الخميس 30 يناير 2020 11:23 ص

في 27 يناير/كانون الثاني، زار وفد روسي دمشق لإجراء محادثات مع رئيس النظام السوري "بشار الأسد". ضم الوفد كلا من مبعوث الرئيس الروسي الخاص للشأن السوري "ألكسندر لافرنتييف"، ونائب وزير الخارجية "سيرجي فرشينين"، ومسؤولين عسكريين رفيعي المستوى لم تُذكر أسماؤهم. 

في وقت سابق من ذلك اليوم، كان وزير الخارجية الروسي "سيرجي لافروف" أجرى محادثة هاتفية مع نظيره التركي "مولود جاويش أوغلو".

  • إدلب جزء من صفقة أوسع

ركز الحدثان على الوضع في منطقة إدلب شمال غربي سوريا؛ حيث وصلت قوات النظام في 26 يناير/كانون الثاني إلى ضواحي معرة النعمان، وهي مدينة تسيطر عليها المعارضة، وتعد استراتيجية؛ حيث يمر بها طريق سريع رئيسي يربط دمشق بحلب.

قاتلت قوات النظام للسيطرة على 22 بلدة وفق الأنباء، وكان الهجوم مدعوما بضربات جوية روسية اعتبرها الجانب التركي انتهاكا لوقف إطلاق النار الذي تم بوساطة بين الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" ونظيره التركي "رجب طيب أردوغان" في 12 يناير/كانون الثاني.

خلال الأسبوع الأول من هذا الشهر، غادر "بوتين" دمشق متوجها إلى إسطنبول، بعد أن ترك لـ"الأسد" رسالة قاسية وفق ما تواردته الأنباء.

خلال الزيارة نصح "بوتين" النظام السوري بوقف هجومه على إدلب للسماح لتركيا بنقل بعض الجماعات المعارضة إلى ليبيا والضغط على الآخرين للانفصال عن "هيئة تحرير الشام". هكذا تفسر موسكو الالتزام الذي تعهد به "أردوغان" في منتجع سوتشي الروسي في سبتمبر/أيلول 2018 كجزء من الصفقة الروسية التركية بشأن إدلب.

قال صناع السياسة المطلعون، الذين تحدثوا مع "المونيتور" بشرط عدم كشف هويتهم، إن "الأسد" لم يعجبه ما قاله "بوتين"؛ فجيشه  كان قد سيطر بالفعل، بدعم من القوات الجوية الروسية، على عدة بلدات في إدلب ولا يريد للهجوم أن يفقد زخمه.

ومع ذلك، كان على "الأسد" أن يوافق على نصيحة "بوتين" -قد يعتقد البعض أن الأدق أن نسميها أمرا- لأن المبادرة كانت جزءا من حزمة أكبر من الصفقة الروسية التركية بشأن ليبيا والاتفاقيات الثنائية.

بعد 3 أسابيع تقريبا، لم يتحسن الوضع في إدلب، بل على العكس زاد سوءا، مع حدوث انتهاكات من حين لآخر لوقف إطلاق النار من كلا الجانبين وعزم جيش النظام السوري على التحرك بشكل أعمق في المنطقة.

تسبب الهجوم الجديد في موجة جديدة من النزوح؛ حيث أفادت التقارير بأن الآلاف يفرون باتجاه الحدود السورية مع تركيا.

  • روسيا تكرر تحفظاتها

في 24 يناير/كانون الثاني، كان مبعوث الأمم المتحدة المكلف بسوريا "جير بيدرسن" في موسكو، وأثار قضية الأزمة الإنسانية الحادة في إدلب وأجزاء أخرى من سوريا مع "لافروف"، ونوقشت الحاجة إلى العودة الآمنة والطوعية للاجئين والمشردين داخليا إلى مناطقهم الأصلية.

وقال مسؤول عسكري روسي رفيع، لـ"المونيتور"، طلب عدم الكشف عن اسمه لأنه ليس مخولا بالتعليق لوسائل الإعلام: "منذ أن توصلنا إلى اتفاق مع تركيا بشأن إدلب، لم يكتمل حل فصل المعارضة المعتدلة عن المتطرفين. مر ما يقرب من عام ونصف. نحن نعترف بأن الأمر ليس سهلا، لكن هذا كان التزام أنقرة وتوقعنا منهم الوفاء به. لا يمكننا أن نظل مكتوفي الأيدي لأن العش الإرهابي يزدهر هناك وليس للحكومة السورية (النظام السوري) سيطرة عليه".

وأضاف: "الحجة القائلة بأنها آخر منطقة يسيطر عليها المتمردون هي زائفة، وإلا فماذا عن المنطقة الواقعة شرق الفرات، أليست هي كذلك تحت سيطرة المعارضة؟، لكن الأهم من ذلك أنه لم يعد هناك مجموعات معارضة كافية متروكة هناك. إن من أرادوا التفاوض أو الخروج من المنطقة فعلوا ذلك، وأولئك الذين بقوا إرهابيين، ومعظمهم من هيئة تحرير الشام، هناك طريقة واحدة فقط للتعامل معهم".

تتشابه شكوى روسيا بشأن عجز تركيا عن الفصل بين جماعات المعارضة مع سردية موسكو حول العمل مع الأمريكيين بشأن حلب.

ففي خريف 2016، اتهمت روسيا الولايات المتحدة بالفشل في الوفاء بوعدها بفصل "جبهة فتح الشام"، التي كانت تُعرف سابقا باسم "جبهة النصرة"، وغيرها من الجماعات المتطرفة عن قوى المعارضة الأكثر اعتدالا.

في ذلك الوقت واجهت الولايات المتحدة السردية بطريقتين. أولا: قالت إن الجيش الأمريكي لم يستهدف "جبهة النصرة" لأنه أصبح مختلطا مع المدنيين والجماعات الأخرى. ثانيا: جادلت بأن موسكو نفسها كانت تقود المعتدلين للانضمام إلى المتطرفين من خلال القصف والغارات الجوية الضخمة على حلب والبلدات المجاورة.

  • تحديات أمام تركيا

على عكس حلب، التي تضررت بشدة من الغارات الجوية الروسية، اختارت روسيا في إدلب "سيناريو أكثر مرونة". أولا: سمحت لتركيا بالتعامل مع قضية المعارضة بمفردها، ثم عندما لم ينجح ذلك، تحركت روسيا إلى الضغط من حين لآخر على أنقرة لاتخاذ إجراء من خلال هجمات جيش النظام السوري والغارات الجوية الروسية، والاستيلاء تدريجيا على أجزاء من إدلب الكبرى.

قد لا تستخدم تركيا أشكالا مختلفة من التوجهين اللذين اتخذتهما الولايات المتحدة في مناقشتها مع موسكو حول إدلب، لكن يبدو أن أنقرة تواجه تحديا في فصل مجموعات المعارضة عن "هيئة تحرير الشام"، وفي تحقيق مصلحة تركيا بالبقاء في إدلب للاحتفاظ بنفوذ على "الأسد"، وكذلك التعامل مع المخاوف المشروعة حول التدفق الجديد للاجئين السوريين إلى تركيا.

في محادثة هاتفية مع "جاويش أوغلو" في 27 يناير/كانون الثاني، حاول "لافروف" على ما يبدو إبداء تفهم للقضايا ذات الأهمية بالنسبة لتركيا، لكنه أشار إلى أن روسيا لن تتراجع بعد الآن عن مواجهة التحديات الأمنية القادمة من منطقة إدلب؛، حيث وجدت موسكو أن هناك انتهاكات لوقف إطلاق النار من جانب المعارضة.

كان مضمون المحادثات، وفق البيان الصحفي، أنه "أعطى الأطراف لمحة عامة عن الجوانب العملية للجهود المشتركة للتصدي بفعالية للتهديد الإرهابي وتأمين خفض التصعيد في منطقة إدلب وفقا للمذكرة الروسية التركية المؤرخة بـ 17 سبتمبر/أيلول 2018"؛ مما يشير إلى أن روسيا لا تزال مهتمة بالتعامل مع تركيا بدلا من مواجهتها.

اختتم البيان الصحفي بأنه: "سرد الطرف الروسي حالات انتهاكات وقف إطلاق النار من قبل المتطرفين في إدلب. كما أكد على ضرورة فصل المعارضة عن الإرهابيين. ستستمر الاتصالات الوثيقة وسنلتزم بمواصلة دعم عمل اللجنة الدستورية".

  • النهاية قد تكون وشيكة

تحدث "متين غوركان" من قسم "المونيتور" المعني بالشأن التركي في وقت سابق عن الاجتماع الذي تم بوساطة روسيا بين رئيس المخابرات التركية والسورية في موسكو في 13 يناير/كانون الثاني، وقال إن إدلب احتلت مركز الصدارة في النقاش؛ حيث حدد الطرفان أهدافهما النهائية بوضوح إزاء القضية.

وفي الوقت نفسه، تحدث مبعوثو "بوتين" في دمشق مع "الأسد" حول الحاجة إلى "كبح جيوب الإرهاب المتبقية وتحديد مهام لضمان أمن سوريا على المدى الطويل"، وفقًا لبيان وزارة الخارجية الروسية، وربما تم تشجيع النظام السوري تحت الضغط الدولي على تقديم ما أسمته الوزارة "مساعدات إنسانية شاملة لجميع المحتاجين في جميع أنحاء البلاد".

بالنظر إلى أن "لافنترييف" و" فرشينين"، فإنهما يقومان برحلات شخصية إلى دمشق، وكذلك إلى أنقرة وطهران،  فقط لإيصال قرار كبير اتُخذ في موسكو أو على وشك أن يتم تنفيذه، فربما نتوقع بعض الديناميات الجديدة بشأن هذه القضية قريبا، وقد يكون ذلك بصدد نهاية ملحمة حصار إدلب التي استمرت لسنوات.

المصدر | مكسيم سوشكوف/المونيتور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد