يجزم متابعون بأن هناك مأزقا غير مسبوق يحيط بصناع السياسة الإيرانيين، ولا يبدو أنه بهذا الحجم فقط، بل إنه في الواقع بات يمثل خطرا على مشروع الولي الفقيه في المنطقة برمتها، آخذا شكل الحلقة التي تضيق رويدا رويدا، وهنا كان لا بد من انتفاضة داخل بنية نظام الجمهورية الإسلامية وشبكة أتباعها في المنطقة.

وبعد أن اندلعت الاحتجاجات بشكل سريع في لبنان والعراق، فإنها واقعيا تدحرجت بشكل خطير نحو إيران، قياسا إلى أن جزءا كبيرا من الغضب الشعبي في بيروت وبغداد توجه في الأساس إلى نخب وأحزاب تنظيمات وميليشيات تشترك جميعها في الولاء لطهران ومشروعها في المنطقة.

وكانت النتيجة الطبيعية أن تفعل الكرة شيئا داخل الملعب الإيراني نفسه، وهو ما حدث في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، عندما اندلعت شرارة احتجاجات عنيفة داخل طهران ومدن أخرى، كان ظاهرها الاحتجاج على القرار الأخير للحكومة بزيادة أسعار الوقود، لكن باطنها كان مفعما بالتعبير عن الغضب من سياسة "خامنئي" ودوائره الأصغر، سياسية كانت أو اقتصادية أو أمنية، لا سيما أن هناك قطاعا لا يستهان به داخل الشارع الإيراني بات يرى أن مسؤوليه يغامرون بمقدراته في ميادين خارجية.

وفاقمت سياسة "أقصى ضغط" التي مارستها واشنطن، منذ انسحابها من الاتفاق النووي في مايو/أيار 2018، معاناة الداخل الإيراني، الذي انتظر أن تلملم قياداته موارد البلاد وتعيد توزيعها وفقا للمفهوم الجديد الذي فرض عليها، لكن ذلك لم يحدث.

ورغم أن الحرس الثوري والباسيج وقوات الأمن والجيش الإيراني قمعت الانتفاضة الأخيرة بشراسة، إلا أن الرماد لا يزال ملتهبا، ويبقى هناك خط تم كسره في العلاقة بين الشعب الإيراني وقيادة "الثورة الإسلامية" التي أحاطت نفسها، لعقود، بهالة من التقديس.

قراءة مختلفة للمشهد

بواسطة المعطيات السابقة، يمكن بشكل أكثر وضوحا قراءة مشهد التصعيد الأخير في العراق من ميليشيات الحشد الشعبي ضد الولايات المتحدة وقواتها في ذلك البلد، وهو تصعيد له دائما غلافه البراق أمام أعين العوام، وهو غلاف مقاومة المحتل، لكن الجديد هذه المرة أن العوام في العراق قرروا أن يأخذوا جانبا من كل ما يحدث، وبات عدم الاقتناع بكل شئ هو سيد الموقف.

ووجد العراقيون أنفسهم أمام مشهد سيريالي غير مفهوم، فتحرك الفصائل العراقية الشيعية ضد الأمريكيين جاء بعد شهور من التوحد مع القوات الأمريكية لدحر تنظيم "الدولة الإسلامية"، وهو توحد كان يتسم بالحميمية الميدانية بين الجانبين، وفقا لشهادات متابعين.

من ناحية أخرى، انخرطت تلك الفصائل ودوائرها من النخبة والأحزاب في دهاليز الحكم بالعراق، لكن أداءها اتسم بانعدام الشفافية مما سمح للفساد بالتفشي بشكل غير مسبوق في جميع أرجاء البلاد، منعكسا على أرقام الأداء الاقتصادي وإحصائيات البطالة والفقر، حتى بين الشيعة أنفسهم، وصولا إلى المفارقة التي فوجئ بها كثيرون، وهي أن القوام الأساسي للاحتجاجات الشعبية الأخيرة في العراق كان من الشيعة وليس السنة أو الأكراد.

وبالتوازي مع تصاعد المشهد، وجدت الفصائل العراقية، المقربة من إيران، نفسها مجبرة على التحرك، إما لمواجهة المحتجين أو تصعيد الأوضاع الأمنية والبحث عن نقطة تسبب إرباكا كبيرا للمشهد، لا سيما أن الحراك في العراق ولبنان أفضى بنجاح إلى إسقاط الحكومات القائمة هناك، كمرحلة أولى، منحت المحتجين شراسة أكثر لتحقيق بقية مطالبهم.

مواجهة أو توتير

واقعيا كان الخيار الأول له تكلفة باهظة ترقى إلى أن تكون خطرا وجوديا، فمواجهة الحراك الشعبي، الذي يتكون جله من الشيعة، يعني ضرب إيران خاصرتها بخنجر تمسكه بيدها، خاصة أن الحراك كان يزداد عنفوانا بعد محاولات مواجهته بتلك الطريقة على استحياء، وبالتالي كان التفكير الأنسب، على مائدة الساسة في طهران، كان هو عودة الطرق على وتر مقاومة المحتل الأجنبي، لإثارة المشاعر القومية بين الحاضنة الشعبية الشيعية مجددا.

وقد أوعزت إيران إلى فصائل عراقية موالية لها بالتحرش بالقواعد العسكرية التي تضم قوات أمريكية في البلاد، لكن بشكل محسوب لا يفضي إلى وقوع قتلى من الأمريكيين، بما يمثل تجاوزا لخط أحمر رسمته واشنطن مسبقا.

وعن طريق ذلك التحرك، وضعت طهران بذلك نفسها في نفق المقاومة مجددا، وإن كانت الحاضنة الشعبية في العراق باتت أقل تصديقا لهذا التحول بسهولة، لكن الأهم هو أن إيران وضعت المحتجين العراقيين في موقف صعب، فإما أن ينخرطوا في التصعيد ضد الأمريكيين، لأسباب قومية ودينية، أو أن يتبرؤوا مما يحدث، وهو ما قد يجر عليهم اتهامات بالعمالة لواشنطن، وهو الاتهام الأكثر راحة للدوائر السيادية في الجمهورية الإسلامية ضد الخصوم والمعارضين.

وفي خلال شهر ونصف، تعرضت قواعد عسكرية تضم جنودا أمريكيين في العراق إلى هجمات صاروخية لا تفضي إلى خسائر في الأرواح، لكن ما حدث هو أن الحسابات أخطأت لدى قصف قاعد K1 بالقرب من كركوك، مما أدى إلى مقتل متعاقد مدني أمريكي.

وكان رد واشنطن يشير إلى عدم تسامحها مع تعدي الخط الأحمر المتمثل في أرواح الأمريكيين في العراق، حيث عمد الطيران الأمريكي إلى تنفيذ غارات دقيقة مخطط لها مسبقا ضد مواقع لميليشيا "حزب الله" العراقية، التابعة للحشد الشعبي، فقتل وأصاب ما يزيد على 70 مقاتلا، بينهم ضباط إيرانيون، وفق ما نشرت وكالات ومواقع إخبارية.

نقطة حرجة

ومثلت شراسة الرد الأمريكي نقطة حرجة في المخطط الإيراني لإثارة التوتر في العراق، وكانت خطوة حصار السفارة الأمريكية واقتحام بواباتها الخارجية والوصول إلى واجهاتها الزجاجية ورؤية عناصر المارينز الأمريكي بداخلها قفزة من طهران عدة خطوات في اللعبة، بما يشير إلى رغبة في إذكاء التوتر بما يتجاوز الداخل العراقي.

من ناحية أخرى، باتت إيران تعلم أن رغبة الإدارة الأمريكية في تقليل تواجدها بالشرق الأوسط لا يضم العراق، فـ"ترامب" الذي يريد الانسحاب من سوريا ومناطق أخرى، يرى أن تكثيف القوات الأمريكية في العراق أمر مهم لمواجهة إيران عن قرب، وهي المواجهة التي تمثل شريانا اقتصاديا مهما لواشنطن، حيث تضمن عن طريقها تدفق أموال الخليج الساخنة إلى الخزانة الأمريكية، مقابل الحفاظ على توازن ردع يمنع طهران من تهديد تلك الدول وجوديا.

تعلم طهران أيضا أن التواجد الأمريكي يحول بين أية محاولة للتقارب مع دول الخليج على أسس جديدة قد تكون أقل كلفة للجانبين، وبالتالي فإن التواجد الأمريكي في العراق بات ينظر إليه كخطر متزايد على استقرار الجمهورية الإسلامية، وفقا للاستراتيجية الأمريكية التي انتهجها "ترامب"، بعد أن كانت سابقتها خلال عهد "ترامب" تحرص على تجنب المواجهة مع إيران بشكل جعل الوجود الأمريكي، حينها، يمثل حالة مستأنسة ورتيبة أفادت إيران والفصائل العراقية الموالية لها.

ووسط كل هذه الكروت، تقبع قداحة تنتظر من سيتناولها ليشعل حريقا لن يكون إطفاؤه يسيرا، لكن يبدو أنه لا أحد ينتوي تناولها الآن، بعدما أكد "ترامب" أنه لا نية في التصعيد مع إيران، رغم مشهد حصار السفارة، ومبادرة الحشد الشعبي بإنهاء ذلك الحصار وسحب أنصاره من محيطها.

وما سبق يعني أن هناك آلية سيتم استحداثها لحوار جديد بين الإيرانيين والأمريكيين، سيكون أفضل ما تقدمه واشنطن خلاله هو العمل على تنميط الحراك الشعبي في العراق لضمان ألا يصل إلى مرحلة الخطر الذي قد يدفع طهران إلى انتهاج سياسة الأرض المحروقة، وهو ما لا تريده الولايات المتحدة منذ بداية التصعيد، حفاظا على أشياء كثيرة، تبدأ بأموال الخليج ولا تنتهي بمواجهة النفوذ الروسي والصيني في أحد أكثر مناطق العالم ازدهارا بالطاقة.

المصدر | الخليج الجديد