في 8 يناير/كانون الثاني، افتتح الرئيس التركي "رجب طيب أردوغان" ونظيره الروسي "فلاديمير بوتين" خط أنابيب جديدا للغاز الطبيعي تحت البحر، يُعرف باسم "ترك ستريم"، يبدأ من ساحل البحر الأسود الروسي وصولا إلى غرب إسطنبول، لتوصيل الغاز إلى السوق التركية، في حين تبدأ المرحلة الثانية من خط الأنابيب في تصدير الغاز الروسي إلى جنوب شرق أوروبا بمجرد الانتهاء منها بحلول نهاية عام 2020.

وكان استكمال خط أنابيب "ترك ستريم" إنجازا مهما لكل من روسيا وتركيا. ولدى موسكو الآن خيار تعليق استخدام خط أنابيبها عبر أوكرانيا؛ حيث كان الاثنان في حالة حرب منذ عام 2014، وبيع الغاز إلى تركيا وأوروبا عبر "ترك ستريم"، بينما تحقق تركيا هدفها المتمثل في أن تصبح مركزا إقليميا للطاقة.

وسوف تعزز تركيا صورتها كطريق عبور رئيسي للطاقة بمجرد أن يبدأ خط أنابيب الغاز الطبيعي العابر للأناضول، الذي ينقل الغاز الطبيعي من أذربيجان إلى تركيا، في إرسال الغاز إلى اليونان وألبانيا وإيطاليا عبر خط الأنابيب "عبر الأدرياتيكي". وتتمتع تركيا بموقع متميز جغرافيا لتكون بمثابة محطة نقل للنفط والغاز الطبيعي من منطقة الشرق الأوسط وروسيا ومنطقة بحر قزوين.

ومع تزايد الطلب المحلي، وعدم وجود احتياطيات طاقة خاصة بها، تعتمد تركيا بشدة على الواردات. ويأتي أكثر من نصف الغاز الطبيعي من روسيا، الذي يصل إلى نحو 24 مليار متر مكعب في العام. وسيوفر خط الأنابيب الجديد 15.75 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويا إلى تركيا.

ولأن إيران هي ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي في تركيا، فقد كثفت أنقرة جهودها لزيادة الإمدادات من روسيا لتعويض خسائر الطاقة الإيرانية. وقد أبطأت تركيا واردات الغاز الإيراني للالتزام بالعقوبات الأمريكية.

ويتعلق تبني الرئيس "أردوغان" باتفاق الغاز الروسي أيضا بسياسات خطوط الأنابيب الإقليمية في منطقة شرق البحر المتوسط، التي شهدت مؤخرا اكتشاف احتياطيات هائلة من الغاز الطبيعي. ونظرا لعدم وجود اكتشافات كبيرة للغاز في الجانب التركي من البحر المتوسط​​، تخوض تركيا نزاعا مع اليونان وقبرص حول محاولات أنقرة التنقيب عن الغاز في المياه الساحلية لقبرص، وهي جزيرة متنازع عليها تاريخيا بين تركيا واليونان.

وعارضت الحكومة التركية جهود جيرانها في منطقة البحر المتوسط، (قبرص واليونان وإيطاليا والأردن ومصر و(إسرائيل)، والسلطة الفلسطينية)، لتطوير موارد المنطقة من الهيدروكربون إذا لم يتم تضمين قبرص التركية وتركيا في صفقات استخراج الطاقة والنقل.

وأثار اتفاق بين اليونان وقبرص و(إسرائيل)، تم الإعلان عنه في يناير/كانون الثاني 2020، لإنشاء خط أنابيب جديد تحت البحر إلى أوروبا لتوصيل الغاز من منطقة شرق البحر المتوسط، ​​غضب الحكومة التركية، التي تشعر بأن إنشاء خط أنابيب جديد في المنطقة يتجاوز تركيا سيؤدي إلى تهميش وتقليص وظيفة خطها الإقليمي.

ولممارسة المزيد من الضغط على جيرانها لإشراك تركيا في قرارات الطاقة، وقع الرئيس "أردوغان" اتفاقية بحرية مع حكومة الوفاق الوطني الليبية المعترف بها دوليا، والتي ربما تهدد خطط خطوط الأنابيب لنقل الغاز من شرق البحر المتوسط ​​إلى أوروبا. وفي هذا السياق، كان تنفيذ خط أنابيب "ترك ستريم" بمثابة عزاء للرئيس "أردوغان".

ويعتقد بعض مراقبي الطاقة أن تركيا لن تقوم فقط بتعزيز أمن إمدادات الطاقة عبر "ترك ستريم"، ولكنها ستستفيد أيضا من الناحية المالية من التحكم في حركة الغاز عبر أراضيها.

وبالرغم أن المسؤولين الأتراك يعتقدون أن خط الأنابيب الجديد يعزز من دور تركيا، فمن غير المؤكد أن البلاد ستستفيد منه بقدر ما تتوقع. وتكمن وراء "تركستريم" سلبيات اقتصادية محتملة بالنسبة لتركيا، بينما من المرجح أن تكون روسيا هي المستفيد الأكبر من خط الأنابيب.

وإليكم الأسباب

أولا، لن تحصل تركيا على سعر مخفض للغاز الروسي، رغم أنها ثاني أكبر مستورد للغاز من روسيا بعد ألمانيا. وستدفع تركيا نحو 305 دولارات أمريكية لكل ألف متر مكعب من الغاز المستلم عبر "ترك ستريم".

وعلى سبيل المقارنة، يدفع الاتحاد الأوروبي في المتوسط ​​220 دولارا لنفس الحجم من الغاز. ويحافظ الاتفاق التركي الروسي بشأن "ترك ستريم" على سعر الغاز الطبيعي مرتبطا بسعر النفط، ولا يوفر مساحة لأنقرة للتفاوض على الأسعار.

ثانيا، يمنع الاتفاق الشركات التركية من إعادة بيع الغاز إلى أطراف ثالثة، حتى لو كان هناك وفرة في الطاقة في سوق الطاقة المحلي. وقد يجبر مثل هذا الشرط الصارم العملاء الأتراك على دفع ثمن الغاز بأكثر من سعر السوق ما يستنزف ميزانية البلاد. وقد تمكن الاتحاد الأوروبي من إزالة بند مشابه من اتفاق الغاز الذي أبرمه مع روسيا بناء على مبدأ الحفاظ على نظام السوق الحر في قطاع الطاقة.

ثالثا، بمجرد الانتهاء من المرحلة الثانية من خط أنابيب "ترك ستريم" بحلول نهاية عام 2020، لن تكون أنقرة قادرة على فرض رسوم عبور على الغاز الروسي الذي سيمر عبر تركيا إلى الدول الأوروبية، لأن الأجزاء البحرية والساحلية من امتداد "ترك ستريم" إلى أوروبا تنتمي إلى شركة "غاز بروم" للغاز التي تحتكرها الحكومة الروسية.

وسواء اعترضت تركيا أم لا بشأن مسائل خطوط الأنابيب أو أسعار الغاز، فإن للكرملين خيار إعادة توجيه إمدادات الغاز من "ترك ستريم" إلى أوروبا عبر خط الأنابيب الحالي الذي يمر عبر أوكرانيا إلى جنوب شرق أوروبا. لذلك، يسمح "ترك ستريم" لروسيا بتأمين المزيد من خيارات عبور الطاقة، مع ترسيخ نفوذها على أنقرة.

ومع الاعتماد الشديد على الغاز الروسي، والحصول على الفائدة الأقل في اتفاق "ترك ستريم"، فلن يكون لتركيا أي نفوذ على روسيا فيما يتعلق بأمور الطاقة، بغض النظر عن اعتقاد تركيا بأنها أصبحت مركزا رئيسيا للطاقة. ويدرك محللو الطاقة الأتراك أن اعتماد بلادهم المتزايد على الغاز الروسي سيقلل من قدرة تركيا التفاوضية.

وخلال الوضع الراهن، قد لا تكون أنقرة منزعجة للغاية من اتفاق خط الأنابيب الذي أبرمته مع موسكو، لأنه يأتي سياق تعميق العلاقات الشاملة مع روسيا وسياسات الطاقة في منطقة شرق البحر المتوسط. لكن وضع كل بيضها في سلة واحدة قد يأتي بنتائج عكسية، إذا انتهى الأمر بالعميل المحلي إلى دفع سعر مرتفع للغاز الروسي، وإذا تأثرت ميزانية الطاقة في البلاد.

وإذا كانت المصلحة بالنسبة لروسيا تتمثل في الحصول على خطوط أنابيب متعددة، فيجب أن تكون المصلحة بالنسبة لتركيا في الحصول على موردين متنوعين للطاقة.

المصدر | سالتانات بردكيفا - إنسايد أرابيا - ترجمة وتحرير الخليج الجديد