الثلاثاء 11 فبراير 2020 12:49 م

"ليس سوى فصل آخر في تاريخ العلاقة بين البلدين".. هكذا وصف محلل الشؤون الاستخباراتية الإسرائيلي "يوسي ميلمان" اللقاء الذي جرى يوم 2 فبراير/شباط الجاري بين رئيس مجلس السيادة السوداني "عبدالفتاح البرهان" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو" في أوغندا.

فمحاولات إدماج السودان في نادي أصدقاء (إسرائيل) تعود إلى 66 عاما مضت، حسبما أورد "ميلمان" في تقرير نشره بصحيفة "هآرتس" العبرية في 6 فبراير/شباط، لافتا إلى أن النادي بات يضم العديد من الدول العربية السنية حاليا.

بدأت القصة في النصف الأول من خمسينيات القرن الماضي، عندما بدأ حزب الأمة السوداني (أكبر الأحزاب السياسية في البلاد آنذاك) علاقة مع (إسرائيل) لتساعده على مواجهة ضغط الأحزاب التي تنادي بالاتحاد مع مصر، وتصطف مع زعيمها "جمال عبدالناصر".

وفي هذا الإطار، عقد زعيم الحزب "صديق المهدي"، والد رئيس الحزب الحالي "الصادق المهدي"، لقاء سريا في لندن في 1956 مع عدد من أعضاء السفارة الإسرائيلية في العاصمة البريطانية، وهو ما كشفته وثيقة باللغة العبرية، عبارة عن رسالة من السفارة إلى الخارجية الإسرائيلية بشأن اللقاء، أوردها "ميلمان" في تقريره.

وتضمنت الرسالة إفادة بشأن التواصل مع حزب الأمة السوداني، وعن خطة إسرائيلية لدعوة ممثلين للحزب لزيارة (إسرائيل) وتقديم الدعم المالي له.

 

 

غير أن هذا التواصل السوداني الإسرائيلي الأول كان بمثابة "شهر عسل" لم يدم طويلا، إذ انقطع مع انقلاب الجنرال "إبراهيم عبود" في 1958، المتأثر بنفوذ الناصرية آنذاك، ليصبح السودان من أعداء (إسرائيل)، إلى حد المشاركة بقوات في حرب يونيو/حزيران 1967.

وخلال العقد الذي تلا تلك الحرب لم تكن هناك أي علاقات ولا اتصالات بين الطرفين، سواء كانت سرية أو علنية، وفي تلك الأثناء عملت (إسرائيل) بالمثل الذي يقول "عدو عدوي صديقي"، وانهمكت في دعم التمرد الذي كان يقوده الجنرال "جوزيف لاقو" بجنوب السودان عسكريا وماليا حتى عام 1972، حسب ما وثقته "هآرتس".

عملية الفلاشا

لكن العلاقات ما لبثت أن عادت أدراجها في الفترة من 1977 إلى 1980، حينما نفذت دولة الاحتلال عملية لترحيل اليهود الإثيوبيين "الفلاشا" بتعاون مع الرئيس السوداني الأسبق "جعفر النميري" ورئيس جهاز أمنه "عمر محمد الطيب".

وبدا البعد الاقتصادي في علاقة كلا الطرفين حاضرا هذه المرة، إذ دفعت إحدى المنظمات اليهودية بالولايات المتحدة 30 مليون دولار إلى "النميري" لتسهيل العملية، وبعد انتهائها التقى الرئيس السوداني سرا مع وزير الحرب الإسرائيلي الأسبق "أرييل شارون" في كينيا.

وهنا يظهر اسم رجل الأعمال السعودي "عدنان خاشقجي"، الذي كان له دور بارز في عقد اللقاء بمساعدة كل من رجل الأعمال الإسرائيلي من أصل عراقي "ياكوف نمرودي" ومسؤول الموساد (جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلي) آنذاك، "ديفيد قمحي".

واتفق الطرفان على تحويل السودان إلى "مخزن للأسلحة" التي ستستخدم للإطاحة بنظام "الخميني" في إيران ودعم المتمردين في تشاد لتنصيب حكومة صديقة لـ (إسرائيل)، التي تتطلع إلى السيطرة على اليورانيوم المتوفر هناك، ما أعطى للعلاقة الإسرائيلية السودانية شكلا أشبه بـ"الصفقة التجارية".

قطيعة ثانية

لكن تلك الصفقة لم تستمر أيضا، بعد صعود نظام جبهة الإنقاذ السودانية إلى الحكم، وخلال فترة حكم الرئيس السوداني السابق "عمر البشير"، الذي أنشأ علاقات قوية مع إيران في الفترة من 1990 إلى 1996 وجعل أراضيه ممرا للأسلحة التي ينقلها فيلق القدس الإيراني إلى قطاع غزة، وهو ما رصدته دولة الاحتلال وأورده "ميلمان" في تقريره.

وإزاء ذلك، ضغطت (إسرائيل)، بدعم من الولايات المتحدة، باتجاه إعلان محكمة الجنايات الدولية "البشير" وبعض قادة نظامه كمطلوبين على خلفية جرائم ارتكبتها قوات نظامه بإقليم دارفور.

في فترة لاحقة (منذ عام 2015 تقريبا)، عاد السودان إلى مغازلة الإدارة الأمريكية عبر قطع العلاقات مع إيران من جانب، والتقرب من السعودية وإبداء استعداد لعلاقة مع (إسرائيل) من جانب آخر.

واستهدف "البشير" آنذاك التأثير على الإدارة الأمريكية عبر اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، لتخليصه من اتهامات المحكمة الجنائية الدولية وإعادته إلى المجتمع الدولي، وهو ما استجابت له تل أبيب "جزئيا" ولفقا لما أورده "جورجيو كافيرو" في تحليل نشره بـ "ريسبونسبل ستيتكرافت".

وسعى الإسرائيليون إلى حث إدارة الرئيس الأمريكي الحالي "دونالد ترامب" على رفع العقوبات المفروضة على السودان، بعد أن قطعت الخرطوم علاقاتها مع إيران أوائل عام 2016 ووضعت نفسها في معسكر البلاد السنية التي تقودها السعودية والإمارات، والتي أظهرت ودا كبيرا لـ (إسرائيل) في السنوات الأخيرة، وهو ما استجابت له واشنطن "جزئيا" دون إلغاء إدراج الخرطوم من قائمة الجهات الداعمة للإرهاب.

وفي مقابل ذلك، صرح وزير الخارجية السوداني السابق "إبراهيم غندور"، قبل 4 سنوات، بأن تطبيع علاقات الخرطوم مع (إسرائيل) قد يحدث إذا رفعت واشنطن كامل العقوبات على الخرطوم.

وتوقفت وسائل الإعلام العبرية آنذاك طويلا أمام حديث "غندور" عن دولة الاحتلال باسم "إسرائيل"، وليس "الكيان الصهيوني" كما كان دأب الحكومة السودانية حتى تلك اللحظة.

وبداية العام الماضي، كان هناك اتصال دبلوماسي بين تل أبيب والخرطوم مما أثار تنبؤات عن تطبيع العلاقات الثنائية بين الجانبين، عززها إرسال "البشير" رئيس جهاز أمنه اللواء "صلاح قوش" ليلتقي رئيس الموساد "يوسي كوهين"، لكن الانتفاضة الشعبية التي اندلعت في السودان لاحقا قطعت ذلك التواصل.

نظام جديد

ويؤكد "ميلمان" أن التقدير الاستراتيجي الإسرائيلي لتغيير النظام الحاكم بالسودان جاء إيجابيا، ولذا حاولت تل أبيب إقناع واشنطن برؤية الخرطوم بطريقة جديدة.

لكن المشكلة بالنسبة للخرطوم ظلت هي استمرار وضع السودان على قائمة الجهات الراعية للإرهاب من قبل الإدارة الأمريكية، إضافة إلى إدراجها بقائمة "حظر السفر" للولايات المتحدة، التي فرضها "ترامب".

وإلى أن تتم إزالة الخرطوم من القائمتين، فإن السودان سيظل يعاني من عواقب القيود على المساعدات الاقتصادية والمبيعات العسكرية، وفي هذا السياق جاء لقاء "البرهان" و"نتنياهو" في أوغندا، باعتبار أن (إسرائيل) بوابة للخرطوم مع الولايات المتحدة.

غير أن الخبير الاقتصادي "محمد شيخون" يستبعد حصول السودان على دعم اقتصادي مؤثر، كالإعفاء من الديون مثلا، في حالة التطبيع مع (إسرائيل)، واصفا ما يروجه "البرهان" ومؤيدوه حول ذلك بأنه "وجبة قديمة أعيد تغليفها".

ويرى "شيخون" أن استراتيجية (إسرائيل) في أفريقيا تهتم بتطبيع العلاقات مع دول جنوب الصحراء مع إضعاف الدول العربية، خاصة مصر، جنيا إلى جنب مع التخطيط للسيطرة على مياه النيل، إضافة إلى تقسيم السودان، وفقا لما أوردته وكالة الأنباء السودانية (سونا).

تسويق الوهم

من هذا المنطلق، يصف الخبير الاقتصادي "خيثم فتحي" ما يسوقه "البرهان" بشأن لعب (إسرائيل) دور البوابة للوصول إلى قلب الولايات المتحدة والغرب بأنه "وهم"، وأن محاولات التطبيع التي يقودها "البرهان" تحمل دوافع سياسية أخرى.

في السياق ذاته، نقلت صحيفة "لاكروا" الفرنسي على لسان الخبير في الشأن السوداني "مارك لافرن"، قوله إن ربط "البرهان" بين الحفاظ على الأمن القومي لبلاده وبين التطبيع مع (إسرائيل) ليس صحيحا، لافتا إلى أن "المسالة قبل كل شيء مرتبطة بالصراع الداخلي حول السلطة في الخرطوم".

فالجيش السوداني يسعى عبر التقارب مع (إسرائيل) إلى كسب تأييد الولايات المتحدة ودول الخليج لجهوده لاستعادة كامل السلطة مستقبلا من الحكومة المدنية أو على الأقل رفع العقوبات الأمريكية والسماح له بتلقي الأموال من دول الخليج، حسبما يرى "لافرن".

 وفي هذا الإطار، يشير "فتحي" إلى استغلال "البرهان" للانشقاقات الحالية في الساحة السياسية السودانية لإيجاد منافذ للتطبيع مع (إسرائيل)، بهدف تأمين مستقبل النظام السياسي في البلاد.

ومع دخول السودان أكثر فأكثر تحت التأثير الجيوسياسي لأبوظبي والرياض، فمن المرجح أن توجه السودان لتطبيع العلاقات مع الدولة العبرية يعد امتدادا لتوجهات مماثلة للعاصمتين الخليجيتين.

ولما كانت (إسرائيل) لا تقيم علاقة رسمية مع أية دولة من دول مجلس التعاون الخليجي حتى الآن، فهناك سبب وجيه لاستنتاج وجود رغبة لدى بعض دول مجلس التعاون في استكشاف مسار التطبيع عبر السودان، وفقا لتحليل الخبير الفرنسي.

المصدر | الخليج الجديد