الجمعة 17 يناير 2020 05:45 م

"عمل إجرامي يرقى إلى جريمة الحرب".. هكذا جاء وصف الرئاسة الجزائرية لقصف الكلية العسكرية في طرابلس، الذي أسفر عن مقتل 30 طالبًا وإصابة 33 آخرين، في 6 يناير/كانون الثاني الجاري. وكان هذا التصريح فيما يبدو مؤشرا على تحول جذري في دبلوماسية البلاد تجاه القضية الليبية.

وقد أثار هذا التحول تساؤلات لدى المراقبين حول الأسباب التي دفعت الجزائر لإعادة استكشاف تموضعها فيما يخص الملف الليبي، خاصة أنها طالما تبنت الوقوف على مسافة واحدة من طرفي الصراع الداخلي؛ وهما "فايز السراج"، رئيس حكومة الوفاق المعترف بها دوليا، و"خليفة حفتر"، قائد قوات الشرق الليبي، حيث استقبلت الجزائر وفودا لكليهما.

ولما كان هذا التحول يمثل عودة للدبلوماسية الجزائرية بعد "غياب تاريخي" يعود إلى فترة مرض الرئيس الأسبق "عبدالعزيز بوتفليقة"، منذ عام 2013 وحتى استقالته في عام 2019، فإن حديث المراقبين عن "تحول نوعي" لا يعد من قبيل المبالغة.

وتأتي هذا العودة للدبلوماسية الجزائرية استجابة للعديد من التحديات التي تواجه المحيط الإقليمي للبلاد، بما يشكل قيام العديد من الدول من خارج الشمال الأفريقي باستغلال الفراغ الذي خلفته الجزائر، وعلى رأسها الإمارات وفرنسا.

الأمن والحدود

ومع تطور الأزمة الليبية إلى اقتتال داخلي مصحوب بحضور عسكري أجنبي، باتت الجزائر ترى القضية الليبية باعتبارها مسألة أمن قومي؛ مع العديد من التداعيات الأمنية المحتملة التي تشمل انتقال العنف المسلح عبر الحدود، وتنشيط ممرات تهريب السلاح عبر النقاط الحدودية.

واستجابة لهذه المخاطر، بدأت الجزائر في تعزيز قواتها المرابطة على الحدود (أكثر من 30 ألف مقاتل)، ومضاعفة الطلعات الجوية لمراقبة المناطق الحدودية، وخصصت أول اجتماع لمجلس الأمن القومي في البلاد بعد انتخابات الرئيس الجديد "عبدالمجيد تبون" لمناقشة الأزمة الليبية.

وجاء انتخاب "تبون" معبرا عن حالة التحول التي رصدها المراقبون، حيث صرح في خطاب تنصيبه (19 ديسمبر/كانون الأول الماضي)، بأن الجزائر "لن تقبل باستبعادها من أي من مسارات حل الأزمة الليبية".

أما الإمارات، فإلى جانب اصطفافها في نفس المعسكر مع فرنسا بدعمها قوات "حفتر"، فهي تشارك في تمويل قوة "5 + 5" التي تقودها فرنسا في الساحل الأفريقي. ويرى التقدير الاستراتيجي الجزائري أن الدور المتزايد لأبوظبي لا يصب في صالح شعوب المنطقة، وهو تهديد لم يعد قاصرا على حدود الجزائر الشرقية (ليبيا) لكنه امتد أيضا إلى حدودها الجنوبية (مالي).

تبون وإيطاليا

من هنا جاء تصريح الرئاسة الجزائرية بشأن قصف الكلية العسكرية بطرابلس معبرا عن انعكاس استعادة الاستقرار الداخلي على السياسة الخارجية للبلاد من خلال "مجموعة مستشارين على دراية جيدة بالملف الليبي" يحيطون بـ "تبون"، وفقا لما نقله موقع "العربي الجديد" عن الباحث في الشؤون السياسية "عمار سيغة".

ويعزز من فرص نجاح التحول الجزائري، اتجاه ألمانيا وإيطاليا لتشكيل "حلف ثالث" يستهدف مواجهة الدور الفرنسي والروسي في ليبيا، دون التماهي مع الدور التركي، حسبما يرى الباحث الجزائري.

ومن شأن هذا الحلف أن يسهم في حلحلة الأزمة في أسرع مدة وبأخف الأضرار؛ حسبما يرى التقدير الجزائري، خاصة مع الأخذ بالاعتبار الصراع المحتمل بين فرنسا وإيطاليا على "كعكة" النفط الليبي، وهو ما عبرت عنه تصريحات أدلى بها نائب رئيس الحكومة الإيطالي "لويجي دي مايو" حول تورط باريس في "نهب ثروات الشعوب الأفريقية، والاستفادة من الأنظمة الموالية لها لاستغلال تلك الثروات لصالحها".

وحسب تقدير الخبير السياسي "محمد المختار الشنقيطي"، فإن أوروبا، خاصة إيطاليا، لا تريد اختطاف الأضواء والأدوار من القارة العجوز في ليبيا لصالح روسيا وتركيا، وأن بعض الدول الأوروبية كانت وراء تراجع "حفتر" عن توقيع اتفاق وقف إطلاق النار في موسكو مؤخرا، وإزاء ذلك، فإن الموقف الجزائري متناقض مع حلف فرنسا ومصر والإمارات، لكنه غير متطابق مع حلف تركيا وحكومة الوفاق.

 ولذا بدأ "تبون" في التعبير عن دبلوماسية أقرب إلى الانحياز لحكومة الوفاق دون قطع الصلة بـ "حفتر"، وهو ما يعد الأقرب للموقف الإيطالي.

ويعزز من توجه "تبون"، اتجاه ألمانيا وإيطاليا لطرح نشر قوات أوروبية لدعم السلام في ليبيا على أجندة مؤتمر برلين المزمع الأحد المقبل، وهو ما صرح به رئيس الوزراء الإيطالي "جوزيبي كونتي" عقب لقائه الرئيس الجزائري في الجزائر العاصمة، الخميس (16 يناير/كانون الثاني)، قائلا: "إرسال قوات أوروبية إلى ليبيا أحد الخيارات التي سندرسها (في مؤتمر برلين)، لكن يجب علينا أن ننسق مواقفنا ونحاول التوصل إلى حل سياسي".

قبائل الطوارق

وفي الداخل الليبي، تستند دبلوماسية الجزائر الجديدة إلى عوامل قوة لا تتوافر لغيرها، على رأسها علاقتها الجيدة بقيادات القبائل الجنوبية الغربية، لاسيما قبائل "الطوارق"، التي ترحب بالدور الجزائري، وتتعاطى معه بشكل إيجابي.

وبذلك يمكن توقع سيناريو تدخل أوروبي مقبول جزائريا في ليبي، وبتعاون محلي من تلك القبائل، حسبما يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة ورقلة جنوبي الجزائر "مبروك كاحي".

ومع عدم تورطها في ما يمكن أن يكون محل تحفظ لدى طرفي الصراع وعدم وجود مطامع سياسية وأمنية واقتصادية لها في ليبيا مقارنة بالمتدخلين الأجانب، فإن الجزائر يمكنها الحفاظ على موقع الطرف الإقليمي الأكثر قدرة على أداء دور الضامن لأي اتفاقيات بين أطراف الأزمة، بخلاف الموقف المصري الذي أبدى انحيازا واضحا لـ "حفتر" سياسيا وعسكريا.

تركيا أم إيطاليا؟

ورغم شواهد التقارب بين الموقف الجزائري والموقف الإيطالي تجاه الأزمة الليبية، يشير المحلل السياسي "لزهر ماروك" إلى دبلوماسية تركية مكثفة خلال الأيام الماضية من أجل الوصول لاتفاق مع الجزائر بشأن ليبيا، وهي جهود يقودها وزير الخارجية التركي "مولود جاويش أوغلو"، حسبما نقلت وكالة "الأناضول".

وعلى ضوء زيارة لـ "جاويش أوغلو" إلى الجزائر العاصمة، دامت يومين، اتفقت الجزائر وتركيا على "تجنب أي إجراء يمكن أن يزيد تعكير الأجواء في ليبيا، وبذل كل الجهود لوقف إطلاق النار"، وفق بيان للرئاسة الجزائرية نقلته وكالة الأنباء الرسمية.

وتؤشر تلك التطورات، بحسب "ماروك"، إلى عدم استبعاد وصول الجزائر لحلول وسط بين تركيا وإيطاليا، وهو ما ستحسمه مفاوضات الأيام المقبلة ونتائج مؤتمر برلين، خاصة أن ضغوط تركيا هي من دفع ألمانيا لتدارك خطأها باستبعاد الجزائر من المشاركة في المؤتمر من خلال توجيه الدعوة لها، خاصة بعد مواقفها الأخيرة من هجوم "حفتر" على طرابلس.

المصدر | الخليج الجديد + متابعات