الأحد 26 يوليو 2015 12:07 م

ربما لا نكون مبالغين إذا وصفناه أنه الرجل الأكثر إثارة للجدل في مصر الآن، جل ما يمكن أن نعرف عنه هي معلومات متناثرة من هنا وهناك لا يستطيع أحد أن يجزم بصحة أي منها، قبل أن يفاجيء الجميع بالظهور في تسجيل صوتي يكني نفسه خلاله بـ«أبي عمر المهاجر»، محرضا على الجهاد ضد الجنرال «عبد الفتاح السيسي» وجيشه، معتبرا هذا الجهاد «فرض عين على كل مسلم لا عذر له في القعود عنه»، معلنا عن إشهار تنظيم جهادي جديد يرتبط اسمه بالساحة المصرية لأول مرة يعرف باسم «تنظيم المرابطين».

إنه «هشام علي عشماوي مسعد إبراهيم»، الشهير باسم «هشام عشماوي». يبلغ من العمر 34 عاما (وفقا لبيان صادر عن وزارة الداخلية المصرية)، انضم إلى القوات المسلحة المصرية في تسعينيات القرن الماضي، ولم يعرف عنه أي نشاط سياسي أو ميول لجماعات دينية في هذا التوقيت، قبل أن يلتحق بالقوات الخاصة المصرية (الصاعقة) في عام 1996.

معلومات متضاربة

المعلومات التي تتداولها الصحف المصرية نقلا عما تصفه بمصادر رسمية أن «عشماوي» بدأ يلفت النظر إلى اعتناقه الأفكار المتشددة لأول مرة في عام 2000 حين قام بتوبيخ أحد زملائه بسبب خطأ في قراءة القرآن في الصلاة، حيث تم التحقيق معه عقب هذه الواقعة ونقله إلى العمل الإداري، حيث رصد ي هذه الفترة اعتناقه للفكر الجهادي وقيامه بتوجيه زملائه بعدم طاعة قادة الجيش قبل أن يصدر قرار بفصله من الجيش نهائيا عام 2011 على إثر إحالته لمحاكمة عسكرية في العام 2007.

حتى تاريخ نهاية علاقة «عشماوي» بالجيش يخضع لجدل كبير بين المصادر المصرية من عوام 2009 و2011 بل إن موقع «البوابة نيوز» قد نقل عن زوجته «نسرين على حسن» (مدرس مساعد بكلية البنات بجامعة عين شمس) أنه تم فصله من الجيش في عام 2012، ونقلت مصادر أخرى أن «عشماوي» لم يفصل من الجيش بل قام بتقديم استقالته بعد نقله تأديبا من الصاعقة إلى قوات الدفاع الشعبي.

وفي رواية أكثر مسرحية ودرامية، قالت صحيفة «الوطن» المصرية المقربة من أجهزة سيادية نقلا عما وصفتها بالمصادر الأمنية، أن «عشماوي» قد تم استقطابه من قبل الجماعات المتطرفة بعد دخوله في حالة اكتئاب بعد وفاة والده، وقناعته أن عمله في سيناء كان الحائل بينه وبين والده المريض، مما تسبب في كرهه لعمله وانضمامه إلى خلية من التكفيريين مكونة من 4 ضباط منشقين عن الجيش.

وفي تقرير آخر للصحيفة ذاتها تحت عنوان (15 معلومة عن هشام عشماوي العقل المدبر لعملية اغتيال النائب العام)، زعمت الصحيفة إن «عشماوي» قد سافر إلى سوريا عبر تركيا في مارس/أذار من العام 2013 حيث تلقى تدريبات على عملية صناعة العبوات الناسفة والمتفجرات قبل أن يعود إلى مصر ويشارك في اعتصام رابعة العدوية (تعمد الصحف المصرية المقربة من الدولة إلى التأكيد على مشاركة عشماوي في اعتصام رابعة فيما يبدو أنها سياسة ممنهجة في الربط بين الجماعات المسلحة في سيناء وبينما الصراع القائم على شرعية السلطة بين نظام الجنرال السيسي ومؤيدي الرئيس المعزول من قبل الجيش محمد مرسي)، ثم سافر «عشماوي» مرة أخرى بعد اعتصام رابعة إلى ليبيا حيث تلقى تدريبات في معسكرات تابعة للقاعدة هناك.

العمليات التي شارك فيها «عشماوي»

بتتبع المصادر الصحفية المصرية، وجدنا أن اسم «عشماوي» ارتبط تقريبا بكل العمليات النوعية الكبرى التي ارتبطت باستهداف معسكرات الجيش وقواته في سيناء أو رموز الدولة في العاصمة، بداية من محاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق «محمد إبراهيم» في 5 سبتمبر/ أيلول 2013 بالمشاركة مع «عماد الدين أحمد » و«وليد بدر»، إلى قضية عرب شركس التي تم إعدام المتهمين فيها منذ شهرين وأثارت جدلا واسعا بين القانونيين بسبب الثغرات الواضحة في ملف القضية، إلى مذبحة كمين الفرافرة في 19 يوليو/ تموز 2014، ومذبحة العريش الثالثة (الكتيبة 101(، في فبراير/ شباط 2015، وحتى عملية اغتيال النائب العام المصري «هشام بركات» مطلع يوليو/ تموز الحالي.

عودة إلى الوراء .. الخلافات داخل جماعة «أنصار بيت المقدس»

في 16 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي 2014 نشرت جماعة «أنصار بيت المقدس» المصرية في سيناء تسجيلا يصور أحد عملياتها ضد قوات الجيش (كمين الفرافرة)، وصاحب التسجيل إعلان الجماعة انضمامها الرسمي لتنظيم «الدولة الإسلامية» وبيعة أميرها «أبو أسامة المصري» لـ«أبو بكر البغدادي» خليفة تنظيم «الدولة الإسلامية».

وجاء هذا الإعلان بعد أيام قليلة من ظهور تسجيل صوتي في العاشر من الشهر ذاته يعلن الانضمام الرسمي للجماعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» ومبايعتها للخليفة «البغدادي»، وتغيير اسمها إلى «ولاية سيناء»، جاء في نصه القول «طاعة لأمر الله ورسوله بعدم التفرق ولزوم الجماعة،نعلن مبايعة الخليفة إبراهيم بن عواد بن إبراهيم القرشي الحسيني (أبوبكرالبغدادي)، على السمع والطاعة في العسر واليسر، وفي المنشط والمكره، وألاننازع الأمر أهله إلا أن نرى كفرا بواحا».

وأثيرت في حينه أنباء عن وجود خلافات داخل تنظيم «أنصار بيت المقدس»، أكبر التنظيمات الجهادية المحلية في هذا التوقيت، حول قضية التحول إلى بيعة «تنظيم الدولة»، ورجح الباحثون أن الأجيال الجديدة من المقاتلين هي التي كانت تدفع نحو هذا الاتجاه، وخفت الحديث حول الخلاف تماما من ذلك الحين مع الطفرة الكبيرة في أداء التنظيم بعد انضمامه إلى «الدولة الإسلامية» والتسمي باسم «ولاية سيناء».

تتحدث التقارير عن علاقة تنظيم «أنصار بيت المقدس» (ولاية سيناء) حاليا بتنظيم «الدولة الإسلامية» منذ عام يناير/ كانون الثاني عام 2014، ففي يونيو/حزيران من عام 2014، تحدث تقرير لصحيفة «المونيتور» عن شواهد عدة لانضمام «أنصار بيت المقدس» لتنظيم الدولة (قبل إعلان ذلك رسميا بعدة أشهر)، وأشار التقرير إلى شواهد تؤكد صلة جماعة أنصار بيت المقدس بـ«تنظيم الدولة»، حيث تحدثت الشهادات عن عدد من المقاتلين الذين سافروا للانضمام لصفوف تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا، وقد كانوا قبل السفر يقاتلون في صفوف «أنصار بيت المقدس»، وأن منهم مَن كان يراسل أقرباءه مؤكدًا لهم أن سيناء ستكون تابعة للخلافة الإسلامية قريبًا.

ومع انضمام «أنصار بيت المقدس» إلى تنظيم الدولة، شهد الخط النوعي للعمليات تطورا كبيرا كما تطورت نوعيات الأسلحة التي يستخدمها التنظيم ويحوزها في عملياته، حيث استخدمت السيارات المفخخة والقذائف الصاروخية وقذائف الهاون بداية من عملية كرم القواديس (أكتوبر / تشرين الأول 2014) وما تلاها، وهي العملية التي أعلن التنظيم في أعقابها رسميا بيعته لتنظيم الدولة في العراق والشام.

وارتبط اسم «هشام عشماوي» إعلاميا بالتطور النوعي في العمليات وصار علما مرتبطا بتنظيم «ولاية سيناء»، حتى قرر أن يدخل مصر رسميا إلى خط التنافس على الزعامة الجهادية حول العالم حيث تدور رحى المنافسة الطاحنة بين تنظيمي «القاعدة» و«الدولة الإسلامية»، عبر الشريط الذي بثه على الإنترنت في 21 يوليو/ تموز الحالي، ووفقا للباحث المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية «حسن أبو هنية»، فإن الشريط يبدو  تكرارا لإعلانات التأسيس القاعدي، كما ظهر في تأسيس قاعدة الجهاد في جزيرة العرب 2009، وتأسيس «جبهة النصرة» لأهل الشام 2012، جيث إبراز كلمات «ابن لادن» و«الظواهري» والتركيز على القضية الفلسطينية والنهج الخطابي للقاعدة المتعلق بـ«حرب الأنصار»، على خلاف نهج «الدولة الإسلامية» على الغلبة والقوة وفرض السيطرة المكانية، وتطبيق الشريعة.

جماعة المرابطين

لا يعرف بالتحديد هل علاقة «هشام عشماوي» بعمليات «ولاية سيناء» الأخيرة كانت مجرد أساطير من نسج مخيلة الإعلام أم ماذا؟ محاولة التوفيق بين الرواية الإعلامية وبين التطورات الأخيرة يوقعنا في معضلة صعبة، وهي أن خلافا حدث مؤخرا بين «عشماوي» و«ولاية سيناء» دفعه للابتعاد عن التنظيم وتشكيل خلية جديدة موالية للقاعدة، إلا أن تقارير أخرى بدأت في التوارد تشير إلى أن «عشماوي» يتمتع بصلات جيدة من زعيم تنظيم القاعدة «أيمن الظواهري»، وأن علاقته بالتنظيم قد بدأت تتوثق في أعقاب أحداث كمين الفرافرة في يوليو/تموز 2014 بعد أن تأكد من نية قيادات «بيت المقدس» إعلان بيعتهم للبغدادي.

وجاء اختيار اسم التنظيم الجديد (المرابطين) ليحمل إلى الأذهان دلالات إضافية، حيث يستدعي إلى الذهن تجربة جماعة المرابطين التي تنشط في شمال مالي والنيجر وتتخذ حاليا من جنوب ليبيا مركزا لأنشطتها، والتي نشأت ـ في أغسطس/آب 2013 بعد اندماج كتيبة الموقعون بالدم بزعامة «مختار بلمختار» مع جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا بزعامة «أحمد التلمسي»، الذي قتل على يد القوات الفرنسية في ديسمبر/ كانون الثاني عام 2014، وأكد بيان الاندماج التأكيد على أن التنظيم الناتج عن اتحاد الجماعتين سيتمسك بالولاء لقادة «القاعدة» في أفغانستان، لكن «أبو الوليد الصحراوي» القائد المرابطي أعلن عن بيعته لتنظيم «الدولة الإسلامية» في 14 آيار/ مايو 2015، وبهذا عادت حالة الاستقطاب الثنائي من جديد داخل صفوف التنظيم، بين فريقي «الملثمين» و«التوحيد والجهاد».

ورغم أن تنظيم الدولة الإسلامية «ولاية سيناء» لم يصدر عنه تعليقا رسميا بعد بشأن تشكيل تنظيم المرابطين، إلا أن تعليقات المؤيدين للتنظيم تشير إلى حالة بارزة من السخط والاستقطاب حيث قال «أبو زيد الليبى» أحد المرتبطين بالتنظيم: «(عشماوى) في حكم المرتد، لأنه فرّق الجماعة، وخرج عن رأى المؤمنين داخل (بيت المقدس)»، مضيفا عبر أحد المواقع الجهادية: «جماعة (الظواهرى) بالكامل مرتدة، لأنها لم تبايع (البغدادى)، وبالتالي يجب وقف التعامل معهم أو دعمهم».

اختراقات في صفوف الجيش

رغم ضعف الحالة الجهادية المصرية عموما عبر تاريخا مقارنة بالتجارب التاريخية والمستحدثة للجهاديين، ورغم الضربات المتلاحقة التي تعرضت لها من قبل الجيش في مصر، إلا أن النظرة العابرة لا يمكن أن تتغافل مطلقا دور الضباط المنشقين على مدار التاريخ الجهادي المصري، بداية من السبعينيات والثمانيات حين قام ضابط المدفعية «خالد الإسلامبولي» وضابط المخابرات الحربية «عبود الزمر»، والضابط في سلاح الدفاع الجوي «عبد الحميد عبد السلام» بالتخطيط وتنفيذ عملية اغتيال الرئيس المصري الأسبق «أنور السادات»، ونجاح تنظيم القاعدة في تجنيد الضابط السابق في الجيش المصري «سيف العدل» ليصل إلى مرتبة قيادية متقدمة في التنظيم.

ومؤخرا برز اسم عدد آخر من الضباط المنشقين في العمليات التي استهدفت مواقع ورموز الدولة المصرية ومنهم الضابط «وليد بدر» الذي ارتبط اسمه بمحاولة اغتيال وزير الداخلية الأسبق «محمد إبراهيم»، والضابط «عماد عبد الحليم» الذي ارتبط اسمه بعملية كرم القواديس، والضابط «أحمد عامر» الذي ارتبط اسمه بعملية اختطاف أحد لانشات البحرية المصرية في نوفمبر/تشرين الثاني لعام 2014.

ويرجع الباحث المصري «خليل عناني» أسباب هذه الظاهرة إلى «حالة الرفض الواسعة والتذمر بين الضباط لممارسات الجيش المصري ضد أهالي سيناء مما دفعهم إلى حالة من التعاطف»، وتشير أنباء غير مؤكدة أن هناك عدد آخر من ضباط وجنود الجيش يخضعون لمحاكمات شديدة السرية بعد اكتشاف علاقات تربطهم بتنظيمات جهادية.