الخميس 30 يناير 2020 07:06 ص

قد يبدو أن خطة السلام الإسرائيلية الفلسطينية التي طال انتظارها، والتي أعلنها الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، في 28 يناير/كانون الثاني، تحاول إرضاء الطرفين، لكنها ستعمل أكثر كحل لدولة واحدة.

تفضل الخطة بشدة المطالب الإسرائيلية وتفتقر إلى إدراج المدخلات الفلسطينية في معظم أجزاء صياغتها. نتيجة لذلك، فهي أقل من خطة سلام وبمثابة تدوين للوضع الراهن، الذي تُعتبر فيه (إسرائيل) جهة فاعلة أكثر قوة في مفاوضات دامت لعقود.

يمكن أن يكون توقيت إصدار الخطة بمثابة دعم انتخابي لـ"ترامب" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، وكلاهما يواجه تحديات سياسية أثناء سعيه لإعادة انتخابه هذا العام، خاصة أن حكومة (إسرائيل) أوضحت يوم 28 يناير/كانون الثاني أنها تعتزم ضم الأراضي التي تقترح الخطة ضمها بسرعة.

يبدو أن خطة "ترامب" ترتكز على الأسس المألوفة لمفاوضات السلام السابقة وتمشيا مع بعض القضايا التي طالب المفاوضون الفلسطينيون السابقون بها ووافقوا عليها في المحادثات خلال التسعينيات والألفينيات.

يتضمن هذا الأساس رؤية لدولتين مع اعتبار القدس عاصمة لها، رغم أن خطة "ترامب" لا تشمل على ما يبدو العاصمة الفلسطينية داخل حدود مدينة القدس التقليدية. كما يبدو أن الخطة تمنح الفلسطينيين مساحة أكبر مما يمتلكون حاليا وتجمد النشاط الاستيطاني الإسرائيلي أثناء المفاوضات. هناك أيضًا العديد من التنازلات الاقتصادية للفلسطينيين في شكل منح وقروض ومساعدات تصل إلى 50 مليار دولار إذا امتثلوا لشروط الخطة، والتي تشمل التخلي عن الجهود المبذولة للنضال من أجل المزيد من الأراضي.

ورغم أنها إيجابية من الناحية النظرية لكلا الجانبين، إلا أن وعود الخطة في الواقع ليست ثابتة بالنسبة للفلسطينيين وكذلك بالنسبة لبعض الإسرائيليين، وهي ترقى إلى حد دفع الولايات المتحدة الطرفين باتجاه حل الدولة الواحدة عن طريق إطالة الوضع الراهن.

إن تبني الخطة لحل الدولتين، على الأقل على الورق، سيخيب أمل الإسرائيليين الذين يفضلون ضم كل الأراضي الفلسطينية. وبالنسبة للفلسطينيين، تقترح الخطة مقايضات للأراضي من شأنها أن تمنحهم مساحة عامة أكثر مما يسيطرون عليها حاليًا، لكن هذه المقايضات ستشمل تبادل الأراضي الصالحة للزراعة مثل وادي نهر الأردن، كما تفتقر الخطة أيضًا إلى بند لإعادة اللاجئين إلى "الأراضي الإسرائيلية".

علاوة على ذلك، ليس من الواضح من الذي سيمول الخطة في نهاية المطاف، بما في ذلك التنازلات الاقتصادية الموعودة للفلسطينيين، على الرغم من أن إدارة "ترامب" طلبت المساعدة من دول الخليج العربية الغنية.

رفضت جميع الأطراف السياسية الفلسطينية الخطة من البداية، وستأمل في الاعتماد على الدعم الدبلوماسي الخارجي من دول الخليج العربي والاتحاد الأوروبي وروسيا للمساعدة في تأخير أي تحركات إسرائيلية نحو تنفيذ جوانب الخطة. كل ذلك في حين أن الفلسطينيين يأملون أن تسفر الانتخابات الرئاسية والإسرائيلية الأمريكية هذا العام عن شركاء مفاوضين أكثر ودية. لكن بينما ينتظرون الانتخابات، فإن الأوضاع الاقتصادية والأمنية الفلسطينية قد تزداد سوءا.

  • المخاطر الفورية والأثر القريب

تخاطر الخطة باحتمالية وقوع رد سياسي أو عنيف من الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وهذا يتوقف على مدى سرعة تحرك (إسرائيل) نحو تنفيذ أجزاء من الاقتراح. يضغط البيت الأبيض على (إسرائيل) لتنفيذ أجزاء من الخطة في غضون 6 أسابيع.

في أسوأ السيناريوهات للقادة الفلسطينيين الذين يرغبون في وضع حد للضم، فإن خطة "ترامب" ستكون مجرد ذريعة لـ(إسرائيل) للمضي قدمًا في ضم بعض أجزاء الضفة الغربية بمجرد إلقاء اللوم على الفلسطينيين لكونهم يعيقون الخطة.

وقال "نتنياهو"، في 28 يناير، إنه سيمضي قدما في الأسبوع المقبل بضم وادي نهر الأردن ومستوطنات الضفة الغربية الأخرى. سوف ترغب القيادة الفلسطينية في التراجع، لكن قدرتها على القيام بذلك محدودة، خاصة أن الفصائل السياسية الفلسطينية تحاول الحفاظ على الدعم الذي تحظى به بين دول الخليج العربي وتركيا، والتي لن تدعم أي منها العنف المباشر ضد (إسرائيل)، لكن من المرجح أن تغض الطرف عن المظاهرات الشعبية في الضفة الغربية وقطاع غزة ضد الخطة.

هناك تأثيرات قريبة المدى على المجال السياسي الإسرائيلي والفلسطيني أيضا. الخطة لديها القدرة على إعطاء دفعة صغيرة لـ"لنتنياهو" أو منافسه زعيم المعارضة "بيني جانتس" بالانتخابات الإسرائيلية المقررة في 2 مارس/آذار، وستساعد "ترامب" على كسب الشريحة المؤيدة لـ(إسرائيل) بانتخابات الرئاسة في نوفمبر/تشرين الثاني.

بالنسبة للفلسطينيين، يمكن أن تؤدي مقدمة الخطة إلى حكومة أكثر تشددا في رام الله إذا شعر الفلسطينيون أنهم يفتقرون إلى خيارات أخرى. من المناسب أن مهندس حل الدولتين من الجانب الفلسطيني "محمود عباس" (وهو مفاوض منذ فترة طويلة لمنظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الفلسطينية الحالي) يشيخ ويقترب من النهاية المحتملة لفترته مثلما يواجه حل الدولتين الذي تصوره زوالا محتملا.

في مواجهة التهديد المشترك لـ(إسرائيل)، فإن الأحزاب الفلسطينية المتنافسة والجماعات المقاومة، مثل "فتح" و"حماس"، قد تتجاوز عن بعض الخلافات العميقة بينها لتحصيل موقف قوي من خلال التعاون.

  • تأثير طويل الأجل

التداعيات الرئيسية لخطة "ترامب" هي أنها تضفي الشرعية على عملية الضم الإسرائيلي لأراضي الضفة الغربية التي كانت حقيقة واقعة لسنوات. وتظهر الخطة مدى البعد عن الخطط والأهداف التي جرى طرحها على مدى العقود القليلة الماضية حول المبادئ الأساسية لقضية السلام الإسرائيلية الفلسطينية، فقد أظهرت الخطة النقلة الكبيرة من مناقشة بين طرفين على استعداد للتفاوض، إلى طريق مسدود بين موقفين متشددين بشكل متزايد.

من بين عدد قليل من القضايا التقليدية التي ترتكز عليها محادثات السلام الراكدة منذ فترة طويلة -بما في ذلك الأمن والحدود وعودة اللاجئين ووضع القدس- تميل خطة "ترامب" إلى تفضيل سياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية. يعني إعلان الخطة أنه من الصعب التراجع عنه أو تغيير الركائز الأساسية للمحادثات حول السلام إذا كانت الحكومات الأمريكية أو الإسرائيلية المستقبلية ترغب في التحرك في اتجاه مختلف.

يمكن أن تشكل الخطة التي تم كشف النقاب عنها مؤخرًا نقطة انطلاق بين الدول العربية والفلسطينيين الذين تدعمهم. ستكافح دول الخليج العربي من أجل آن لا تقول شيئا واضحا بخصوص خطة واشنطن، الحليف الذي تحتاجه وتريده، و(إسرائيل) الحليف الهادئ الذي أقامت علاقات معه على نحو متزايد في السنوات الأخيرة، حتى لو كانت تعتبر سياساتها غير عادلة على الإطلاق.

حضر سفراء البحرين وسطنة عمان والإمارات الإعلان عن خطة "ترامب" في البيت الأبيض، وستجتمع جامعة الدول العربية في 2 فبراير/شباط لمناقشتها. لا تريد أي دولة عربية أو إسلامية أن تعارض علنا المطالبات الفلسطينية بأراضيها، لكن لا توجد دولة شرق أوسطية تريد المجازفة بموقفها الدبلوماسي أو الاقتصادي مع الولايات المتحدة الأقوى لصالح الفلسطينيين.

حتى الإمارات والسعودية، اللتين تتمتعان بالنفوذ الإقليمي والثقل لإحداث تغيير، لن تتحركا على الأرجح لصالح الفلسطينيين. جزء من السبب هو أن القضية لم تعد مهمة من وجهة نظرهما. من بين الرعاة التقليديين للقضية الفلسطينية -الأردن ومصر وسوريا ودول الخليج العربي، وبدرجة أقل لبنان وتركيا- لم تعد القضية الفلسطينية مثار جدل كما كانت من قبل.

المصدر | ستراتفور - ترجمة وتحرير الخليج الجديد