الأحد 26 يوليو 2015 12:07 م

في أعقاب الهجوم الأخير من قبل عناصر تابعة أو تعمل لحساب تنظيم «الدولة الإسلامية» في منطقة سروج الحدودية في تركيا، بات هناك حاليا فهم متزايد بأن تركيا بحاجة إلى قيادة سياسية قوية. وهذا هو السبب الذي يجعل من الجهود المضنية المبذولة في الوقت الراهن لتشكيل الحكومة التركية المقبلة وصياغة سياسة خارجية جديدة، ضرورة عاجلة وملحة.

وقبل الهجمات، كانت هناك بعض التغيرات الإيجابية في السياسة الخارجية التركية وجها لوجه مع الأزمة السورية. وهناك علامات تظهر الآن أن الموقف التركي يتقارب ببطء مع الولايات المتحدة بشأن التعاون مع الأكراد السوريين في النضال ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».

ويمثل قرار تركيا يوم الخميس الماضي بفتح قاعدة إنجرليك الجوية التابعة للناتو أمام طائرات الولايات المتحدة والطائرات بدون طيار، قبيل الهجمات الفعلية التي شنتها عناصر تابعة للدولة الإسلامية على تركيا، وأسفرت عن مقتل ضابط صف وإصابة جنديين، تطورا هاما جدا. وإلى جانب ذلك، فإن تسيير وإدخال دوريات على طول الحدود السورية، والذي يتضمن بناء «جدار معياري»، وبناء سياج من الأسلاك، وحفر خنادق إضافية، يؤكد أن أنقرة مستعدة للعمل بشكل وثيق مع حلفائها الغربيين.

ومع ذلك، فإن السؤال الأكبر هو ما إذا كانت الحكومة المقبلة المنبثقة عن انتخابات يونيو/حزيران سوف تتحرك على طول هذه الخطوط السياسة. حزب العدالة والتنمية يسيطر حاليا على 258 مقعدا (من مجموع 550)، وقد كان بحاجة لـ18 مقعدا إضافي ليصبح الأغلبية المطلقة المطلوبة لتشكيل حكومة دون الحاجة لائتلافات مع غيره. وأمام رئيس الوزراء «أحمد داود أوغلو» حتى 28 أغسطس/آب لتشكيل ائتلاف، وإلا فإن الرئيس «رجب طيب أردوغان» لديه الحق الدستوري في الدعوة إلى انتخابات مبكرة. ويدرس رئيس الوزراء حاليا هذا الاحتمال مع حزب الشعب الجمهوري. وإذا فشلت هذه المحادثات، فمن المتوقع أن يحاول مد يده إلى حزب الحركة القومية. وفي المقابل، فإنه لا ينظر إلى حزب الشعوب الديمقراطي الكردي على أنه شريك محتمل خلال الفترة المقبلة.

لا شك أن الأزمة السورية ليست هي «الأزمة» الوحيدة التي سيكون على الحكومة الجديدة التعامل معها. وقد كان نهج حزب العدالة والتنمية في المنطقة سببا في تنفير العديد من الدول والنأي بنفسها عن تركيا، ومن المرجح أن «اتفاق السلام» الآن بين ايران ومجموعة الخمس زائد واحد سوف يؤدي بتركيا إلى مزيد من العزلة. وقد تسبب هذا الوضع في ابتعاد الاستثمارات، وفقد الاقتصاد ديناميكيته السابقة. إن عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي قد وصلت هي الأخرى إلى طريق مسدود. ولا يزال الصراع في قبرص ومع أرمينيا بعيدا عن أي حل ممكن. وهناك أيضا «السؤال» الكردي الذي ما زال لم يعثر على إجابة صحيحة. أحد مجموعات الائتلاف سيكون عليها معالجة هذه القائمة الضخمة من تحديات السياسة الاقتصادية والخارجية، ولذلك فمن المهم النظر في أيها سوف يكون أكثر تناسبا لمستوى تلك المهمة.

الشراكة مع القوميين

وعلى صعيد العلاقات مع «الغرب» فإن تشكيل ائتلاف مع حزب الحركة القومية من المرجح أن يحقق الحد الأدنى من التغيير في السياسة الخارجية الحالية لتركيا. ومن حيث المبدأ، فإن «دولت بهجلي»، زعيم حزب الحركة القومية، يدعم حصول تركيا على عضوية الاتحاد الأوروبي، على الرغم من أن وفاءه بذلك هو أمر قابل للنقاش ومحل للجدل. وبعد كل شيء، كان الخلاف حول الاتحاد الأوروبي الذي دفعه إلى الانسحاب من الحكومة الائتلافية في عام 2002، ما استلزم اجراء انتخابات مبكرة، وتسبب في جلب حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في نهاية ذلك العام. وعلاوة على ذلك، كان البيان الانتخابي لحزب الحركة القومية أكثر تركيزا على القوقاز والشرق الأوسط والبلقان. وخصص فقط بضعة أسطر لمناقشة شؤون الاتحاد الأوروبي.

ومؤخرا، شارك حزب العدالة والتنمية موقف حزب الحركة القومية الفاتر تجاه الاتحاد الأوروبي. على الرغم من أن «داود أوغلو» يؤكد كثيرا على مركزية الاتحاد الأوروبي والانضمام له في أجندة السياسة الخارجية لتركيا، إلا إن حكومته لا تعطي اهتماما لتنفيذ المبادئ التوجيهية المتعلقة بعضوية الاتحاد الأوروبي. وعلى سبيل المثال، في عهده شهدت تركيا اعتماد تشريع جديد عمل بشدة على تجويف بعض الإصلاحات الليبرالية السابقة ذات الصلة في الاتحاد الأوروبي. وفي ظل كوكبة من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية فمن المرجح أن يستمر هذا النمط. ومن الجدير بنا أن نتذكر أن كلا الطرفين في نهاية المطاف سوف يكون بينهما تنافس على قاعدة الناخبين القومية والاسلامية، والتي عادة ما تكون غير داعمة لعضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي. ومن غير المرجح أن مثل هذا التحالف سوف يدفع لإحياء مفاوضات العضوية مع الاتحاد الأوروبي.

ويمكن أن يعمل علو نبرة القومية أيضا ضد حل النزاع مع قبرص. ويجادل «بهجلي» بأن الحل يجب أن يستند إلى قبول «منطقتين ومجتمعين وحكومتين» بالنسبة للجزيرة. وهذا يضع «بهجلي» على خلاف مع الرئيس التركي لشمال قبرص «مصطفى أكينسي»، والذي يؤيد إعادة توحيد الجزيرة.

وأثارت رؤية «أكينسي» للجزيرة، والتي تشمل استقلالا أكبر عن تركيا، أيضا غضب حزب العدالة والتنمية. ومن غير المحتمل أن يعود «داود أوغلو» لدعم إعادة توحيد الجزيرة كما فعل ذات مرة عندما كان يطبق سياسة «صفر مشاكل مع الجيران» بشكل تام، في عام 2004، كان قد أعلن تأييده لقرار القبارصة الأتراك بالتصويت لصالح خطة عنان في الأمم المتحدة، والتي قدمت آنذاك للاستفتاء عليها.

وفيما يتعلق بالمسألة الكردية، فإن أي شراكة بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية ربما تغلق الفرصة الكردية المتاحة بشكل نهائي. وهذه الفرصة المتاحة مهد «أردوغان» لها الطريق في عام 2012، عن طريق محاولة صياغة تسوية سياسية للمشكلة الكردية، وهي الجهود التي لطالما انتقدها «بهجلي» دوما. ويعارض «بهجلي» كذلك بشدة أي محاولات قد تؤدي إلى «تفتيت الوحدة الوطنية إلى هويات عرقية وسياسية وقانونية». وهو مقتنع أن «الفرصة المتاحة» من شأنها أن تؤدي إلى الحكم الذاتي الإقليمي للأكراد في تركيا، والتسبب في انتهاء غير مقبول للدولة التركية الوحدوية.

وهذا من المرجح أن يحصل على دعم «أردوغان» أيضا. فمنذ نجاح حزب الشعوب الديمقراطية في اقتراع 7 يونيو/حزيران، اعتمد «أردوغان» موقفا أكثر تشددا بشأن القضية الكردية. والآن، وبما أن القوميين الأكراد تربطهم صلات وثيقة مع حزب العمال الكردستاني، ومع إنهاء المنظمة الانفصالية الكردية المتطرفة الهدنة التي كانت قائمة منذ عام 2012، فإنه من غير المحتمل أن حزب العدالة والتنمية سيكون قادرا على الاستمرار في دعم فكرة التسوية السياسية.

وما يثير القلق أكثر، أنه لا يوجد حزب واضح بخصوص اتجاه السياسة الخارجية تجاه منطقة الشرق الأوسط. كلاهما يتصور تركيا كزعيم بلا منازع في المنطقة، ولكن لا يوجد واحد منهما حدد نوع القيادة التي ستكون تركيا قادرة على توفيرها. وفي الوقت الراهن، تعيش تركيا حالة من الصراع العميق مع مصر وإسرائيل وليبيا وسوريا واليمن، وليس لديها علاقات دبلوماسية على مستوى السفراء مع أي منهم. وربما يطالب «بهجلي» بتحسين العلاقات مع مصر، نظرا لنفوذ الأخيرة في العالم العربي، لكن من غير الواضح كيف أن ائتلاف حزب العدالة والتنمية والحركة القومية سيدير العلاقات مع الدول الأربع الأخرى.

ويعد صمت حزب الحركة القومية بشأن الأزمة السورية من الأمور المثيرة للقلق أيضا. إنه يطرح فقط ضرورة أن الأمة يجب أن تدافع ضد التهديدات الأمنية، ولكنه فشل في توضيح كيفية تعامل قيادتها مع «الدولة الإسلامية» أو ما إذا كان سيتم التعاون مع الأكراد السوريين ضد التنظيم. وبناء على نفور حزب الحركة القومية من أي هوية سياسية كردية، فإن هذا الائتلاف قد يتدخل عسكريا في سوريا لمنع تشكيل دولة كردية في المنطقة.

وكما تمت الإشارة أعلاه، ربما يكون حزب العدالة والتنمية قد اتبع نهجا تعاونيا تجاه الأكراد السوريين والولايات المتحدة الأمريكية. ومع ذلك، لا يزال فصيل داخل الحزب لا يوافق على أي شيء يحيد عن الخط الذي وضعه «أردوغان» بنفسه. وفي حال التوصل إلى تحالف يجمع حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية، فإن ما يفضله هذا الفصيل بعينه قد يسود بشكل جيد، ويتراجع عن التغييرات الأخيرة الخاصة بسياسة أمن تركيا.

ملامح شراكة مع حزب الشعب الجمهوري

وفي كثير من النواحي، تحرك هذه الكوكبة إمكانية تحويل تركيا إلى خط أكثر واقعية. أولا وقبل كل شيء، من المتوقع أن حزب الشعب الجمهوري سوف يستكشف سبلا جديدة للتعاون مع «الغرب» وخاصة الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي قبل كل شيء. وفي ضوء استطلاعات الرأي الأخيرة، من المرجح أن يقدّر الجمهور التركي أي التزام قوي بهذه المؤسسات. ويلعب هذا الموقف أيضا دورا بناء فيما يتعلق بجهود رفع مستوى الاتحاد الجمركي وإحياء مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.

ويركز حزب الشعب الجمهوري أيضا على إنهاء العزلة التركية المتنامية في المنطقة. وهذا يجب أن يدفع القيادة للتغلب على المأزق الدبلوماسي مع الدول المجاورة، إنها خطوة مهمة ليس بالضرورة أن يدافع عنها ائتلاف العدالة والتنمية والحركة القومية.

أولا وقبل كل شيء، سيكون هناك دعوة لوضع حد للتدخل في الشؤون الداخلية لمصر من قبل المدافعين عن قضية قيادة الإخوان المسلمين، التي أطيح بها في الثالث من يوليو/ تموز في عام 2013 إثر انقلاب عسكري مصري نفذه الرئيس الحالي «عبدالفتاح السيسي» ووضع نفسه على رأس الدولة. وإذا ما نجح ذلك الأمر، ووصل لمستوى إعادة العلاقات الدبلوماسية رفيعة المستوى مع القاهرة، فإن هذا يمكنه أن يحسن العلاقات الاقتصادية مع مصر في وقت تقلصت فيه أسواق التصدير التركية وباتت محدودة للغاية. وعلاوة على ذلك، فمن المتوقع أن يقدم حزب الشعب الجمهوري على «تطبيع» العلاقات مع إسرائيل، حيث إن العلاقات دخلت في حالة جمود دبلوماسي منذ وقوع حادث مرمرة في يونيو/حزيران عام 2010.

وفيما يتعلق بالأزمة السورية، فقد تكون التطورات الإيجابية في الانتظار. ووفقا للبيان الانتخابي، فإن حزب الشعب الجمهوري «يقف تماما ضد المنظمات الإرهابية التي ترسخ أنفسها في الأراضي التركية»، ما يعد انتقادا واضحا للممارسات الرخوة على الحدود من إدارة حزب العدالة والتنمية، ولا سيما تجاه «الدولة الإسلامية». هذا الموقف الأكثر صرامة ضد «الدولة الإسلامية»، الذي يكمل التغييرات الأخيرة في سياسة «داود أوغلو» فيما يخص سوريا، يمكن أن يبقي سياسات تركيا في حالة اتساق وتناغم مع تلك التي يتبناها الحلفاء الغربيين، وتذيب الجليد والصقيع المتراكم على علاقات تركيا مع الولايات المتحدة.

وجها لوجه مع النزاع في قبرص، فإن حزب الشعب الجمهوري يهرول سيرا على نفس المنوال الأكثر تقليدا. ويصمم زعيم حزب الشعب الجمهوري «كمال قليتش دار أوغلو»على حتمية حصول تقسيم دائم للجزيرة تحت إشراف واعتراف دولي. كما أنه من القوميين الذين يفضلون المصالحة مع أرمينيا، شريطة أن تتوقف جماعات الضغط الأرمنية عن مهاجمة تركيا من خلال «التأكيدات المستمرة على الإبادة الجماعية». ومع ذلك، فإنه بدعم من الأصوات الأكثر اعتدالا في حزب الشعب الجمهوري، قد تكون هناك فرصة أمام رئيس الوزراء «داود أوغلو» لكي يعيد إحياء سياسة «صفر مشاكل مع الجوار»، علاوة على العثور على صيغة يكسر بها الجمود بشأن الصراع مع قبرص (بمعنى: إعادة استكشاف خطة عنان التي تم التصويت عليها في الأمم المتحدة)، وتطبيع العلاقات مع أرمينيا.

بينما نمضي قدما إلى أبعد من ذلك

لقد أعلن «أردوغان» عن رغبته الأولى، والتي تمثلت في «إعادة» الانتخابات، وربما يتم إجرائها في شهر نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. أضاف «أردوغان» أنه يأمل في «عادة» الانتخابات أن تكون بمثابة فرصة جديدة لحزب العدالة والتنمية ليحصل على ما يكفي من الأصوات لتشكيل الحكومة بمفرده. ومع ذلك، تشير استطلاعات الرأي إلى أن أي انتخابات مبكرة في هذا الوقت قد لا تغير من شكل الصورة كثيرا. وقد جادل بعض قادة حزب العدالة والتنمية، مثل «بولنت أرينج»، أن إجراء انتخابات في نوفمبر/تشرين الثاني سيكون مضيعة للوقت والمال، وأن من الأفضل احترام إرادة الناخبين التي خلصت إلى تلك النتيجة الحالية.

وضد هذه الفوضى التي تسود المنطقة، فإن عدم وجود حكومة يكلف تركيا تكلفة باهظة على المستويين السياسي والاقتصادي من دون أدنى شك. إن الهجوم الأخير في منطقة سروج الحدودية ، فضلا عن الاشتباكات المتكررة هذا الأسبوع عبر الحدود مع عناصر «الدولة الإسلامية» بمثابة أيضا تذكير صارخ بالتهديدات المتزايدة للأمن القومي التركي. وهناك حاجة ماسة إلى حكومة قوية لمواجهة مثل هذه التحديات، ويبدو أن شراكة تجمع حزب العدالة والتنمية مع حزب الشعب الجمهوري ستكون «أكثر استعدادا وجاهزية» لتحقيق ذلك. ومع أجندة خارجية تم إعدادها لإعادة النظر في سياسة «صفر مشاكل مع الجيران» الناجحة الخاصة بـ«داوود أوغلو»، ودخول تركيا أكثر إلى الحظيرة الغربية، فإنها قد تعطي نتائج أفضل في تركيا وتحقق الاحتياجات الأمنية للجوار. كما سيرسل الاستقرار الإقليمي الكبير الرسالة الصحيحة إلى المستثمرين، ويجذب رأس المال اللازم لإنعاش الاقتصاد وتحقيق معدلات النمو التي كانت موضع حسد من العالم.

وسوف يكون على القيادتين الآن أن يعملا بجد لإثبات قدرتهم على تقديم تنازلات، بالإضافة إلى تجاوز مصلحتهم الحزبية الضيقة، إنهما صفتان من الصفات المعروف عدم توفرهما بغزارة في السياسة التركية.