الثلاثاء 4 فبراير 2020 05:54 ص

فيما بدا مؤشرا على عودة صراع المصالح المتضاربة بين تركيا وروسيا في سوريا، قصفت قوات الحكومة السورية قوات تركية في محافظة إدلب (شمال غرب) ما أدى لمقتل 4 جنود أتراك وإصابة 9 آخرين.

وجاء ذلك، بالتزامن مع مواصلة القوات الحكومة السورية مدعومة بسلاح الجوي الروسي حملتها العسكرية في محافظة إدلب (بدأت نهاية العام الماضي)، التي تعد المعقل الأخير للمعارضة السورية بعد ترحيل المعارضين إليها من مختلف المناطق السورية خلال السنوات الماضية.

وفي الأسابيع الأخيرة، ونتيجة الحملة الشرسة لقوات "الأسد" وحلفائه، تم إجبار بعض المجموعات المسلحة المعارضة للنظام السوري على الانسحاب من بعض مناطقها في إدلب.

وتزامن ذلك مع تحقيق قوات "الأسد" تقدما كبيرا على الأرض، حيث انتزعت السيطرة على مدينة معرة النعمان لتأمين الطريق السريع الرئيس الذي يربط حلب بالعاصمة دمشق، وسط تلويح تركيا أنها قد تنفذ عملية عسكرية في إدلب ما لم يتوقف القتال هناك.

وفي ظل هذا التصعيد المتواصل وثقت تقارير ومقاطع مصور دخول رتل عسكري تركي كبير (حوالي 150 آلية) إلى الأراضي السورية من لواء إسكندرون، للانتشار على طريق حلب اللاذقية الدولي.

واليوم يبدو أن إدلب تحولت إلى ساحة تصعيد وتبادل للرسائل بين جميع الأطراف الفاعلة، ولاسيما بين تركيا وروسيا، ما يهدد بانتهاء حالة التوافق بين الطرفين، التي ظهرت خلال الأشهر الماضية سواء في سوريا أو في ليبيا.

توتر متصاعد

وفي أول تعليق له، قال الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" الإثنين، إن بلاده ستواصل الرد على الهجمات على قواتها في منطقة إدلب، بعدما قالت الحكومة إن 4 جنود أتراك قتلوا وأصيب 9 في قصف لقوات الحكومة السورية.

وقال "أردوغان" للصحفيين في إسطنبول: "رددنا بالمثل على هذه الهجمات وسنواصل القيام بذلك، سواء كان ذلك بالمدفعية أو بقذائف المورتر. عازمون على مواصلة عملياتنا من أجل أمن بلدنا وشعبنا وإخواننا في إدلب"، وأضاف "من يشككون في عزمنا سيدركون عما قريب أنهم مخطئون".

ونقلت وكالة "تاس" الروسية للأنباء عن وزارة الدفاع قولها إن الجيش التركي "تعرض لنيران قوات الحكومية السورية لأنه لم يخطر موسكو بشأن عملياته في منطقة إدلب بشمال غرب سوريا".

من جانبه قال المتحدث باسم الكرملين "ديمتري بيسكوف" إن موسكو لا تزال "تشعر بالقلق من هجمات المسلحين في إدلب حيث وقعت اشتباكات بين القوات التركية والقوات السورية في الأيام القليلة الماضية".

ووفق المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد تم رصد قصف صاروخي نفذته قوات النظام بعد منتصف ليل الأحد الماضي على النقطة التركية التي جرى إنشاؤها حديثاً في منطقة ترنبة غرب بلدة سراقب بريف إدلب الشرقي، لتقوم القوات التركية بقصف مواقع لقوات النظام بشكل مكثف انطلاقا من مواقعها في إدلب ومن داخل الأراضي التركية.

وبحسب المرصد فقد تسبب القصف المتبادل هذا بسقوط 4 قتلى أتراك وإصابة نحو 10 آخرين بجراح، بالإضافة لمقتل 6 عناصر من قوات النظام وإصابة آخرين منهم بجراح متفاوتة.

تفاهم ورسائل

وفي تعليقه على هذه التطورات قال المحلل السياسي الروسي، "يفجيني سيدروف"، إن موسكو تجد نفسها حاليا في وضع صعب للغاية لأنها من جهة تدعم النظام السوري، وتؤيد تحركاته على الأرض، ومن جهة أخرى، فإنها ملتزمة بالتنسيق الأمني والاستخباراتي والعسكري مع أنقرة.

وأوضح أن الصورة التي نراها اليوم هي صورة غريبة نوعا ما وفيها مفارقة، لأنه هناك اتفاقات على مستوى القمة بين "بوتين" و"أردوغان"، ودائما ما تنتهي لقاءاتهما بشكل ودي، لكن ما إن يبدأ تطبيق التفاهمات بينهما على الأرض حتى تظهر مثل هذه الحالات من التصعيد والتوتر الشديد.

وردا على ما يقال بأن تركيا لن تقدم على خطوة التصعيد سوي بضوء أخضر من موسكو، قال "سيدروف"، إنه من الوارد أن تركيا تتصرف بدون أن تحيط موسكو علما بكل تحركاتها.

وأشار إلى أنه ربما تكون روسيا على علم بالتحركات التركية فيما يتعلق بالخطوط العريضة، لكن "بعض التفاصيل ربما تكون غائبة عن موسكو، وربما يؤدي ذلك إلى مزيد من التصعيد والتوتر".

وشدد المحلل السياسي على أنه حان الوقت لتفعيل قنوات الاتصال بين موسكو وأنقرة ومتابعة كل ما يجري على الأرض بمزيد من الدقة؛ لأن الأمر أصبح خطيرا جدا على الطرفين.

ومضي قائلا: "يبدو أن هناك قوى ما تسعى لربما تأجيج التوتر فيما يتعلق بالأوضاع على الأرض في سوريا والإيقاع بين روسيا وتركيا ولكن هذا لن يحدث لأن بإمكان موسكو التوصل إلى تفاهم لحل الأزمة"، على حد وصفه.

من جانبه، اعتبر المحلل "بسام البني" أن التطورات الأخيرة تشير بكل بساطة أن روسيا توجه رسالة إلى تركيا بأن الاتفاق الذي حصل في سوتشي في 2018 بين "بوتين" و"أردوغان" سينفذ شاءت تركيا ذلك أم لا.

وأضاف أن منطقة "سراقب" القريبة من إدلب تعد نقطة معنوية مهمة لأنها شهدت سقوط الطائرة الروسية التي أسقطتها تركيا عام 2015، بجانب أهميتها الاستراتيجية من الناحية العسكرية لأنها تسيطر على جزء كبير من الطريق الدولي.

في ضوء ذلك، ربما يكون من غير المستبعد أن موسكو منحت النظام السوري الضوء الأخضر لاستهداف القوات التركية لتوجيه رسالة إلى أنقرة، على أن تقوم الدبلوماسية الروسية باحتواء آثار هذا التصعيد لاحقا.

ويعني ذلك أنه، في الوقت الراهن على الأقل، من غير المرجح أن يتسبب هذا التصعيد في إنهاء التفاهمات بين "بوتين" و"أردوغان" حيث يبدو الطرفان مستمسكين بالتنسيق بينهما حتى إشعار آخر.

المصدر | الخليج الجديد