الجمعة 14 فبراير 2020 12:54 م

لم يكن توقيع الحكومة السودانية لاتفاق تسوية مع أسر وضحايا حادثة تفجير المدمرة الأمريكية "كول" العام 2000، سوى خطوة أولى ضمن مساعي الخرطوم للخروج من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفق تصنيف الحكومة الأمريكية.

وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول 2000، انفجر زورق مفخخ بالمتفجرات في جسم المدمرة "كول"، ما أسفر عن مقتل 17 بحارا أمريكيا إضافة إلى اثنين من المهاجمين، يعتقد أنهما ينتميان لتنظيم القاعدة الذي أسسه "أسامة بن لادن".

وفي 2012، أصدرت محكمة أمريكية، حكما يقضي بدفع السودان مبلغ 300 مليون دولار لأسر ضحايا المدمرة، والحجز على أي أرصدة للحكومة السودانية للبدء في سداد تلك التعويضات.

نفي وتسوية

اللافت أن وزارة العدل السودانية، جددت في بيان، نفي الخرطوم التورط في الهجوم، أو أي أفعال إرهاب أخرى، لكنها بررت الدخول في هذه التسوية برغبتها في استيفاء الشروط التي وضعتها الإدارة الأمريكية لحذف اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب.

وجاء إدراج السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب العام 1993؛ بسبب استضافة مؤسس تنظيم القاعدة "أسامة بن لادن"، الذي كان مقيما في السودان بين عامي 1992 و1996.

وطيلة نحو 27 عاما، ظل السودان بموجب إدراجه في تلك القائمة، معزولا عن النظام المالي العالمي، ويتعرض لخسائر اقتصادية مباشرة وغير مباشرة قدرت بنحو 350 مليار دولار.

وتشمل تلك الخسائر، توقف تدفق القروض والتسهيلات والمنح الدولية، إضافة إلى خسائر الصادرات، كذلك فقد السودان نسبة كبيرة من أساطيله الجوية والبحرية بسبب نقص قطع الغيار ووقف أعمال الصيانة، إضافة إلى تدهور قيمة الجنيه السوداني، ضمن اختلالات مالية واقتصادية أخرى.

وتعاني الحكومة والمصارف السودانية ورجال الأعمال السودانيين، من مشاكل مع المصارف العالمية التي لا تقوم بإجراء التحويلات بسبب استمرار وجود اسم السودان على قائمة الإرهاب.

أوراق "حمدوك"

منذ تولي حكومة "عبدالله حمدوك" مقاليد الأمور في البلاد، ضمن اتفاق سياسي في مرحلة ما بعد سقوط نظام الرئيس "عمر البشير"، تسعى الخرطوم لتحقيق انفراجة في هذا الملف، الذي يعرقل حل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في البلاد.

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء السوداني، إن بلاده بحاجة لمساعدات أجنبية بقيمة 10 مليارات دولار خلال العامين المقبلين لتغطية الواردات، والمساعدة في إعادة بناء الاقتصاد، وتعزيز الاحتياطي النقدي لإيقاف تدهور سعر العملة المحلية.

وأقر "حمدوك"، وهو دبلوماسي سابق، بأن الإدراج ضمن القائمة السوداء يعوق مسيرة السودان، مشيرا إلى تأثير ذلك على الاستثمار الأجنبي، وعلى الجهود المبذولة لتخفيف ديون السودان، وعلى انفتاح البلاد العالم.

وتصدرت القضية أجندة "حمدوك" الذي زار الولايات المتحدة في ديسمبر/كانون الأول الماضي، كأول زعيم سوداني يزور واشنطن منذ العام 1985.

وتعد تسوية تعويضات "كول"، خطوة أولية لافتة ضمن خطة سودانية جارية، للخروج من قائمة الدول الراعية للإرهاب، وهي عملية قانونية تستغرق وقتا، بحسب مسؤولين أمريكيين.

تنازلات أخرى

ويرى مراقبون، أن اللقاء الذي جرى بين رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق "عبدالفتاح البرهان"، ورئيس الوزراء الإسرائيلي "بنيامين نتنياهو"، في العاصمة الأوغندية قبل أيام، يندرج ضمن مساعي السودان لرفع اسمه من القائمة الأمريكية للإرهاب.

ويهدف اندفاع السودان نحو تطبيع العلاقات مع (إسرائيل) في المقام الأول إلى كسب ود واشنطن، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك ضغوطا خليجية تساند مطالب الخرطوم، مكافأة لها على دعمها السعودية والإمارات في حرب اليمن.

ووفق وزير الخارجية الأمريكي للشؤون الأفريقية "تيبور ناجي"، فإن بعض الدول الخليجية التي لها مصالح واسعة في السودان، تضغط على البيت الأبيض للإسراع برفع اسمه من القائمة السوداء.

ولذلك، يرى المدير السابق للشؤون الأفريقية في مجلس الأمن القومي الأمريكي "كاميرون هادسون"، أن هناك فرصة للحديث عن شطب السودان من القائمة.

ويحق للرئيس الأمريكي "دونالد ترامب"، أن يسمي دولة ما راعية للإرهاب، ويستطيع كذلك أن يشطب ويُخرج دولة من القائمة.

ملفات عالقة

إلى جانب ورقتي تعويضات "كول" و"التطبيع" مع (إسرائيل)، فإن الإدارة الأمريكية، تنتظر دورا أكبر من الخرطوم لدعم استقرار دولة "جنوب السودان"، ومفاوضات "سد النهضة" المتنازع عليه مع مصر وإثيوبيا، وأمن البحر الأحمر، والتعاون الأمني بين البلدين، وتنفيذ قرارات مجلس الأمن بشأن كوريا الشمالية.

كذلك هناك مطالب أمريكية تتعلق بملفات أخرى، منها عملية السلام في "دارفور" والنيل الأزرق وجنوب كردفان، وتحسين سجل السودان في مجال حقوق الإنسان والحريات الدينية.

ولا يمكن إغفال رمزية ودلالات موافقة الحكومة السودانية على مثول المطلوبين من رموز النظام السابق، وعلى رأسهم "البشير"، أمام المحكمة الجنائية الدولية، وهي خطوة يبدو أنها تهدف للتصالح مع النظام الدولي.

وعبر استغلال ورقة "تصنيف السودان كدولة راعية للإرهاب"، تستطيع واشنطن اكتساب نفوذ في الشأن السوداني، وإعادة توجيه السياسة السودانية، بحسب البروفيسور بمعهد ميدلبري للدراسات الدولية "جيسون بلازكيس".

مكاسب الخرطوم

يبدو أن رئيس الوزراء السوداني، بدأ يحصد ثمار تحركاته لحلحلة هذا الملف، بداية من إعلان واشنطن تعيين سفير لها في الخرطوم للمرة الأولى منذ 23 عاما، وشطب اسم السودان من قائمة الدول المقلقة في الحرية الدينية، وسط إشادات بخطوات "حمدوك" لتغيير سياسات وممارسات نظام "البشير".

وتفتح مساعي "حمدوك"، أيضا الباب أمام اتفاق مع صندوق النقد والبنك الدوليين؛ لمناقشة إعادة هيكلة ديون السودان البالغة 56 مليار دولار.

ومن المتوقع نجاح الخرطوم مستقبلا في إبرام تفاهمات مع الجهات المانحة وهيئات التمويل للاستفادة من برامج الإعفاءات من الديون والحصول على المنح والقروض اللازمة لإنعاش اقتصاد البلاد.

كذلك فإن شطب السودان من قائمة الإرهاب، سيرفع بالتبعية العقوبات الأمريكية، ويفتح أبواب الاستثمار الأجنبي في البلاد، ويقوي العملة المحلية، وهي إنجازات –حال تحقيقها- ستقوي دعائم حكومة "حمدوك"، وتعزز فرص الانتقال للحكم المدني في البلاد.

ورغم أن إزالة اسم دولة من القائمة السوداء يعد عملية إجرائية وقانونية، تمر عبر عدة دوائر تشريعية واستخباراتية في الولايات المتحدة، يبدو أن الطريق بات ممهدا أمام السودان لطي هذه الصفحة.

المصدر | الخليج الجديد