الأربعاء 15 يناير 2020 04:36 م

هل ستمضي روسيا خلف رغبة الجنرال الليبي "خليفة حفتر" بالتصعيد ورغبة قواته في محيط طرابلس العاصمة في استئناف المعارك حتى السيطرة على العاصمة أم أن روسيا يمكن أن تتبنى مقاربة جديدة تجاه الملف الليبي؟

سؤال تصدر اهتمامات مراقبي الشأن الليبي بعدما غادر "حفتر" موسكو يوم الثلاثاء 13 يناير/كانون الثاني، رافضا التوقيع على اتفاق تثبيت الهدنة رغم توقيع رئيس حكومة الوفاق "فائز السراج" على الاتفاق الذي تم التوصل إليه برعاية روسية تركية وحظي بترحيب دولي.

وعزز من أن هناك تعارضا ظاهرا فيما يبدو بين رهان موسكو السابق على "حفتر" ودعمها له من جانب، واتفاق الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" مع نظيره التركي "رجب طيب أردوغان" بشأن التسوية في ليبيا، خلال لقائهما الأخير، من جانب آخر، وهو الاتفاق الذي يبدو أن "حفتر" أدار ظهره له في النهاية.

ومن الواضح أن روسيا مارست ضغوطا على "حفتر" لحضور مفاوضات موسكو عن طريق الاعتراف بوجود "مرتزقة روس" في ليبيا، ورفع الغطاء الرسمي عن تواجدهم، حيث صرح الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" بأن هؤلاء المسلحين الذين يدعمون قوات "حفتر" في ليبيا "لا علاقة لهم بموسكو ولا يمثلونها رسميا".

انسحاب المرتزقة 

تزامنت تصريحات "بوتين" المشار إليها مع انسحاب ميداني جزئي للمرتزقة الروس من ساحة القتال الليبية، حسبما أعلن آمر قوة الإسناد التابعة لحكومة الوفاق الليبية "ناصر عمار"، وفقا لما نقلته وكالة "الأناضول"، ويعد هؤلاء المرتزقة أحد المرتكزات الأساسية لعمليات جيش الجنرال الليبي، بحسب المحلل السياسي "عبدالسلام الراجحي"، الذي نوه إلى دورهم الأساسي في تمكين "حفتر" من التقدم نحو طرابلس.

ويشير تراجع "حفتر" عن توقيع اتفاق تثبيت الهدنة في اللحظات الأخيرة، بعد ضغوط تعرض لها من أبوظبي، يشير إلى أن الجنرال الليبي يعتبر الإمارات راعيه الرئيسي وليس روسيا، إذ لا تزال أبوظبي ترفض التوصل إلى أي حل توافقي مع حكومة الوفاق الليبية وتطمح إلى "حسم عسكري" لا يبدو أن قوات "حفتر" قادرة عليه رغم شنها هجمات متتالية على العاصمة الليبية منذ 4 أبريل/نيسان الماضي.

واستنادا إلى هذا الإدراك الروسي، جاءت صيغة التوافق بين "بوتين" و"أردوغان"، باعتبارها الحل الأكثر واقعية لموسكو، فمن ناحية سوف تتجنب موسكو الدخول في صدام عسكري محتمل مع أنقرة في ليبيا، ومن ناحية أخرى فإنها ستحافظ على علاقة جيدة مع جميع الأطراف، وتحفظ صورتها كصانع سلام وفق رأي المحلل الروسي "إيليا بولونسكي".

ويقر الخبير الروسي، في مقال نشره بصحيفة "فوينيه أوبزرينيه" (محلية)، أن السيناريو الأمثل لموسكو في ليبيا هو انتصار "حفتر" وإرساء سيطرته على كامل أراضي البلاد، خاصة أنه مدعوم من الفرنسيين أيضا، حيث يرون فيه القائد العسكري الذي سيعيد النظام في بلاده بسرعة دون التقيد بـ"التقاليد الديمقراطية" التي يتحدث عنها السياسيون الممثلون لحكومة الوفاق.

لكن السياسة هي فن الممكن، ولا تنطوي بالضرورة على أفضل الخيارات، خاصة في ظل تقديم "حفتر" نفسه الولاء للإمارات على مصالح روسيا، وبدء إرسال تركيا في إرسال قوات برية لدعم حكومة الوفاق في طرابلس، ما يعني أن أنقرة قررت ألا تسمح لـ"حفتر" بالإطاحة بالحكومة المعترف بها دوليا.

ووفق صيغة التوافق التركية الروسية، فإن مهمة موسكو الرئيسية حاليا تتمثل في منع تصعيد النزاع وجمع المتحاربين إلى طاولة المفاوضات، على أن يتم لاحقا تشكيل حكومة ائتلافية في ليبيا تشمل مؤيدي "حفتر" وأنصار "السراج" معا.

تفاوض اضطراري

في هذا السياق، من المرجح أن رفض "حفتر" توقيع اتفاق تثبيت الهدنة، سوف يدفع روسيا لتقليص دعمها الميداني له، وسوف يزيد أيضا من الضغوط الدولية التي يتعرض لها الجنرال الليبي، خاصة أن اتفاق التهدئة حظي في النهاية بمباركة العديد من القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا وبعثة الاتحاد الأوروبي لدى ليبيا.

ولذا يتوقع الخبير في المجلس الروسي للعلاقات الدولية "نيكولاي سوركوف" أن يضطر "حفتر" إلى التفاوض مجددا إذا واجه ضغوطا متزايدة في المؤتمر الدولي المزمع بشأن ليبيا في برلين يوم 19 يناير/كانون الثاني الجاري، وفق الموعد الأخير الذي أعلنه المتحدث باسم الحكومة الألمانية "شتيفن زايبرت".

ونوه "سوركوف" إلى أيضا أن موسكو في طريقها لتغيير طريقة معالجتها للملف الليبي، بعد أن منحت الفرصة لـ"حفتر" على المستوى الميداني دون جدوى منذ أبريل/نيسان الماضي، ما أوصل المسؤولين الروس إلى قناعة بـ"عجز جيشه عن مقارعة قوات مصراته الموالية لحكومة الوفاق"، وفقا لما نقلته قناة "الجزيرة".

ومع كون مصر لا ترغب في الانخراط بمواجهة عسكرية مع تركيا، يرجح الخبير الروسي أن الأمور ستؤول "عاجلا أو آجلا إلى تسوية بين مختلف الأطراف، وأن روسيا ستمنع أي تصعيد للنزاع"، باعتبار أن "حفتر" سيصبح مجبرا على التفاوض للتوصل إلى حل بعد مؤتمر برلين.

ويفترض أن تشارك في هذا المؤتمر 11 دولة على الأقل هي الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، إضافة إلى ألمانيا وتركيا وإيطاليا ومصر والإمارات والجزائر.

ويرجح مركز "فيريل" للدراسات ما استنتجه الخبراء الروس أيضا، في إطار "صفقة مقايضة" مع تركيا.

ويشير تحليل المركز الألماني إلى أن صيغة الصفقة التركية الروسية مفادها (الحل في إدلب مقابل الهدوء في ليبيا)، مرجحا ظهور انعكاسات التدخل التركي ضد قوات "حفتر" في ليبيا على موقف أنقرة في شمال غرب سوريا. ويرجح مصداقية هذا التحليل اللقاء الذي تم عقده بين رئيس المخابرات التركية "هاكان فيدان" ونظيره، رئيس مكتب الأمن الوطني السوري "علي مملوك"، الإثنين الماضي في موسكو، وهو اللقاء الأول من نوعه منذ 5 أعوام.

في هذا السياق، من المتوقع أن تعطي موسكو الضوء الأخضر لأنقرة للدفاع عن حكومة الوفاق الوطني، مع رفع دعمها الميداني لـ"حفتر"، حال قام الأخير باستئناف المعارك ضد طرابلس خلال الأيام المقبلة.

ويعني ذلك أن الأراضي الليبية يمكن أن تشهد في الأيام المقبلة أول مواجهة عسكرية تشارك فيها القوات التركية، وهو ما يهدد بجر دول أخرى إلى الصراع، ويخاطر بتعقيد الصراع الليبي المعقد بالفعل.

المصدر | الخليج الجديد