراء المنتهية ولايته "سعد الحريري" وحركته تيار المستقبل عدم المشاركة في الحكومة المقبلة، مما يخلق احتمال أن تحتاج حكومة "دياب" إلى الاعتماد بشدة على تحالف 8 آذار للحفاظ على السلطة. وإذا رأت الولايات المتحدة أن حكومته متحالفة بشدة مع حزب الله، يمكن أن تتحرك واشنطن مرة أخرى لحجب المساعدات إلى لبنان أو فرض عقوبات على البلاد.

لماذا يهم ذلك

يُظهر ترشيح "دياب" درجة النفوذ السياسي التي تمكن حزب الله من حوزها في خضم الشلل السياسي في لبنان. وإضافة إلى خطر تجدد العقوبات الأمريكية التي يمكن أن تسببها علاقات "دياب" مع حزب الله، فإن تعيينه لن يفعل الكثير لمعالجة المطالب السياسية لحركة الاحتجاج، ومن المحتمل أن يترك هذا المأزق السياسي في البلاد دون حل. ويعني استمرار الجمود السياسي المزيد من تأخير الإصلاحات الهيكلية الضرورية وتثبيط المساعدات الدولية اللازمة لسحب البلاد من مأزقها الاقتصادي.

كانت مشاركة حزب الله في الحكومة اللبنانية قد جذبت بالفعل عقوبات محدودة من جانب الولايات المتحدة على قطاع البلاد المصرفي وعطلت المساعدات للجيش اللبناني حيث كانت الولايات المتحدة تعمل على خنق النفوذ الإيراني في البلاد. وتم تسليم المساعدات أخيرًا بعد بضعة أشهر من التأخير، لكن إذا نظرت واشنطن إلى "دياب" كأداة لحزب الله، فقد تعلق المساعدات مرة أخرى، وربما تهدد أو تفرض عقوبات أوسع لتقويض حكومة "دياب" وإجباره على التخلي عن السلطة.

وسوف تحجب العقوبات الأمريكية الاستثمارات الأجنبية التي تحاول لبنان اجتذابها. علاوة على ذلك، فإن علاقات حزب الله مع "دياب" وخدمته في حكومة سابقة هي أمور تجعله على علاقة مع النخب التقليدية بقدر قد لا يتسامح معه المحتجون في لبنان. ويعني ذلك أنه من المرجح أن يواصل المحتجون الضغط على أي حكومة قد يشكِّلها، مما قد يؤدي إلى تراجع الاقتصاد وإثارة الاضطرابات والمجازفة بحدوث اشتباكاتبين المحتجين وبين حزب الله وحركة أمل الشيعية.

ويخاطر احتمال استمرار الاحتجاجات في الشوارع بجعل تنصيب "دياب" كرئيس للوزراء مجرد جسر مؤقت لأزمة سياسية أخرى. وسوف يواجه رئيس الوزراء الجديد صعوبة في الحكم، وستكون حكومته غير الفعالة عرضة للانهيار. ومن شأن ذلك كله أن يترك لبنان في المكان الذي بدأ فيه، ويمكن أن يفتح الباب الدوار لحكومة أخرى يقودها "الحريري"، الذي ما زال مفضلاً لدى النخبة السياسية في البلاد.

خلفية

يحتاج لبنان إلى حكومة فعالة يمكنها تلبية مصالح القوى المتنافسة المتعددة. وتريد الحركة الاحتجاجية الواسعة التي تتجاوز الانقسامات الطائفية تشكيل حكومة تكنوقراطية تستبعد الوجوه المألوفة التي هيمنت على السياسة اللبنانية لعقود. ولا يشعر اللينانيون بمختلف طوائفهم بالرضا عن السياسيين الذين هيمنوا على البلاد منذ عهد الحرب الأهلية. وأظهرت حركة الاحتجاج مرونة في مواجهة تكتيكات الترهيب من قبل أنصار حزب الله وحركة أمل، وأثببت قدرتها على التجدد والاستمرار.

في هذه الأثناء، ستقاوم الأحزاب السياسية المهيمنة على السلطة فقدان نفوذها لصالح حكومة تكنوقراطية، وسوف يقوم حزب الله على وجه الخصوص بالمقاومة بشدة حفاظا على مكاسبه. ولكن حزب الله ليس وحده من هو يخوض هذه المعركة ضد المحتجين، فهناك أيضا حلفاؤه في حركة أمل والتيار الوطني الحر المسيحي، إلى جانب أحزاب أخرى عديدة على طول الطيف السياسي في لبنان يبدو أن تحشد نفوذها لمقاومة رغبات المحتجين والحفاظ على نفوذها وثرواتها.

في غضون ذلك، تطغى الأزمة الاقتصادية التي تلوح في الأفق على المشهد السياسي للبنان دون حل في الأفق. وتمتلك بيروت ثالث أعلى نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي في العالم، حيث تتجاوز النسبة 150 في المائة، مع مخاوف من التخلف عن سداد الديون السيادية، لاسيما مع بدء استحقاق دفع السندات الرئيسية في مارس/ أذار 2020. ويعتمد اقتصاد البلاد بشدة على القطاع المصرفي الذي تعوقه العقوبات الأمريكية الجزئية. وتؤثر المخاوف من الاضطرابات على قطاع السياحة الحيوي، فيما يضيف أكثر من مليون لاجيء سوري المزيد من الضغوط على الاقتصاد اللبناني.

وبينما كان لبنان في الماضي قادرًا على الاعتماد على الإنقاذ من الحلفاء للحفاظ على الاقتصاد واقفا على قدميه، فإن المجتمع الدولي قد فقد إلى حد كبير شهيته لتقديم المال الذي لا ينتج الاستقرار على المدى الطويل. وتأني المساعدات الإضافية اليوم مشروطة بالإصلاح الاقتصادي مع جرعة محتملة من التقشف. ولكن حتى هذا المسار القاسي يحتاج إلى حكومة مستقرة وجمهور يثق فيها بما يكفي للسماح بإجراء بعض الإصلاحات. ومع تولي "دياب" القيادة، فسوف تكون هذه الأهداف جميعا بعيدة المنال.

المصدر | ستراتفور/ ترجمة الخليج الجديد