الثلاثاء 7 يناير 2020 11:18 ص

تراقب الجزائر، باهتمام شديد تطورات الوضع المتأزم في ليبيا، وتلتزم في الوقت ذاته بعدم التدخل في شؤون الجارة الشرقية وعدم دعم أي طرف من الأطراف المتناحرة.

وتعتبر ليبيا عمقًا استراتيجيًا بالنسبة للجزائر، حسب تصريحات سابقة لمسؤولين محليين، فيما يجمع خبراء على الارتباط الوثيق لأمن البلدين، وهو ما يبرر اعتزام القيادة الجزائرية الجديدة تفعيل دورها في حل الأزمة.

وبعد مساعي وساطة قامت بها خلال السنوات الماضية بين مختلف أطراف الأزمة الليبية، غابت الجزائر عن المشهد في جارتها الشرقية خلال الأشهر الماضية بسبب أزمة داخلية، تمثلت في انتفاضة شعبية أطاحت بالرئيس السابق "عبدالعزيز بوتفليقة".

وعقب تنصيبه في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي أعلن الرئيس الجديد، "عبدالمجيد تبون"، أن الأزمة الليبية ستكون ضمن أولويات السياسة الخارجية في عهده.

وبعد أيام فقط من تنصيبه أعلنت الخارجية الجزائرية إطلاق مبادرات حول الأزمة الليبية، لم تكشف عن مضمونها، كما استقبلت رئيس حكومة الوفاق، "فايز السراج"، وكذا وزير الخارجية التركي، "مولود جاويش أوغلو" الذي أعلنت بلاده بداية نشر قوات في ليبيا بناء على طلب من حكومة "السراج".

كما أعلنت الرئاسة الجزائرية، الإثنين، أن المستشارة الألمانية، "أنجيلا ميركل" وجهت دعوة رسمية للجزائر لحضور مؤتمر برلين حول ليبيا، وذلك بعد إقصائها منه سابقا بشكل أثار رفض السلطات المحلية.

دور مسهل

وعكس دورها في مسار الأزمة بالجارة الجنوبية مالي، حيث قادت وساطة دولية قبل سنوات كللت باتفاق للسلام، لم تلعب الجزائر دورًا مركزيًا في مسار الحل الذي ترعاه الأمم المتحدة في ليبيا، واكتفت بدور المسهل والمشجع لليبيين على الاتفاق فيما بينهم على مخرج توافقي.

وقامت سنة 2015، بوساطة بين الفرقاء الليبيين، في الجلسات الممهدة لاتفاق الصخيرات الذي يعرف "بالاتفاق السياسي".

واستقبلت الخارجية الجزائرية بشكل دوري، ممثلي أحزاب وشخصيات سياسية ليبية، كما استقبلت عدة مرات المبعوث الأممي الى البلاد ورئيس المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق، "فايز السراج"، الذي تعترف به.

واتخذت الجزائر موقفا رسميا من الأزمة مبني "على الوقوف على مسافة واحدة مع جميع الأطراف الليبية ومساعدتهم على حل مشاكلهم بأنفسهم بعيدا عن التدخلات الأجنبية".

وفي كلمته أمام مجلس الوزراء، الأحد، شدد الرئيس الجزائري، "عبدالمجيد تبون" على أن بلاده لن تحيد عن "واجبي التضامن وحسن الجوار"، في تليمح إلى الوقوف بجانب الدول الجارة وعلى رأسها ليبيا.

وجدد التأكيد على "رفض الجزائر التدخل في شؤون الدول الأخرى والتصدي بكل قوة لكل محاولة للتدخل في شؤونها الداخلية".

وسبق لـ"تبون"، أن قال، في خطاب تنصيبه رئيسًا للبلاد: إن "الجزائر سوف تبذل مزيدًا من الجهد في سبيل تحقيق استقرار ليبيا والحفاظ على وحدتها الترابية والشعبية"، معتبرًا أن ذلك "من واجباتنا، وأولوياتنا".

وفي السياق أوضح الباحث الجزائري المتخصص في الشأن الليبي، "عبدالقادر دريدي"، أن "الجزائر مجبرة كدولة جارة ومعنية بالأزمة الليبية أن يكون لها موقف معين ولكنها أيضا مضبوطة بمرجعيتها في حل الأزمات".

وقال "دريدي"، للأناضول، إن منطلق الجزائر في التعامل مع الأزمة الليبية مرتبط "أيضا بمصالح يجب أن تحافظ عليها مع الأطراف الدولية المتدخلة بشكل أو بآخر في هذه الأزمة".

رفض هجوم "حفتر"

واتخذت الجزائر موقفًا واضحًا من هجوم اللواء متقاعد "خليفة حفتر" على العاصمة طرابلس، وقالت إنه "مرفوض"، كما أدانت الهجوم على الكلية العسكرية بطرابلس.

وقال وزير الخارجية، "صبري بوقادوم"، خلال مؤتمر صحفي مع نظيره التونسي، "خميس الجهناوي" في 26 أبريل/نيسان الماضي، "لا أقبل أن تقصف عاصمة عربية أو مغاربية ونحن نبقى صامتين.. هذا مرفوض مبدئيا".

وأضاف: "على لغة المدافع أن تنتهي فورا".

وكان "حفتر"، قد بدأ هجومًا على العاصمة طرابلس، في 4 أبريل/نيسان الماضي.

وخلف الهجوم، الذي وصفته وكالة الأنباء الجزائرية الرسمية في تقرير لها مطلع الشهر الجاري، بـ"العدوان"، مقتل حوالي 2000 من المقاتلين وقرابة 300 آخرين من المدنيين وتهجير مئات الآلاف، وفق مصادر رسمية ليبية وأممية.

وقال "عبدالقادر دريدي"، إن تصريحات الوزير "بوقادوم" منسجمة مع ثوابت الدبلوماسية الجزائرية المتعارف عليها.

وأضاف أنها "تدخل في الموقف الجزائري المعبر عنه رسميًا في إطار المحافظة على رؤية منسجمة مع المرجعية الدبلوماسية للجزائر في سياقها التاريخي والإقليمي (العربي و الأفريقي)"، القائم على تغليب الحلول السلمية لمعالجة الأزمات.

مبادرات مستحدثة

وتعتزم الجزائر بعث دورها الدبلوماسي في منطقتي شمال أفريقيا والساحل الأفريقي انطلاقا مما يجري في ليبيا.

وقال الرئيس الجزائري، "عبدالمجيد تبون"، في خطاب تنصيبه، إن بلاده "لن تقبل بإقصائها من الحلول المقترحة لتسوية الأزمة في ليبيا".

وجاء ذلك في إشارة إلى مؤتمر برلين المعتزم انعقاده في العاصمة الألمانية بين الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن الدولي، ودون حضور حتى الأطراف الليبية ودول الجوار مثل الجزائر وتونس.

وأعلن وزير الخارجية، "صبري بوقادوم"، الخميس الماضي، اعتزام البلاد إطلاق "مبادرات متعددة في الأيام القليلة المقبلة لدعم الحل السلمي في ليبيا"، من دون أن يوضح شكل تلك المبادرات المعتزم إطلاقها.

وأرسلت الجزائر الجمعة 300 طن من المساعدات الإنسانية، عبر الحدود الجنوبية إلى الشعب الليبي.

واعتبر الباحث "عبدالقادر دريدي"، "مسألة المبادرات السلمية هي طرح تدرك الخارجية الجزائرية أنه غير قابل للتحقيق".

وألمح إلى أن الجزائر باتت مطالبة بإطلاق مبادرات "مستحدثة"، تراعي الأبعاد الدولية المتشعبة في الأزمة.

وأشار إلى فشل مبادرات "دول الجوار الليبي" و"الداخل الليبي" في إطار ما سمي "الحوار الليبي الليبي"، كانت قد أطلقتها في السنوات القليلة الماضية.

وقال: "الجزائر مدركة أن الحل يتجاوز الداخل الليبي وأن الأزمة مرتبطة برهانات جيواستراتيجية بعيدة ومتوسطة المدى يتداخل فيها عدد من الشركاء الدوليين".

وعقد الرئيس الجزائري، أواخر شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، اجتماعا للمجلس الأعلى للأمن، أخذ فيه الوضع في ليبيا الحيز الأكبر.

تعزيز الأمن الحدودي

وفي ظل وضع يتسم بالتعقيد والهشاشة الأمنية مع انتشار كثيف لقطع السلاح، تجد الجزائر نفسها أمام حتمية التعامل مع الأمر الواقع في هذا البلد الجار.

ويرى الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، "بن عمر بن جانا"، أنه انطلاقا من كون "ليبيا عمقًا استراتيجيًا للجزائر، فستكون هناك تداعيات ولو نسبية على الجزائر، فأمن البلدين مرتبط ببعضه البعض".

وقال "بن جانا"، للأناضول، إن تدهور الوضع الأمني واشتداد المعارك سيدفع، الجيش الجزائري، إلى دعم جاهزتيه العملياتية وما تتطلبه من تجهيزات وعتاد وميزانية، خاصة أن البلدين يتقاسمان حدودًا تناهز 980 كم، وكلها عبارة عن صحراء مفتوحة.

ويتخذ الجيش الجزائري عقيدة دفاعية، حيث لا يمكنه القيام بعمليات عسكرية على تراب دولة أخرى بموجب دستور البلاد.

واستطرد أن "الجزائر لا تتعامل مع يجري في ليبيا انطلاقا من حسابات أمنية بحتة، وإنما من مبادئ ترتبط بالتاريخ المشترك والجانب الحضاري، تفرض الوقوف إلى جانب الليبيين".

المصدر | الأناضول