في وقت سابق، هذا الأسبوع، وخلال ما وصف بـ"أسبوع الغضب" استهدف محتجون غاضبون أكثر من 300 بنك وصراف آلي في جميع أنحاء لبنان، محملين المؤسسات المالية مسؤولية أسوأ أزمة اقتصادية تشهدها البلاد منذ عقود.

ويواجه لبنان أزمة صرف لعملته المحلية (الليرة)، إذ وصل سعر صرف الدولار في البلاد بالسوق السوداء، إلى 2200 ليرة مقابل الدولار الواحد، حتى إن بعض الصرافين يقومون ببيع الدولار مقابل 2500 ليرة، ما يعني أن العملة الأجنبية حققت ارتفاعا بنسبة 50% عن سعر الصرف الرسمي المتراوح بين 1501 إلى 1514 ليرة لكل دولار.

يحدث كل ذلك بالتزامن مع احتجاجات شعبية متواصلة منذ 17 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، استهدفت الطبقة السياسية الطائفية، ونددت بالفساد والأزمة الاقتصادية.

ويعد لبنان واحدا من أكثر البلدان مديونية في العالم، حيث تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 152%، وشكلت مدفوعات الفوائد ما يقارب نصف إجمالي الانفاق الحكومي في عام 2016.

المصارف والنخبة الفاسدة

خلال الأسابيع الأخيرة، تعمقت الأزمة الاقتصادية في لبنان، حيث فرضت البنوك ضوابط غير رسمية على رأس المال شملت قيودا على حجم الأموال التي يمكن للعملاء سحبها في ظل استمرار انخفاض سعر الليرة.

وإزاء تلك الإجراءات والضوابط من قبل البنوك، يفقد الكثير من اللبنانيين القوة الشرائية لمدخراتهم يوما بعض يوم، وبخلاف ذلك، غذت الأزمة الأخيرة تصورا قائما منذ فترة طويلة حول كون الصناعات المالية في لبنان لديها علاقة تكافلية مع الطبقة السياسية في البلاد، وهي تعمل على إثراء قلة صغيرة فاسدة على حساب البلد بأسره.

وفي القلب من الأزمة المالية الاقتصادية في لبنان، يقع اقتصاد غير متوازن تم دعمه لسنوات عبر هندسة مالية غير فعالة.

ويعتمد لبنان بشكل رئيسي على الواردات القادمة من الخارج، فيما يتطلب الحفاظ على استقرار تكاليف الواردات هذه ربط الليرة بالدولار الأمريكي، ويحتاج ذلك للحفاظ على توفير منتظم للدولار في البلاد.

وتأتي غالبية العملة الأجنبية المتوفرة من تحويلات من الخارج، غير أن وتيرة هذه التحويلات تباطأت خلال السنوات الأخيرة، ولم يكن قرار البنك المركزي اللبناني رفع أسعار الفائدة في محاولة لجذب المودعين كافيا لتغيير لذلك.

لذلك، عندما بدأت الأزمة المالية في الاشتداد، بدأ الناس في سحب أموالهم من البنوك، وبالتزامن، هناك ندرة في الدولار بشكل متزايد، لأن البنوك المحلية أودعت أموال عملائها في البنك المركزي للاستفادة من ارتفاع أسعار الفائدة، وأصبح ربط الليرة بالدولار غير مستدام ما أدى إلى انخفاض العملة اللبنانية بشكل كبير.

اقتحامات ومصادمات

وفي الأسبوع الماضي، اقتحم محتجون المدخل الرئيسي لمصرف لبنان المركزي، في منطقة الحمرا غربي العاصمة بيروت، ومنعتهم قوات الأمن من التقدم نحو المبنى.

وكتب المحتجون على جدار المصرف "يسقط حكم الفاسد"، مرددين شعارات منددة بسياسة المصرف المركزي.

وقال الناشط المدني "جاد شعبان" إن المصارف اتخذت إجراءات تعسفية بشكل واضح تجاه العملاء والمودعين، حيث أعلن كثير من القضاة عدم قانونية تلك الإجراءات، مشيرا إلى أن الأعمال العنيفة التي استهدفت المصارف تعكس الأوضاع الصعبة التي يعيشها اللبنانيون.

وأضاف "شعبان" أن التحركات الأخيرة تستهدف أصحاب المصارف وليس الموظفين العاملين بتلك المؤسسات المالية، الذين وصفهم بأنهم يقعون على خط التماس بين المحتجين الغاضبين وأصحاب المصارف.

أزمة غير مسبوقة

من جانبها أقرت نقابة موظفي المصارف في لبنان بمرور النظام المصرفي بأزمة وصفتها بأنها "غير مسبوقة"، إثر تداعيات الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد منذ شهور.

وقالت النقابة، إنه لن يكون هناك ثقة بالنظام المصرفي، ما لم يحظ النظام السياسي والحكومة المقبلة بالثقة.

في السياق ذاته، اعتبر رئيس البرلمان اللبناني، "نبيه بري"، أن نصف التدهور الاقتصادي بالبلاد سببه "سياسي صرف".

وأضاف "بري": "أعطونا حكومة إنقاذ، وأؤكد لكم أن إنقاذ لبنان ممكن ووقف الانحدار ليس صعباً".

وبخصوص الوضع المالي الذي تشهده البلاد، ورداً على مطالبة حاكم مصرف لبنان المركزي، "رياض سلامة"، بإعطائه صلاحيات استثنائية، تابع "بري": "لا يمكن إعطاء مصرف لبنان صلاحيات استثنائية في ظل غياب الحكومة".

ورداً عن سؤال حول تفعيل حكومة تصريف الأعمال، رأى "بري" أن عليها أن تقوم بعملها حتى آخر لحظة، وحتى تشكيل الحكومة الجديدة.

وبناء على استشارات نيابية ملزمة، كلف الرئيس اللبناني "ميشال عون"، في 19 ديسمبر/كانون الأول الماضي، "حسان دياب"، الذي شغل سابقًا منصب وزير التربية والتعليم العالي، بتشكيل الحكومة.

ويطالب المحتجون بحكومة "تكنوقراط" (اختصاصيين غير حزبيين) قادرة على معالجة الوضعين السياسي والاقتصادي في بلد يعاني أسوأ أزمة اقتصادية منذ الحرب الأهلية بين عامي 1975 و1990.

من جانبه اعتبر رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبناني، "سعد الحريري"، أن عدم إجراء الدولة للإصلاحات أوصلنا إلى الأوضاع الحالية.

 وأوضح "الحريري": "علينا أن نكون صادقين مع الناس، وصلنا إلى هنا لأن الدولة لم تقم بالإصلاحات".

وأوضح: "نعم، المصرف المركزي والمصارف تتحمل جزءًا من المشكلة لكنها ليست المشكلة كلها".

المصدر | الخليج الجديد