السبت 25 يوليو 2015 08:07 ص

يبدو أن الحملة الدبلوماسية التي بدأتها المملكة العربية السعودية مؤخرًا بفتح نافذة لجماعة الإخوان المسلمين إنما تستهدف الحد من نفوذ إيران بالتعاون مع بعض فروع هذه المنظمة الإسلامية السنية الموجودة في أكثر من دولة.

وتأتي هذه الخطوة السعودية الجديدة عقب توقيع إيران اتفاقا نوويا مع الدول الست الكبرى، مجموعة الخمس زائد واحد، وهو الأمر الذي يشكل تحولا مهمًا في السياسية العدوانية للمملكة والتي قادت إلى وصم جماعة الإخوان المسلمين بـ«التنظيم الإرهابي» في مارس/آذار من عام 2014، والسعي بكافة السبل لاجتثاث جذورها في منطقة الخليج وتجفيف منابعها.

وكانت الزيارة الرسمية لـ«خالد مشعل» رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» أكثر الأمور الملفتة للنظر خلال الأسبوع الماضي، حيث إن الحركة معروفة بكونها فرع من جماعة الإخوان المسلمين في فلسطين، كما أنها لطالما اعتمدت على الدعم الإيراني. لكن ما يلفت الانتباه أكثر أنه قبل ستة أشهر فقط ضغطت السعودية على جارتها الخليجية قطر لإغلاق مكتب «مشعل» السياسي في الدوحة.

وأفاد مسؤولون في حركة حماس بالإضافة إلى وكالة الأنباء السعودية أن «خالد مشعل» زار مكة، وصلى مع الملك «سلمان»، واجتمع مع ولي العهد ووزير الداخلية الأمير «محمد بن نايف»، ووزير الدفاع الأمير «محمد بن سلمان».

ولم تكن تلك الزيارة هي الإشارة الوحيدة على التقارب مع جماعة الإخوان المسلمين، بل إن كلا من القيادي الإخواني في تونس «راشد الغنوشي»، والقيادي الإخواني في الأردن «همام سعيد»، والقيادي الإخواني في اليمن «عبد المجيد الزنداني»، زاروا المملكة قبل وقت ليس ببعيد. ويرى المراقبون أن هذا كله دليل على «عادة حسابات» استراتيجية بدأت الرياض تبنيها.

«هذه الزيارات جميعها جزء من استراتيجية كبرى لاحتواء إيران»، بحسب الباحث «مصطفى العاني»، مدير دراسات الدفاع في مركز الخليج للأبحاث ومقره جدة، والذي تابع: «الجزء الأول من تلك الاستراتيجية هو إبعاد الإخوان المسلمين عن إيران. والثاني هو استخدام الجماعة لمواجهة النفوذ الإيراني».

وقد منع المسؤولون السعوديون الصحافة المحلية من مناقشة هذا الموضوع حتى اليوم. ورغم أن وزير الخارجية «عادل الجبير» قال في مؤتمر صحافي إنه لم يكن هناك شيء سياسي في الزيارة، لكن مطلعين سعوديين قالوا إن الزيارة تشير إلى «تفاهم مهم» بين «حماس» وآل سعود.

وصرح مصدر في القصر الملكي، غير مصرح له التحدث إلى الصحافة لذا طلب عدم كشف هويته، قائلا «خلال الزيارة؛ أكد الوفد عن تقديره لدعم المملكة العربية السعودية للقضية الفلسطينية، وكذلك جهودها لاستعادة الحكومة الشرعية في اليمن».

وأضاف قائلا: «كما أعرب الوفد أيضا عن دعمه للجهود المبذولة لمنع الهيمنة الإيرانية على المنطقة والحرب ضد التطرف».

تحالف قديم

ورغم التوجهات العدائية الأخيرة، فإن المملكة العربية السعودية لديها تاريخ طويل من استخدام الإخوان ضد منافسيها الإقليميين. ففي الخمسينيات والستينيات دعمت المملكة الإخوان، وذلك لإضعاف النظام الجمهوري القومي لمصر في عهد «جمال عبد الناصر». ورغم أنها محظورة من ممارسة النشاط السياسي في المملكة العربية السعودية، إلا إن أعضاء جماعة الإخوان ينشطون في الأوساط الأكاديمية، وكان لهم تأثير كبير في المدارس الثانوية والجامعات.

لكن هذا التحالف كان دوما غير مريح لاعتبارات أيدولوجية وسياسية، وتدهورت العلاقات بشكل خاص في أعقاب انتفاضات الربيع العربي في عام 2011، والتي كانت مدعومة من قبل جماعة الإخوان، وقد أصابت الحكومة السعودية بالرعب والقلق.

وخلال عام 2014 حظر العاهل الراحل «عبد الله بن عبد العزيز» الجماعة، وصنفها على أنها منظمة إرهابية إقليمية، كما فعلت دولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين، وغضت الطرف على اعتقال قادة الإخوان في الأردن ومصر، كما ضغطت على قطر لطرد «مشعل» في يناير/كانون الثاني الماضي.

لكن جلوس الملك «سلمان بن عبدالعزيز» على عرش المملكة في يناير/كانون الثاني الماضي كان إيذانا بميلاد فجر جديد للعلاقات بين السعودية وجماعة الإخوان. ففي الوقت الذي حدث فيه انقلاب على حكم الإخوان في مصر عام 2013، توسع النفوذ الإيراني في سوريا، واتهم السعوديون طهران بدعم تمرد الحوثيين في اليمن.

وعقب ذلك جاء الاتفاق النووي، الذي يُفترض أن يعزز موقع وموقف إيران لمعارضة منافسه السعودي القديم. وفي تلك الأثناء، ونتيجة لتلك الظروف، بدا الإخوان فرصة أكثر من كونهم تهديدا.

مصالح مشتركة في اليمن

«لقد كان الملك سلمان واضحًا منذ البداية، فقد كان من أولوياته الحصول على دعم جماعة الإخوان المسلمين، وتوجيههم بعيدا عن النفوذ الإيراني» بحسب «حسن أبو هنية»، المحلل السياسي المقيم في عمان والخبير في الحركات الإسلامية، والذي أردف: «لقد عمل الاتفاق النووي الإيراني على التعجيل بهذه السياسة».

وكانت القضية الناشئة ذات الاهتمام المشترك بين المملكة العربية السعودية والإخوان هي اليمن، حيث تخوض المملكة حملة عسكرية منذ أربعة أشهر لصد الحوثيين المدعومين من إيران، وإعادة الحكومة الموالية للسعودية إلى موقعها بقيادة «عبده ربه منصور هادي».

وتمتلك جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، والتي تعرف هناك باسم التجمع اليمني للإصلاح، عدة آلاف من المقاتلين الذين يواجهون الحوثيين، ويلعبون دورا حاسما في المعركة من أجل تعز، والتي تُعدّ ثالث أكبر مدينة في اليمن.

وقد كافأت الرياض الإخوان لوفائهم.

وبعد ساعات من مغادرة مشعل للمملكة، وصل الشيخ «عبد المجيد الزنداني»، أحد مؤسسي جماعة الإخوان في اليمن،إلى الرياض، ويُقال إنه ناقش مع المسؤولين السعوديين والمجموعات السياسية اليمنية مستقبل اليمن، حيث من المتوقع أن يلعب التجمع اليمني للإصلاح دورًا رئيسًا فيه.

القتال ضد «الدولة الإسلامية»

وفي السياق ذاته، مددت المملكة العربية السعودية غصن الزيتون إلى جماعة الإخوان المسلمين في الأردن لحشد الدعم في المعركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».

وفي زيارة نادرة إلى السعودية هذا الشهر، التقى «همام سعيد»، المراقب العام لجماعة الإخوان في الأردن، وزير الشؤون الإسلامية السعودي «صالح بن عبد العزيز آل الشيخ»، ويقال إنهما ناقشا دعم جماعة الإخوان المسلمين الأردنية للتدخل السعودي في اليمن والحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، والذي يفضل السعوديون تسميته بــ «داعش».

وبحسب المطلعين على مجريات الأمور، فإن الرياض حثت الإخوان المسلمين في الأردن على إلقاء وزنها السياسي والديني خلف الحرب ضد «تنظيم الدولة»، خاصة أن الأردن جزء من التحالف الدولي ضد التنظيم، وأن هناك حوالي ألفي أردني يقاتلون في صفوفه.

وفي المقابل، وعدت الرياض بأن تضغط على حليفها القديم الأردن لتخفيف الحملة ضد الإخوان، والتي تضمنت سحب ترخيص الجماعة، وتحويل ممتلكاتها لإسلاميين موالين للنظام.

«لم تعد السعودية ترى فينا عدوا، بل إنها تجد فينا شريكا. إن الحرب على التطرف والحرب على داعش هي أحد مجالات التعاون الكثيرة فيما بيننا»، بحسب المراقب العام السابق للإخوان المسلمين في الأردن «سالم الفلاحات».

قيود على التحالف

لكنَ مراقبين سعوديين ومطلعين على الأمور يرون أن هناك حدودا لانبعاث هذا التحالف.

ورغم ما يقال عن أن الرياض «مستاءة» مما يقوم به الرئيس المصري «عبد الفتاح السيسي» من محاكمات قادة جماعة الإخوان المسلمين، إلا أنها لا ترغب في عودة الحركة الإسلامية إلى السلطة في مصر.

كما يرى المراقبون أن الرياض وضعت «خطا أحمرا» لنشاط الإخوان في منطقة الخليج.

ويقول «مصطفى العاني»: «هناك قاعدة ذهبية يدركها الإخوان: ممنوع أي نشاط في دول مجلس التعاون الخليجي. المملكة العربية السعودية سوف تتعامل معهم كحلفاء الخارج. لكنهم سيبقون كمنظمات إرهابية في السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين».

ويكرر المسؤولون السعوديون أن «تحالف المصلحة» اليوم لن يقود إلى صعودالإخوان غدا.

ويعلق مصدر من القصر بقوله: «نمد يدنا لأي جهة تستطيع وضع حد للتهديد الإيراني لمصلحة المملكة ولمصلحة العالم. لن نتعامل مع الإخوان على أنهم دولة، ولن نفعل ذلك البتة».