السبت 25 يناير 2020 03:25 م

خلال الأيام الثلاثة الماضية، أثارت أنباء انتشار سلالة قاتلة من فيروس كورونا، الذي اكتُشِف للمرة الأولى في مدينة ووهان بالصين، إلى داخل وخارج الحدود الصينية، مخاوف من تفشي أوسع، من شأنه أن يزيد من مخاطر الآثار الاقتصادية والاجتماعية الهامة في الصين والعالم.

ويعد هذا الفيروس هو نفس النوع من الفيروسات الذي أدى إلى تفشي عالمي لمتلازمة الجهاز التنفسي الحادة (سارس) في عامي 2002 و2003، وتم الإبلاغ عن اكتشافه للمرة الأولى في ووهان في نوفمبر/تشرين الثاني.

ومع ذلك، فمن الجدير بالذكر أنه بالمقارنة مع التستر الواضح وندرة المعلومات التي نشرها المسؤولون الصينيون خلال الأشهر الثلاثة الأولى من تفشي سارس، الذي نشأ للمرة الأولى في مقاطعة قوانغدونغ، فإن المزيد من الشفافية بشأن تفشي الفيروس الحالي على الصعيد المحلي والوطني قد حرك استجابة رسمية مبكرة ورفع الوعي العام، مما يمكن أن يخفف من مدى انتشاره.

ومع ذلك، لا يزال المصدر الدقيق لفيروس كورونا المسؤول عن التفشي الحالي مجهولًا، وكذلك الأمر بالنسبة لطرق طفراته.

إذا وضعنا في الاعتبار فترة الحضانة (الفترة الخالية من الأعراض) التي تصل إلى 14 يومًا في المراحل المبكرة من العدوى، فمن الممكن أن يكون النطاق الكامل لتفشي الوباء لم يتم تحديده بعد.

في مواسم السفر التقليدية والمرتبطة بموسم رأس السنة الصينية، يمكن أن يسبب المرض آثارًا أوسع على السفر والسياحة العالميين، كما سيختبر أيضًا استراتيجيات الإدارة الصينية للتعامل مع الوباء على الصعيدين الوطني والعالمي.

في الوقت الحالي، تم الإبلاغ عن 543 حالة إصابة مؤكدة، تغطي جميع المقاطعات الصينية تقريبًا، بما في ذلك البلديات الكبرى مثل بكين وشانغهاي، وسبع دول أخرى على الأقل، بما في ذلك الولايات المتحدة وتايلاند واليابان.

من بين هذه الحالات المؤكدة، تمركز 80% في مقاطعة هوبي، وكذلك جميع الوفيات الـ17 المبلغ عنها والمرتبطة بالفيروس.

أبلغت الغالبية العظمى من المصابين أنهم يعيشون أو يسافرون إلى ووهان، عاصمة مقاطعة هوبى، مع وجود نقطة منشأ يعتقد أنها سوق للمأكولات البحرية المحلية.

ولكن الفيروس أظهر بشكل متزايد علامات انتقال العدوى من إنسان لآخر. وفي حالة واحدة على الأقل، تم اكتشاف تسبب مريض واحد في نقل العدوى لـ14 عاملاً في مجال الرعاية الصحية، وهذا يثير احتمالًا قويًا بأن ينتشر الفيروس الجديد بسهولة بين البشر، مما يميزه عن فيروس كورونا الذي كان يقف خلف وباء متلازمة الشرق الأوسط التنفسية (MERS)، والذي تم الإبلاغ عنه للمرة الأولى في عام 2012 في السعودية، وكان لديه قدرة محدودة على الانتشار عن طريق الاتصال الإنساني.

إذا تم التأكد من سهولة انتقال سلالة فيروس كورونا الجديد من إنسان لآخر، فإن ذلك سيجعل التعقب والرصد والاحتواء الفعال أكثر صعوبة بكثير. وخاصة مع وضع ووهان كمفترق طرق للنقل الوطني (عبر السكك الحديدية والممرات المائية)، كما تستضيف المدينة أيضًا أكبر كتلة جامعية في آسيا.

الآثار المحتملة

في هذه المرحلة، يبدو أن الفيروس الجديد أقل فتكًا وأقل عدوى من الفيروس المسؤول عن السارس، إذ يبدو أن معدل الوفيات بفيروس ووهان يتراوح بين 3 إلى 4% من الإصابات، مقابل 9% للسارس، و35% لمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية.

وللمقارنة؛ فقد قدرت مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة أن 6600 شخص لقوا حتفهم بسبب الأنفلونزا خلال موسم الأنفلونزا 2019-2020، مع نقل 120 ألفا إلى المستشفيات بسبب سلالة الأنفلونزا السائدة هذا الموسم.

ومع ذلك، لا يزال الكثير من المعلومات غائبة بشأن المرض الناشئ. على سبيل المثال، لم يتم بعد تحديد المصدر الدقيق للعدوى والوسائل الأساسية للانتقال، والعوامل الحاسمة في التنبؤ بتطور المرض والآثار الاجتماعية الاقتصادية المرتبطة به.

وبالمثل، لم يتم بعد تحديد التدابير الطبية الدقيقة والأدوية المضادة للفيروسات التي يمكن استخدامها للسيطرة على المرض في مرحلته المبكرة، مع العلم بأن السيطرة على تفشي مرض السارس استغرقت نحو 270 يومًا في عام 2003.

لكن على المدى القصير، يبدو أن انتشار الفيروس الجديد على نطاق أوسع إلى حد ما أمر لا مفر منه قبل احتوائه.

فترة الحضانة المطولة للفيروس الجديد -والتي تستغرق وقتًا أطول بكثير من الإصابة بفيروس متلازمة الشرق الأوسط التنفسية أو السارس- تعني أن إظهار المصابين للأعراض يستغرق وقتًا، مما يُصعّب الكشف المبكر والإعداد للمواجهة.

بالنظر إلى كثافة السفر المحلي والدولي داخل الصين وخارجها خلال السنة القمرية الجديدة فإن فترة الحضانة التي تستمر أسبوعين والطبيعة غير الواضحة للمصابين الذين لم تظهر عليهم الأعراض بعد، يمكن أن تؤدي إلى نقص كبير في الإبلاغ أو التقليل من الحجم الحقيقي للفيروس.

هذا من شأنه أن يؤخر أيضا الاستجابة اللازمة والتدابير الوقائية التي كان يمكن استخدامها لمنع مزيد من الانتشار. (يمكن لهذا العامل أيضًا أن يضلل معدلات الوفيات، خاصةً إذا كانت الحالات الأقل حدة لا يتم رصدها).

والأكثر من ذلك، أن انتشار المرض يكون أعلى ما يمكن عندما تكون الأعراض غير واضحة -إذا كان الفيروس ينتقل في هذه المرحلة، كما حدث أثناء تفشي السارس- وعندما لا يتم اتخاذ تدابير وقائية مناسبة.

مسألة الشفافية

بالنظر إلى سرعة الانتشار وارتفاع معدل الوفيات نسبياً بالنسبة للوباء الحالي، فإن الشفافية ستكون ذات أهمية حاسمة للإدارة الفعالة للمرض، بما في ذلك الاستجابة لحالات الطوارئ وزيادة الوعي العام.

لهذه الأسباب، أعاد المرض الجديد طرح أسئلة حول مصداقية السلطات الصينية.

خلال المراحل المبكرة من مرض سارس عام 2003، ساهم الجهل والتستر المتعمد والاستجابات المتأخرة في الانتشار غير المقيد للسارس وجعل بكين على شفا أزمة سياسية.

ومقارنةً بأربعة أشهر من التأخر في الإبلاغ والاستجابات السلبية للسارس، فقد زادت الشفافية والاستجابة خلال الوباء الحالي.

استغرق الأمر 30 يومًا من السلطات للإبلاغ عن الحالة الأولى من الالتهاب الرئوي المتصل بفيروس كورونا إلى منظمة الصحة العالمية، وأسبوعين آخرين لتدخل الحكومة المركزية المباشر - وهو عامل حاسم في كبح ميل السلطات المحلية إلى التقليل من شأن الأخبار السيئة.

بعد ذلك بوقت قصير، تم تطبيق حالة الطوارئ على مستوى البلاد، وكذلك طرق الوقاية والسيطرة ذات الصلة. ومع ذلك، لا يزال التشكيك في الرأي العام المحلي والدولي بشأن التستر المحتمل على الوباء الحالي قوياً.

تصاعدت الشكوك بسبب حقيقة الإبلاغ عن العديد من حالات المرض في الخارج، بما في ذلك في تايلاند واليابان، قبل أن تعترف السلطات بأي حالات أخرى في الصين خارج مقاطعة هوبى.

إذا لم تتم إدارة مسألة الشفافية بشكل صحيح، فقد تصبح مصداقية الحكومة موضع شك مرة أخرى، مما قد يؤدي إلى انتقادات أوسع.

وبالنظر إلى أن الكثير من المعلومات حول الفيروس ما تزال مجهولة، سيكون من الصعب تحديد الآثار الاجتماعية والاقتصادية والدولية النهائية للوباء في الوقت الحالي، مع العلم أن وباء سارس أدى في عام 2003 إلى خسائر إنتاجية بأكثر من 40 مليار دولار، وكان لتفشي فيروس إيبولا في 2014-2016 تأثير تقريبي قدره 53 مليار دولار.

على الأقل، من المتوقع أن يؤثر الوباء الحالي على القطاع اللوجيستي والسفر في الصين وسوف يحد من الاستهلاك. وسوف تأتي هذه الآثار في مقدمة الاضطرابات التي لا مفر منها التي تطرحها السنة القمرية الجديدة، والتي تؤثر سلبًا على الاقتصاد المحلي.

ما التوقعات بعد ذلك؟

في 22 يناير/كانون الثاني، أوقفت سلطات ووهان كل الطرق والممرات المائية والعبور السريع داخل وخارج المدينة، وعلقت السفر إلى الخارج بالسكك الحديدية والخطوط الجوية.

جاء هذا الأمر في أعقاب الحجر الصحي الرسمي الطارئ من قبل هيئة الصحة الصينية التي تشرف على المستشفيات في جميع أنحاء البلاد.

في المدن الكبرى، اعتمد الناس تدابير وقائية مثل ارتداء أقنعة واقية. ولكن بالنظر إلى القيود على القدرات المحلية ومحدودية الموارد المتاحة، قد يلزم إضافة تنسيق وطني رفيع المستوى أو حتى اتخاذ تدابير أكثر صرامة، مثل استخدام قوات الأمن.

وتخطط مقاطعة هوبي للحصول على مساعدة وطنية لشراء الإمدادات اللازمة، مثل المعدات الطبية الوقائية.

تمتلك هوبى سابع أكبر ناتج محلي إجمالي بين المقاطعات الصينية، حيث بلغت في المجمل 541 مليار دولار في عام 2017، ويبلغ عدد سكانها 59 مليون نسمة.

أما ووهان فهي مركز نقل صيني رئيسي وكذلك مركز للبحث العلمي وتصنيع السيارات والصناعات الثقيلة. ستؤدي إجراءات الطوارئ إلى تعطيل المرور والبضائع التي تعتمد على الشحن البري والشحن بالسكك الحديدية والشحن البحري عبر هوبى.

وقد يكون لهذه الاضطرابات آثار ثانوية على الموانئ الرئيسية وخاصة شنغهاي، التي تقع آخر نهر اليانغتسى من ووهان.

ولكن كما هو الحال مع سارس، من المرجح أن يكون التأثير على الأعمال التجارية محسوسًا في جميع أنحاء البلاد، إن لم يكن في جميع أنحاء العالم، إذا بقيت تدابير الطوارئ سارية لفترة طويلة.

في الأماكن الأخرى، يهدد الانتشار الدولي للمرض بتعطيل حركة الأشخاص والبضائع مع دخول شرق آسيا موسم عطلة العام القمري الجديد.

سيختبر الفيروس الجديد أنظمة إدارة وباء عالمي في الصين ودوليًا. أدخل مركز السيطرة على الأمراض إجراءات الفحص والحجر الصحي في المطارات الرئيسية الأمريكية التي تستضيف رحلات جوية من ووهان.

سيكون لدى البلدان التي أبلغت عن حالات الإصابة بفيروس كورونا، مثل كوريا الجنوبية، وعي بمخاطر انتقال العدوى من إنسان إلى آخر بشكل خاص، بالنظر إلى الآثار الاقتصادية الحادة لتفشي فيروس كورونا المرتبط بمتلازمة الشرق الأوسط التنفسية عام 2015.

وسوف يثير الارتفاع الكبير في تدفق السياح الصينيين في جميع أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ توخيًا للحذر في اليابان وجنوب شرق آسيا وحتى كوريا الشمالية أيضًا، على الرغم من أن قدرة تلك الدول على الكشف عن الحالات والسيطرة عليها تختلف بشكل كبير.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد