الثلاثاء 7 يناير 2020 11:58 ص

تبدو المملكة العربية السعودية وقطر أقرب من أي وقت مضى إلى حل الخلاف الدبلوماسي الذي عزل الدوحة عن جيرانها منذ عام 2017، على الرغم من وجود فجوات واسعة. وفي محاولة لكسر الجمود، الذي أدى إلى انقسام حاد داخل مجلس التعاون الخليجي المكون من 6 أعضاء، دعت السعودية مؤخرا أمير قطر، الشيخ "تميم بن حمد آل ثاني"، لحضور القمة الخليجية السنوية في الرياض في 10 ديسمبر/كانون الأول. وأعلن المنتخب السعودي لكرة القدم مشاركته في بطولة كأس الخليج العربي الـ24 التي استضافتها قطر.

لكن بينما شاركت السعودية في البطولة، قرر أمير قطر إرسال رئيس وزرائه إلى قمة مجلس التعاون الخليجي بدلا منه. ولقد كانت إشارة واضحة من الدوحة إلى أنها بينما تريد حل بعض خلافاتها مع جارتها الأكبر، إلا أنها ستواصل رفض المطالب السعودية بإجراء تغييرات عميقة في سياستها الخارجية والإقليمية. كما أشار أمير قطر إلى أن بلاده يمكنها التفاوض مع المملكة من موقع قوة. وكما أخبر وزير الخارجية القطري "سي إن إن" مؤخرا، ما زال البلدان "في مرحلة مبكرة للغاية" من عملية إعادة بناء الثقة.

وكانت الأزمة قد بدأت في يوليو/تموز 2017، عندما قطعت السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين ومصر، في خطوة منسقة، جميع العلاقات الدبلوماسية مع قطر وفرضت حصارا عليها، متهمةً إياها بدعم الإرهاب والالتحاق بركب إيران وتركيا، المنافسين الإقليميين للرياض. ونفت قطر بشدة هذه الاتهامات، التي صاغتها الكتلة في قائمة تضم 13 مطلبا لإنهاء الأزمة، بما في ذلك قطع العلاقات مع إيران، وإغلاق شبكة "الجزيرة" الإخبارية في الدوحة، وإنهاء الدعم لـ"المنظمات الإرهابية والطائفية والأيديولوجية"، بما في ذلك جماعة "الإخوان المسلمون".

ولم يكن هدف السعودية والإمارات من الحصار تقليص دعم الدوحة للجماعات الإسلامية فحسب، بل أيضا إعادة توجيه سياستها الخارجية بعيدا عن البلدان والأحزاب التي تُعتبر معادية للمصالح السعودية والإماراتية. لكن بدلا من إدراك تلك المطالب الشاملة، دفع الحصار قطر إلى تعميق علاقاتها مع تركيا وإيران.

ومنذ عام 2017، زادت الدوحة وأنقرة من تدفقات التجارة والاستثمار الثنائية والتبادلات الدبلوماسية رفيعة المستوى والتعاون العسكري. وعززت إيران صادرات المواد الغذائية إلى قطر، مما ساعد على تخفيف اعتماد الدوحة على جسرها البري مع المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بالواردات الزراعية. وعلى الرغم من أن الحصار قد قلل من رغبة قطر في دعم الإسلاميين في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، إلا أنها لا تزال تشارك بنشاط في جهود حل النزاعات في شرق أفريقيا وقطاع غزة.

وتمكنت قطر بفعالية من التحايل على آثار الحصار من خلال مزيج من الموارد الاقتصادية والقوة الناعمة، ومن خلال تعزيز العلاقات مع الدول العربية الأخرى.

وفي العام الماضي، قدمت قطر إلى الأردن حزمة مساعدات بقيمة 500 مليون دولار لتعزيز اقتصادها المتعثر، بما في ذلك فرص عمل مضمونة لـ10 آلاف أردني في قطر. وقد آتى هذا الاستثمار ثماره الصيف الماضي، عندما وافق الأردن على تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، بعد خفض مستوى العلاقات عام 2017.

وقد تعزز الموقف التفاوضي لدولة قطر عبر استجابة وطنية مثالية من سكانها، الذين احتشدوا حول قيادة الأمير "تميم"، وعبر اقتصادها القوي. وانتعش نمو الناتج المحلي الإجمالي السنوي من 1.6% إلى 2.1% في عام 2018، ومن المقرر أن يرتفع إلى 3.4% بحلول عام 2021. ومن المتوقع أن تحتفظ الحكومة أيضا بفائض في الميزانية لعام 2019.

ومن ناحية أخرى، تجد السعودية نفسها في وضع أضعف الآن مما كانت عليه في عام 2017، حيث تكافح من أجل التصدي لانتقادات دولية بسبب مجموعة من القضايا، بما في ذلك سجلها المحلي في مجال حقوق الإنسان، ومقتل الصحفي "جمال خاشقجي" عام 2018 في القنصلية السعودية في إسطنبول، والحرب التي تقودها السعودية في اليمن. وستعود جميع هذه القضايا إلى دائرة الضوء في عام 2020، حيث أصبحت السعودية أول دولة عربية تتولى الرئاسة الدورية لمجموعة العشرين. وستكون هذه فرصة مهمة لإعادة ضبط خطوات السياسة الخارجية للمملكة، وإعادة تحديد شكل القيادة المضطربة لولي العهد "محمد بن سلمان"، بدءا من حل الأزمة مع قطر.

وتعمل الولايات المتحدة، الشريك الأمني ​​الأكثر أهمية للمملكة، على دفع جميع الأطراف المشاركة في النزاع للتغلب على خلافاتهم في محاولة لجعل سياسة الرئيس "دونالد ترامب"، المتمثلة في "أقصى ضغط" على إيران، أكثر فعالية. ويعدّ هذا تحولا كبيرا بعد أن رحب "ترامب" في البداية بالحصار المفروض على قطر، حتى أنه بدا وكأنه ينسب إلى نفسه الفضل في ذلك.

وكان لدى وفد الولايات المتحدة إلى منتدى الدوحة السنوي لهذا العام، في ديسمبر/كانون الأول، رسالة واضحة ومتسقة بشكل غير معتاد، مفادها أن الانقسامات بين الحلفاء الأمريكيين في الخليج لا تخدم المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة، وأن إدارة "ترامب" تدعم قطر بالكامل، التي تستضيف أكبر قاعدة عسكرية أمريكية في الشرق الأوسط.

ولن يتم تفويت هذه الرسالة في الرياض. وفي الوقت نفسه، أظهرت الهجمات الإيرانية الأخيرة على المنشآت النفطية في شرق السعودية حدود الضمانات الأمنية الأمريكية، مما جعل وحدة مجلس التعاون الخليجي أولوية عليا للمملكة.

نتيجة لذلك، فإن لدى الرياض كل الأسباب لدفع المحادثات والتوصل إلى اتفاق، عاجلا وليس آجلا. وتحرص قطر أيضا على تطبيع العلاقات مع شركائها في مجلس التعاون الخليجي. ولكن بالنظر إلى أنها نجحت في التغلب على العاصفة، وتجد نفسها في وضع تفاوضي قوي، فمن المحتمل ألا تفعل ذلك دون الحصول على بعض الضمانات أولا. على سبيل المثال، لن تقطع قطر أو تقلل من علاقاتها مع تركيا، لأن هذه العلاقة أثبتت جدواها، ويرى القادة القطريون أنها موازنة مهمة لطموحات السعودية الإقليمية الأوسع.

ومن المرجح أن تقدم الدوحة ضمانات هادئة بشأن حدود علاقتها بإيران، في حين أن بقية المطالب الـ13 قد يتم وضعها على الرف. وقد يتم الوصول في النهاية إلى ما يشبه الاتفاقية التي حلت صدعا سابقا في مجلس التعاون الخليجي عام 2014 في أعقاب الربيع العربي، على الرغم من أن هذا الاتفاق لم يتم نشره على الإطلاق، وهناك بعض الخلاف حول ما ينطوي عليه، خاصة فيما يتعلق بدعم قطر مجموعات مثل جماعة "الإخوان المسلمون".

ومع ذلك، فإن حقيقة أنه من مصلحة الطرفين حل الخلاف لا يعني بالضرورة أن الحل سيكون سلسا. وتعرف قطر أن السعودية في عجلة من أمرها، لذلك ستتمهل حتى يتم تلبية مطالبها. وبعد أيام قليلة من تفويت أمير قطر قمة دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض، حضر في تجمع لزعماء من العالم الإسلامي في كوالالمبور، وهو اجتماع حضره أيضا زعماء إيران وتركيا، في حين تم تجاهل السعودية والإمارات. ومن الواضح أن قطر تنوي الإشارة إلى أنه حتى إذا كانت تقوم بإصلاح الأسوار مع جيرانها في الخليج، فإنها لن تتخلى عن شراكاتها الجديدة، ولن تعيد تنظيم نفسها داخل المدار السعودي.

وبالنسبة للسعودية، فإن السؤال المطروح هو ما إذا كانت ستتمسك بمواءمة سياستها الخارجية مع الخط المتشدد لدولة الإمارات، على الرغم من المخاطر الاقتصادية. ولا تعد الرياض في وضع جيد للمساومة، بالنظر إلى جهودها لإعادة تأهيل سمعتها العالمية، وحاجتها الماسة إلى الاستثمار الأجنبي لتحفيز جدول أعمال ولي العهد الاقتصادي الطموح.

ويعني هذا أنه من المرجح أن يتم الوصول إلى حلول وسط لم تكن متصورة قبل عامين فقط، حتى لو كان ذلك يعني انفصال السعودية عن الإمارات بشأن عزل قطر والضغط على إيران. ومع تحول الضوء إلى المملكة في قمة مجموعة العشرين قريبًا، من المحتمل أن تقرر المملكة أن ابتلاع كبريائها بالتصالح مع قطر أكثر أهمية من الاستمرار في النزاع لمجرد إثبات وجهة نظرها.

المصدر | وورلد بوليتكس ريفيو - ترجمة الخليج الجديد